الشاعرة الدكتورة زبيدة الفول لمجلة أزهار الحرف حاورتها من سوريا الصحفية نوار الشاطر

الشاعرة الدكتورة اللبنانية زبيدة الفول
لمجلة أزهار الحرف

في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات، وتضيق فيه المساحات المخصّصة للتأمل، تخرج إلينا الدكتورة زبيدة الفول صوتًا يُصرّ على أن الشعر ما زال قادرًا على أن يكون بيتًا للروح، وأن النقد يمكن أن يظلّ وفيًا لجوهره الإنساني قبل أن يكون أداة تحليل. من طرابلس، التي حملت إليها أولى ملامح الضوء، إلى المنابر العربية التي احتفت بنصوصها، تشقّ الدكتورة الفول طريقها بثبات؛ شاعرةً حين تكتب، وباحثةً حين تُحلّل، وإنسانةً حين تُصغي إلى نبض اللغة.
ليست تجربتها مجرّد تراكم معرفي، أو نتاج سنوات من البحث الأكاديمي، بل هي رحلة داخل الذات، تُجاور فيها الطبيعة، وتستعيد عبرها رموز الوجود، وتعيد تشكيل العلاقة بين الكلمة وما وراءها. في دواوينها، يتجاور الوجدان مع الفلسفة، وتتماهى الصورة مع الموسيقى، بينما يظلّ الإنسان — ذلك الكائن الحائر — محورًا لا يغيب.
أما في كتاباتها النقدية، فتبدو كمن يضيء النص من الداخل، لا كمن يسلّط عليه ضوءًا خارجيًا؛ تقرأ بعين المحبة، وتكتب بصرامة العارف، وتمنح التجارب التي تتناولها مساحة لتكشف عن ذاتها دون أن تُخضعها لقوالب جاهزة.
في هذا الحوار، نقترب من عالمها كما لو أننا ندخل مكتبتها الخاصة؛ نلمس دفاترها الأولى، ونستمع إلى ما تقوله القصيدة حين تُولد، ونكتشف كيف تتجاور الشاعرة والناقدة في قلبٍ واحد. نفتح معها أبواب الأسئلة، ونترك لها أن تفتح لنا أبواب الإجابات.
من هنا، كان لمجلة أزهار الحرف أن تحاورها، وتتعرف إلى مشروعها الأدبي والنقدي.

١- حين تكتبين عن الطبيعة وثالوث سعيد عقل، هل تشعرين أنك تعيدين اكتشاف الطبيعة ، ام أنك تعيدين اكتشاف نفسك من خلالها؟

حين انغمستُ في إنجاز أطروحتي الموسومة بـ”الطبيعة وثالوث سعيد عقل”، لم أكن أقتفي أثر الشجر في ظلاله فحسب، بل كنتُ أقتفي أثري أنا، وأنا أتوزّع بين ورقةٍ تُصفّق للريح، وينبوعٍ يهمس بسرّ الانبثاق، وسماءٍ تتسع لأسئلتي كلما ضاقت بي الأرض.

لم تكن الطبيعة موضوعًا خارجيًا أدرسه، بل كانت مرآةً مائلةً أرى فيها انكساراتي وامتلاءاتي معًا. فكلُّ غصنٍ كان سؤالًا، وكلُّ نهرٍ كان سيرةً، وكلُّ حجرٍ كان ذاكرةً نائمةً في جسد الوجود. ومع سعيد عقل، لم تعد الطبيعة مجرّد مشهدٍ يُرى، بل صارت ثالوثًا حيًّا: لغةً تُشفِّر المعنى، وروحًا تُحرِّر الرمز، وجمالًا يتخفّى كي يُدرك.

كنتُ كلما حلّلتُ صورةً، اكتشفتُ أنني أنا الصورة؛ وكلما فككتُ رمزًا، وجدتُه يعيد تركيبي. فهل كنتُ أعيد اكتشاف الطبيعة؟ ربما. لكن الأصدق أن الطبيعة هي التي كانت تعيد كتابتي، سطرًا سطرًا، على مهلٍ يشبه نموَّ الضوء في قلب العتمة.

لقد علّمتني تلك التجربة أن الطبيعة ليست ما نراه، بل ما نصير إليه حين نُصغي بعمق. وأن الشعر، في جوهره، ليس وصفًا لها، بل عبورٌ فيها… نحو الذات

٢- في دواوينك يبدو الوجدان كأنه كائن حي يتنفس بين السطور ، ما اللحظة التي تشعرين فيها أن القصيدة اصبحت جاهزة لتولد؟

لا أشعر يومًا أن القصيدة “جاهزة”، لأن الجاهزية تُوحي بنوعٍ من الترتيب المسبق، وأنا لا أكتب وفق مواعيد العقل بقدر ما أنصت لفوضى الوجدان حين تستحيل نظامًا خفيًّا. القصيدة عندي لا تُستأذن، ولا تطرق الباب؛ إنها تقتحمني كما يقتحم الضوء عتمةً نسيَت اسمها.

هي لا تولد في لحظة قرار، بل تتدفّق… كنبعٍ وجد طريقه فجأةً إلى السطح، كأن الكلمات كانت مختبئة في أعماقي، تنتظر شرارة الشعور لتندفع دفعةً واحدة نحو الورق. لا أهيّئ لها مكانًا، بل هي التي تهيّئني؛ لا أستدعيها، بل هي التي تستدعيني إلى حضرتها.

أحيانًا أشعر أنني لستُ من يكتب، بل مجرّد ممرّ تعبر فيه اللغة من سرّها إلى ظهورها. تنساب الجملة كأنها تعرف طريقها أكثر مني، وتتشكل الصورة دون تخطيط، كأنها كانت مكتملة في مكانٍ ما من الغيب، ثم اختارت لحظة البوح لتتجلى.

لهذا، لا أسأل نفسي: هل نضجت القصيدة؟ بل أتركها تكتبني حتى آخر حرف، وحين تنتهي… أكتشف أنني أنا التي وُلدت معها من جديد

٣- كثيرا ما يقال إن الشعراء يكتبون ليحموا هشاشتهم ، هل توافقين أن الشعر كن لكِ درعاً أم نافذة؟

حتماً، من قال ذلك لم يُجالس الشعر حقًا، ولم يُصغِ إلى ارتعاشة الحرف حين يتكوّن في رحم الإحساس. فالشعر ليس حارسًا للهشاشة، ولا درعًا يُخفِيها، بل هو انكشافها الأجمل، واعترافها الأكثر صفاءً.

أنا لا أكتب لأحتمي، بل لأتجلّى. لأن الروح الغنيّة بالمشاعر لا تبحث عن ساترٍ بقدر ما تبحث عن أفقٍ تتناثر فيه. الشعر عندي ليس درعًا، بل نافذةٌ مفتوحة على الجهات كلّها؛ يدخل منها الضوء كما يدخل منها الألم، وتخرج منها الذات أكثر شفافيةً واتساعًا.

الهشاشة، في جوهرها، ليست ضعفًا، بل تلك المنطقة الخصبة التي تُنبت المعنى. والشاعر الحقيقي لا يخشاها، بل يصادقها، ويحوّلها إلى طاقة خلق. لذلك، لم يكن الشعر يومًا وسيلة حماية، بل كان فعلَ انكشافٍ نبيل، أُعرّي فيه روحي من أقنعتها، لتقف أمام العالم كما هي: مفعمةً بالحياة، مثقلةً بالجمال، وقادرةً على أن تحوّل الوجع إلى أغنية.

الشعر ليس درعًا… بل جناح

٤- بين طرابلس المدينة التي وُلدت فيها ، والفضاءات التي وصلت إليها نصوصك عبر الترجمة ، اين تشعرين أن صوتك يكتمل؟

صوتي طائرٌ لا يعترف بالأقفاص، ولا يرضى بحدود الجغرافيا؛ يحبّ الحرية كما يحبّ الهواء، ويعرف أن المعنى لا يكتمل إلا حين يُقال بلا خوف، ويُحلّق بلا قيد.

انطلق من طرابلس، من أزقّتها التي تحفظ نبرة البحر، ومن نوافذها التي تعلّمتُ منها الإصغاء إلى الضوء، فحمل في جناحيه شيئًا من ملوحة الموج، ودفءَ الحكايات الأولى، ونبض المدينة التي كانت مهد الحلم.

لكنّه لم يبقَ هناك… لقد اختار أن يُهاجر في فضاءات الشعر، لا كغريبٍ يبحث عن وطن، بل ككائنٍ يعرف أن وطنه الحقيقي هو كلّ قلبٍ يتذوّق الكلمة، وكلّ روحٍ ترتجف حين يلامسها المعنى.

يكتمل صوتي حين يتحرّر… حين يغادرني ليصبح ملكًا للآخرين، حين يتحوّل من ذاتٍ تكتب إلى أصداءٍ تُقرأ، ومن تجربةٍ شخصية إلى إحساسٍ مشترك. هناك، بين بدايته في طرابلس وتحليقه في سماء المتلقّين، يكتمل… لا بوصوله، بل باستمراره في الطيران

٥- أطروحتك عن سعيد عقل تكشف علاقة خاصة بينكِ وبين الرمزية ما الذي يجذبكِ في اللغة حين تتحول الى إشارات وإيحاءات بدل التصريح المباشر؟

عشقتُ أدب جبران خليل جبران، لأنه لم يكن يكتب الكلمات بقدر ما كان يزرعها كنجومٍ في سماء المعنى؛ يتركها تتلألأ، ويترك للقارئ أن يختار مداره الخاص بينها. ففي رمزيته، شعرتُ أن اللغة تتحرّر من سطوة المباشرة، وتستعيد حقّها في الغموض الجميل، ذلك الغموض الذي لا يُغلق الباب، بل يفتحه على احتمالاتٍ لا تنتهي.

ثم شدّني أدب سعيد عقل، لأنه احتضن الرمزية لا كزخرفٍ بل كجوهر، فجعل الكلمة تتوارى لتُشير، وتغيب لتُحضر، وتقول بالصمت أكثر مما تقول بالتصريح. عنده، تصبح اللغة كائناً حيًّا يلمّح ولا يُفصح، يراوغ ليُعمّق، ويُشفِّر ليُثري.

الرمزية، بالنسبة لي، ليست ترفًا أسلوبيًا، بل هي فضاء الحرية الذي يُمنح للمتلقي كي يرى بعينيه لا بعيني الكاتب. إنها دعوةٌ إلى المشاركة في الخلق، لا الاكتفاء بالتلقّي. فحين تتحوّل اللغة إلى إشارات، يصبح النص مرآةً متعدّدة الوجوه، يرى فيها كل قارئ ذاته، ويعيد كتابة المعنى وفق تجربته الخاصة.

لهذا، أنحاز إلى اللغة التي تُوحي أكثر مما تُصرّح، لأن فيها مساحةً للدهشة، واتساعًا للرؤية، وعمقًا يجعل النص لا يُقرأ مرةً واحدة، بل يُعاش مراتٍ لا تُحصى

٦- أنتِ شاعرة وناقدة في آنٍ واحد . كيف تتعايش هاتان الشخصيتان داخلنص واحد؟ هل تتصالحان ام تتصارعان؟

الشعر عندي وجدانٌ يتوهّج، وإبداعٌ يتدفّق، وتعبيرٌ لا يعترف بالحواجز؛ هو تلك اللحظة التي تفيض فيها الروح على اللغة، فتغدو الكلمات كائناتٍ حيّة تنبض بما لا يُقال. أمّا النقد، فليس قيدًا على هذا الاندفاع، بل هو إعادةُ خلقٍ للنص، ولكن بعينٍ أخرى؛ عين المتلقّي الذي لا يكتفي بأن يرى، بل يسعى أن يفهم كيف وُلِد الضوء من العتمة.

في داخلي، لا تتصارع الشاعرة والناقدة، بل تتحاوران كمدٍّ وجزر؛ الأولى تُلقي بنفسها في بحر الشعور، والثانية تعود لتقرأ تموّجاته، لا لتكبحه، بل لتكشف سرّ موسيقاه. الشاعرة تكتب بانفعال اللحظة، والناقدة تُنصت لما وراء اللحظة، فتفكّ شيفراتها دون أن تُفسد دهشتها.

إنهما لا تتصالحان بمعنى التنازل، ولا تتصارعان بمعنى الإلغاء، بل تتكاملان؛ فالشعر يمنح النص روحه، والنقد يمنحه وعيه. وبين الروح والوعي، يولد نصٌّ قادرٌ على أن يُحسّ ويُفكّر في آنٍ واحد، أن يلمس القلب، ويوقظ العقل، دون أن يخون أحدهما لصالح الآخر

٧- في كتاباتك النقدية عن الدكتور ناصر رمضان عبدالحميد ، يظهر احترام عميق للتجربة الشعرية العربية. ما الذي يلفتكِ في شاعرٍ ما قبل أن تقتربي من نصه نقدياً؟

أنا لا أُقرّر أنني سأكتب عن نصٍّ بعينه، ولا أتعامل مع النقد كخطةٍ مسبقة؛ فالنصّ الحقيقي هو الذي يختار قارئه، وهو الذي يدعوني إليه من عمقه، كبحرٍ يلوّح لغوّاصٍ يعرف أن في القاع لآلئ لا تُرى من السطح. حين أشعر أن الكلمات تناديني، وأن في داخلها طبقاتٍ من الدهشة تنتظر من يكشفها، أقترب… لا كناقدةٍ تُحلّل، بل كروحٍ تستجيب لنداءٍ خفي.

ما يلفتني في أي شاعر هو ذلك البُعد الذي لا يُقال مباشرة؛ العمق الذي يُغري بالغوص، والصدق الذي لا يحتاج إلى برهان، واللغة التي تُخفي أكثر مما تُظهر. هناك، فقط، أشعر أن النص يستحق أن يُعاد خلقه قراءةً وتأمّلًا.

وفي تجربتي مع ناصر رمضان عبد الحميد، وجدتُ نفسي أمام عالمٍ متّسع، لا يُقرأ من مرّةٍ واحدة، ولا يُستنفد بسهولة. إنجازاته ليست نصوصًا عابرة، بل فضاءاتٌ مفتوحة تشدّك إلى أعماقها، كلّما ظننتَ أنك بلغتَ قرارها، اكتشفتَ أنك ما زلت في بدايات الدهشة.

هناك متعةٌ نفتقدها في كثيرٍ من أدب هذا الزمن… متعة الاكتشاف، ومتعة الغوص، ومتعة أن يظلّ النصّ قادرًا على مفاجأتك. وهذا ما جعلني لا أكتب عنه فحسب، بل أُصغي إليه، كمن يُصغي إلى بحرٍ يعرف أن في صمته كلامًا لا ينتهي

٨- جمعتِ وأعددتِ كتاب “معلّمات ملتقى الشعراء العرب”. ماذا الذي اكتشفه زبيدة الفول في تجارب النساء حين تتحول الكتابة إلى مساحة مشتركة ؟ وما الذي قدّمه الملتقى لكِ وللشعراء العرب؟

أعتبر هذا الكتاب—أو هذه الموسوعة إن صحّ التعبير—لحظةَ تَشَكُّلٍ لا تُختزل في أوراق، بل في حضورٍ استعاد صوته بعد طول صمت. لقد حقّق لي، وللموهوبات في ملتقى الشعراء العرب، وجودًا مميّزًا لم يكن مجرّد ظهورٍ عابر، بل تجلّيًا واعيًا لطاقاتٍ كانت تبحث عن فضائها.

في تجارب النساء، اكتشفتُ ذلك الخيط الخفي الذي يربط الألم بالجمال، والهشاشة بالقوّة؛ وجدتُ أصواتًا تكتب لا لتقول فقط، بل لتُعيد تعريف ذاتها في مواجهة العالم. كانت النصوص أشبه بمرآيا متجاورة، كلّ واحدة تعكس وجهًا مختلفًا للحياة، لكنها جميعًا تنتمي إلى جوهرٍ واحد: روحٌ تعرف كيف تُحوّل التجربة إلى معنى.

كنّا، بحقّ، كسمفونيةٍ موسيقية؛ كلّ صوتٍ يحمل نبرته الخاصة، وكلّ تجربةٍ تعزف لحنها المتفرّد، لكنّها تلتقي جميعًا في تناغمٍ عميق. وقد تولّى ملتقى الشعراء العرب تلحين هذه السمفونية، فكان الحضن الذي احتوانا، والسند الذي آمن بنا، والمنصّة التي منحتنا حقّ الانطلاق.

ولا يمكن إغفال الدور البارز للدكتور ناصر رمضان عبد الحميد، الذي أضفى على هذا المشروع بُعدًا استثنائيًا بما يمتلكه من غنى أدبي وثقافي، ورؤيةٍ قادرة على التقاط الجمال في تعدّده. لقد كان هذا العمل، في جوهره، أكثر من كتاب… كان إعلانًا بأن الإبداع حين يجد بيئته الحاضنة، يتحوّل إلى أثرٍ لا يُمحى

٩- قصائدك تحمل موسيقى داخلية واضحة . هل تبدأ القصيدة عندكِ من فكرة، أم من نغمة، أم من صورة؟

القصيدة عندي ليست بدايةً محدّدة، بل هي لحظةُ تَخَمُّرٍ خفيّ، يمتزج فيها الوجدان بالمخزون اللغوي—أو بما أسماه ناصر رمضان عبد الحميد بـ”المدخلات”—فتتشابك التجربة مع اللغة كما يتشابك الضوء بالماء، فلا يعود بالإمكان فصل أحدهما عن الآخر.

إنها إبداعٌ يتكوّن في الداخل بصمت، حتى إذا ما أَصغيتُ جيّدًا… ودرّبتُ أذني على التقاط ما لا يُسمع، تبدأ النغمة الأولى بالانبثاق. فالسماع هو مفتاحي إلى القصيدة؛ لا سماع الأصوات فحسب، بل سماع ما وراءها: ارتعاشة الشعور، خفقة المعنى، ذلك الهمس الذي يمرّ عابرًا فلا يلتقطه إلا من اعتاد الإنصات.

حين تتقن الروح الإصغاء، تولد القصيدة… لا كفكرةٍ مُخطَّطة، ولا كصورةٍ مُستحضَرة، بل كحالةٍ تفيض دفعةً واحدة، كأن اللغة كانت تنتظر لحظة الانتباه لتتجسّد. هناك، يتوحّد الإحساس مع اللفظ، ويتحوّل الصمت إلى كلام، ويصبح النصّ كائنًا حيًّا خرج من أعماق الذات… ليقولها كما لم تُقَل من قبل

١٦- كأم مبدعة في عدة مجالات أدبية وأكاديمية، كيف حققتِ معادلة النجاح في هذا المجال؟

الأم، في منظوري، ليست مجرد منقذة أو مُربية، بل هي نهر الثقافة والتعليم، ومصباح الرقي والإبداع، ومثال حي لما تريد أن نغرسه في نفوس أولادها. فمن لا يحمل العلم والوعي والجمال في داخله، لا يستطيع أن يمنحها للجيل القادم إلا بالقدر المحدود الذي يتحرك في حدود الذات.

الحمد لله، حاولت أن أسير مع أولادي في طريق معبد بالرقي، مُزهر بالعلم، مُضاء بالإبداع، مُتسع للتفكير الحر والخيال الجميل. جعلت من البيت مختبراً للتجربة، ومن الحوار فضاءً للاكتشاف، ومن الأمومة رحلة تعلم مشتركة، حيث يتقاطع الشعور بالحب مع الانضباط بالعلم، وينمو الإبداع مع الجذر القوي للقيم والمبادئ.

بهذه المعادلة، لا أشعر أن النجاح متوقف على إنجاز واحد، بل هو تمازج بين التربية الهادفة والإبداع المتدفق والتعليم الراقي، لتصبح الأم، والشاعرة، والمعلمة، متكاملة في عطائها، ومستمرة في تشكيل عالم أطفالها بروح ملؤها الأمل والجمال

١٧- لأدب الرحلات حصة في رصيدكِ الأدبي. كيف تصفين كتابكِ “رحلة سبعة أيام في الجنة”؟

بكل صدق، لم يكن كتابًا بالمعنى التقليدي، بل قطعة من ذاتي، انعكاس لما شعرت به واختبرته خلال رحلتي في مصر. هذه كانت المرة الأولى التي أكتب فيها أدب الرحلة، ولم أكتب بدافع الالتزام أو الواجب، بل بدافع الحب، بدافع شعور داخلي عميق بالضرورة لإخراج ما رأيت وما لمس قلبي من جمال وروحانية.

مصر، في نظري، ليست مجرد أرض أو حضارة، بل تجربة حياة؛ غنية بكل تفاصيلها وتاريخها، وفوق كل شيء، فقير من لم يزرها، لأنه يفوّت لقاء الضوء مع الظلال، والأصالة مع الحداثة، والصمت مع الصخب. الكتاب عندي كان محاولة لتجميد تلك اللحظات في الكلمات، لتكون الرحلة حية في الذاكرة، نابضة بالصور، موسيقية في الإيقاع، وقادرة على أن تمنح القارئ شعورًا بأنه يمشي بين الأزقة، ويشم عبق التاريخ، ويغوص في عمق الروح المصرية

١٨- لو طلبتُ منكِ أن تختصري مشروعكِ الشعري في جملة واحدة، ماذا تقولين؟

مشروعي الشعري هو انعكاس لروحي وترجمة لداخلي؛ كلمات تتنفس من أعماقي، وصور تنبثق من أحلامي، وموسيقى تنساب من نبض الفكرة إلى نبض القلب، لتصبح كل قصيدة نافذة أطلّ منها على عالمي الداخلي، وتدعو القارئ ليلمس ما فيّ من شعور ومعنى

١٩- ماذا أضاف لكِ ملتقى الشعراء العرب ومجلة أزهار الحرف على المستويين الإبداعي والإنساني؟

“ملتقى الشعراء العرب” ليس بأي ملتقى عابر؛ إنه العناية والدعم والسند، والحضن الدافئ الذي يحتضن ما نقدمه من كلمات وأفكار، برعاية رئيسه الحكيم، الدكتور ناصر رمضان، الذي يفتح لنا أبواب الإبداع، ويزرع فينا الثقة بأن صوتنا يمكن أن يصل إلى الآخرين بصدق وعمق.

لقد أضاف لي الملتقى بعدًا إنسانيًا؛ حيث وجدت مساحة صادقة للتفاعل، للتقدير المتبادل، ولحوار الروح مع الروح. وعلى المستوى الإبداعي، كان بمثابة مرآة أطلّ من خلالها على نفسي، واكتشفت إمكانيات جديدة، ورؤى أعمق للكلمة، وصدى لمشاعري لمسته لمسات الآخرين.

الملتقى ومجلته “أزهار الحرف” جعلا من تجربتي الشعرية رحلة مستمرة، يلتقي فيها الحلم بالواقع، والوجدان بالفكر، لتصبح الكتابة أكثر إشراقًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى القلوب قبل العيون، وأكثر صدقًا في التعبير عن الذات والإنسانية جمعاء

٢٠- لماذا تُصرّين على مناداة الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد بلقب “الدكتور”، رغم أنه لم يحصل على الدكتوراه، وهو يرفض هذا اللقب ويؤكد دائمًا أنه ليس دكتورًا؟

لأن ناصر رمضان دكتور بحق، ليس بالشهادة الورقية، بل بالعمل، والعطاء، والمعرفة التي تجاوزت حدود أي تعريف تقليدي. فبينما نحصل على شهادة الدكتوراه بعد إنجاز أطروحاتنا، هو أنهى ما يفوق المئة إصدار، أشرف على مئات الكتب، وقدّم خبرته وفكره لمئات المبدعين، ليس كواجب، بل كرسالة حياة.

بعد معرفتي به عن قرب ووقوفه إلى جانبي في تسعة إصدارات عن ملتقى الشعراء العرب، لم أجد في لقب “دكتور” مجرد كلمة، بل مكانة حقيقية، مستحقة بكل جدارة. هو دكتور بروفسير في روح العطاء، ودكتور في صقل الكلمة، ودكتور في تربية الإبداع، بلا رتوش أو مراوغات، لأن أفعاله ومشاريعه تتحدث قبل أن يتحدث هو. لذلك، حين أناديه “الدكتور”، إنما أحتفي بمكانة لا تمنحها الشهادات وحدها، بل تمنحها الحياة لمن أخلص لها، ورفع الكلمة إلى مصاف الرسالة الإنسانية

٢١- سافرتِ إلى مصر في رحلة ثقافية وسياحية انبثق عنها كتاب “سبعة أيام في الجنة”. ماذا تضيف مصر لنا كعرب في الذاكرة الثقافية، وماذا أضافت لكِ على المستوى المعرفي؟

“سبعة أيام في الجنة” لم يكن كتابًا يوصف مصر كما تفعل المراجع التاريخية أو الجغرافية، بل حوى شعوري ودهشتي وحبي لها، لأنه من المستحيل أن تصف آلاف الكتب ما تحويه هذه الأرض من عبق التاريخ، وروح الحضارة، ونبض الحياة. عشقتها بما تزينت به من أهرامات شامخة تلمس السماء، ونيل يتلوى بهدوء كقصيدة خالدة، وأزقة القاهرة التي تحتضن الصخب والسكينة في آن واحد، وأسواقها التي تتنفس الروح الشعبية والفن، ومعابدها التي تحكي أسرار الأزمان، وقلوب أهلها التي استقبلتني بحنان لا يُنسى.

مصر أضافت لي على المستوى المعرفي عمقًا في النظر إلى الثقافة العربية، وفهمًا لتاريخنا المشترك، وتقديرًا لقيمة الأماكن والرموز التي تشكل الذاكرة الجمعية. أما على المستوى الشخصي، فقد كانت مرآةً أطلّ منها على نفسي، واكتشفت فيها شغفًا جديدًا بالكتابة، وإحساسًا بالدهشة المتجددة، وإلهامًا يجعل كل تجربة شعورية أو معرفية تتألق في الكلمات، كأن مصر نفسها صارت جزءًا من قصيدتي، وجزءًا من روحي.

٢٢- ختاما ماذا تقولين؟
لا أحب أن يكون هناك ختامٌ نهائي، فلكل تجربة بواباتها المفتوحة، ولكل لقاء أثره الذي يظل ينبض في الروح. ومع ذلك، لا يسعني إلا أن أبدأ بالشكر العميق من القلب لـ الدكتور ناصر رمضان، الذي كان دومًا سندًا ومرشدًا، وقدم لي بلا حدود من وقتٍ ومعرفة، وجعل رحلتي مع الكلمة أكثر ثراءً وامتدادًا.

ولا يمكن أن أنسى المهندسة أزهار جبار، الأخت الغالية، التي استقبلتني في بيتها كأنني جزء من روحها، ورافقتني في كل خطوة، ووهبتني مشاعر صادقة، صافية كزهرة النيل البيضاء، مليئة بالدفء والأمان.

وأخص بالشكر ملتقى الشعراء العرب ومجلة أزهار الحرف، لما يقدمانه من احتضان، ورعاية، ودعم للمواهب، وما يتيحانه من فضاء لإطلاق الكلمة بحرية وجمال.

وأخيرًا، شكري لكِ، الصحفية نوار الشاطر، على لباقة أسئلتك الدقيقة، وحسن استقبالك للكلمة، وروحك الصافية التي أضفت على الحوار جمالًا ودفئًا لا يُنسى.

هكذا، تبقى الكلمة متصلة، والامتنان متدفقًا، والرحلة مستمرة، لأن كل لقاء يترك بصمته، وكل حوار يضيء طريقًا جديدًا للروح والإبداع.
حاورتها من سوريا نوار الشاطر
عضو ملتقى الشعراء العرب
صحفية بمجلة أزهار الحرف