*مجالس العزاء… بين المواساة والاستعراض*
بقلم الاستاذة لمياء عويد.
عندما يحلّ الموت بأحد البيوت، يُفترض أن يخيّم الصمت، وأن تتقدّم حرمة الفقد على كل شيء، وأن يكون حضورنا خفيفًا على قلوب أهل الراحل، لا عبئًا إضافيًا يُضاف إلى وجعهم.
لكن يبدو أن بعض مجالس العزاء فقدت شيئًا من معناها، فتحوّلت من مساحة للمواساة إلى ما يشبه صالونات الأحاديث الجانبية واللقاءات الاجتماعية، وأحيانًا إلى تجمعات نسائية أو ما يُسمّى بـ«الصبحيات»، تتخللها أمور كثيرة، باستثناء الحزن الصادق.
تدخل بعض النساء إلى مجلس العزاء وكأنهن أمام جمهور؛ فتتقدّم إحداهن، وتنظر إلى أهل المتوفى، ثم تبدأ مظاهر الانهيار: دموع، وشهقات، ولطم، حتى ليخيّل إليك أنها كانت رفيقة الراحل منذ الطفولة، وأن بينهما عمرًا من الذكريات.
والمفارقة المؤسفة أن بعض هؤلاء لم تلتقِ بالمتوفى إلا مرة أو مرتين في حياتها.
لكن لا بأس… أحضروا البصل، والكولونيا، أو ما يُسمّى في أيامنا بـ«الأكول»!
حتى البكاء نفسه دخل سباقًا غير معلن: من ترفع صوتها أكثر؟ ومن تطلق شهقات أكثر؟ ومن تستطيع جذب الأنظار إليها لأطول وقت؟
وكأن عمق الحزن أصبح يُقاس بارتفاع الصوت، وكأن من لا يصرخ لا يحزن، ومن لا ينهار أمام الجميع لم يحمل في قلبه ذرة وفاء.
أما الأحاديث الجانبية، فحدّث ولا حرج.
أحاديث عن الناس، والأسعار، والأولاد، وفلانة وما فعلت، وفلان وما قال… وبين جملة وأخرى يمرّ ذكر المتوفى على استحياء، فقط لأن المكان يفرض ذلك.
ثم نصل إلى مشهد بات جزءًا من طقوس العزاء: الطعام.
ما إن تنتهي مراسم الدفن حتى يبدأ السؤال الذي لا علاقة له بالموت أو الفقد:
«الغداء أين؟»
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
أهل المتوفى، الذين بالكاد استوعبوا أنهم دفنوا عزيزًا، والذين لم يجفّ دمعهم بعد، يجدون أنفسهم أمام قائمة جديدة من المسؤوليات: طعام، وضيافة، وقهوة، وترتيب، واستقبال، وتحديد مَن سيجلس وأين… وكأن عليهم، إلى جانب دفن فقيدهم، أن يثبتوا أيضًا حسن ضيافتهم.
وهنا أتساءل أحيانًا:
هل جئنا لتعزية أهل الفقيد، أم جئنا لنتعزّى؟
هل حضورنا لتخفيف وجعهم، أم لتحميلهم مزيدًا من الأعباء؟
المعزّي الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض.
لا يحتاج إلى رفع صوته، أو التظاهر بالبكاء أمام الناس، أو البحث عن مقعد في الصف الأول، أو السؤال عن الطعام قبل السؤال عن حال أهل الفقيد.
المواساة ليست بكثرة الحضور، ولا بطول الجلوس، ولا بكمية الدموع التي يراها الآخرون.
المواساة أن تدخل بيتًا منكسرًا فتكون رحيمًا.
أن تصمت حين يكون الصمت أبلغ.
أن تقول كلمة طيبة حين تعجز الكلمات.
أن تساعد دون أن تنتظر شكرًا.
وأن تغادر قبل أن يشعر أهل المصاب بأن عليهم أن يعتنوا بك، وأنت تزعم أنك جئت لتعتني بهم.
الموت لا يحتاج إلى جمهور، والراحل لا يحتاج إلى دموع مصطنعة.
أهل الفقيد يحتاجون فقط إلى قلوب صادقة تدرك أن العزاء ليس مناسبة اجتماعية، وأن حرمة الموت أكبر من أن تتحول إلى مسرح للاستعراض والتصنّع.
فلنُعد إلى مجالس العزاء حرمتها…
ولنترك للموت هيبته، وللحزن صدقه، ولأهل الفقيد حقهم في أن يحزنوا دون أن يضطروا إلى استقبال ضيوفهم وخدمتهم وهم يودّعون أحبتهم.
فبعض الحضور مواساة…
وبعض الحضور، للأسف، يحتاج إلى من يواسي أهل الفقيد منه.













