يا بُنَيَّ… لا تَرِثِ السَّلاسِل
يا بُنَيَّ…
حين تُولَدُ العصافير، لا تبحث عن خرائط السماء، بل تجرّب جناحيها. وحين تُولدُ الأشجار، لا تستأذنُ الغابةَ كي تُورق، لأنها تعرف أن سرَّ الحياة ليس في تقليد الغصون، بل في الإصغاء إلى نداء الجذور.
فإيّاك أن تظنَّ أن الطريق الذي مشى فيه الجميع هو الطريق الذي كُتب لك. فكثيرٌ من الدروب لا تقود إلى الغاية، بل تقود إلى بعضها، لأن الأقدام اعتادت السير فيها حتى نسيت أن تسأل: إلى أين؟
يا بُنَيَّ…
لا تجعل العادةَ معبودًا خفيًّا، تُقدِّم له حريتك قربانًا، ولا تُلبِس التقليدَ ثوبَ الحقيقة، فليس كلُّ ما شاخ صار حكمة، ولا كلُّ ما ورثناه استحقَّ أن يُورث.
إنَّ بعض العادات ليست إلا مرايا صدئة، يرى فيها الناس وجوه آبائهم، فيحسبونها وجوههم. وبعض التقاليد أقفاصٌ مذهبة؛ يصفق لها السجناء لأنهم لم يروا السماء خارج القضبان.
كن حذرًا من القطيع حين يسير مطمئنًّا نحو الهاوية، فإن كثرة السائرين لا تغيّر اتجاه السقوط.
يا بُنَيَّ…
اجعل دينك بوصلةً لا قيدًا، ورسالةً لا مظهرًا، وروحًا لا طقوسًا جامدة. فالدين جاء ليحرر الإنسان من عبودية الإنسان، ويطلق العقل من أصفاد الوهم، ويجعل الأخلاق شجرةً يستظل بها الجميع، لا سوطًا يجلد به بعضهم بعضًا.
فإن رأيت عادةً تُزهر عدلًا، فاسقها من قلبك. وإن وجدتها تُثمر ظلمًا، فاقلعها ولو كانت أقدم من الجبال.
فالحقُّ لا يقاس بالتقويم، وإنما يزن نفسه بميزان الضمير.
يا بُنَيَّ…
لا تعش حارسًا لمتحف الماضي، فإن الحياة لا تُقيم في المتاحف، بل في الحقول التي تُحرث كلَّ صباح.
إن الماضي بحرٌ نأخذ منه اللؤلؤ، لا المرساة. ونستضيء بمناراته، لا بأمواجه الغارقة. أما الذين يحملون سفن الأمس فوق ظهورهم، فلن يبلغوا شواطئ الغد.
لا تكن ابنَ الرماد، بل ابنَ النار التي تُنير ولا تُحرق، وابنَ الفجر الذي يولد كلَّ يومٍ من رحم الظلام.
يا بُنَيَّ…
إنَّ الإنسان يُولد مرتين؛ مرةً من رحم أمِّه، ومرةً من رحم قناعته. فاختر ميلادك الثاني بعناية، ولا تسمح لأحد أن يكتب سيرتك قبل أن تكتبها أنت.
اصنع أفكارك كما يصنع النحّات تمثاله؛ يزيل الزائد حتى يظهر الجمال، ولا تجمع المعتقدات كما يجمع المسافر الحجارة في حقيبته حتى يعجز عن متابعة الطريق.
واعلم أن العقل الذي لا يُراجع نفسه يتحول إلى غرفةٍ مغلقة، تموت فيها النوافذ اختناقًا.
يا بُنَيَّ…
لا تخف من التغيير؛ فالماء الذي يخشى الرحيل يتحول إلى مستنقع، أما الذي يعانق السفر فيصبح نهرًا، ثم يصير بحرًا، ثم يرتفع سحابًا ليعود حياةً للأرض.
كن كالنخلة؛ تضرب جذورها في القيم، وترفع هامتها إلى المستقبل. فلا تقلعك رياح الموضات، ولا تُجمِّدك ثلوج الجمود.
ليس المجد أن تحفظ آثار الأقدام، بل أن تترك أثرًا يستدلُّ به القادمون.
يا بُنَيَّ…
إياك أن تعيش نسخةً من رجلٍ مات قبل مئة عام، بينما الله خلقك لتكون الصفحة التي لم تُكتب بعد.
إن المستقبل لا يورَّث، بل يُبتكر. والنهار لا يخرج من جيب الليل، بل من شجاعة الشمس حين تشقُّ ستائر العتمة.
فاصنع يومك كما يصنع الشاعر قصيدته؛ يحذف ما لا يليق، ويضيف ما يخلّد المعنى. واصنع نفسك كما يصنع البنّاء منارةً؛ كل حجرٍ فيها وُضع ليقاوم الريح، لا ليخافها.
يا بُنَيَّ…
إذا وقفتَ يومًا بين صوت الضمير وصخب الجموع، فاختر ذلك الصوت الخافت؛ فهو وإن بدا وحيدًا، يحمل في أعماقه ضجيج الحقيقة.
وإذا خُيِّرت بين رضا الناس ورضا المبادئ، فاعلم أن الناس يتغيرون كما تتغير الفصول، أما المبادئ الصادقة فهي كالنجم القطبي؛ قد تحجبه الغيوم، لكنه لا يضل الطريق.
فلا ترث السلاسل، بل اكسرها.
ولا تحمل غبار الأزمنة على كتفيك، بل احمل مشاعلها.
ولا تسكن في الأمس، بل اجعل الأمس حجر الأساس، واليوم معول البناء، والغد القصر الذي تُشيِّده بيديك.
واعلم يا بُنَيَّ…
أن الإنسان لا يخلِّده ما ورثه، بل ما غيَّره.
ولا يرفعه ما قلَّده، بل ما أبدعه.
ولا يكتبه التاريخ لأنه سار مع القافلة، بل لأنه امتلك شجاعة أن يشقَّ لها طريقًا جديدًا.
فكن أنت الطريق… ولا تكن الغبار الذي يعلو عليه.
د. زبيدة الفول













