رأيتها من بعيد
رأيتها من بعيد، واقفةً عند قبره
فانشقَّ في قلبي جرحٌ قديم.
لم تكن تبكي.
كانت تُحادثه كما لو أن الترابَ ستارٌ رقيقٌ بين غائبٍ وحاضر
وكأن الموتَ لم يفعل أكثر من إبعاد مقعده قليلاً عنها.
كانت تمرِّر أصابعها على اسمه المحفور في الحجر
تمسح عنه غبار الأيام
وتربّت على حروفه كما تربّت أمٌّ على رأس طفلٍ أرهقه السهر.
اقتربتُ أكثر.
لم تلتفت.
أطرقت برأسها وهمست للشاهد:
“نمْ قرير العين…
فقد صار لانتظاري شاهدان؛
هذا الحجر
وقلبي.”
ثم مضت.
مضت وهي تحمل صبرَ الأعوام على كتفيها
وتترك خلفها صمتاً أثقل من البكاء.
وبقيتُ أنا وحدي عند القبر
أحدّق في الاسم ذاته
وفي الفراغ الذي خلّفه الرحيل.
هناك أدركتُ أن بعض الدموع
لا تسقط من العيون
بل تظلّ مدفونةً في القلوب
حتى آخر العمر.
فوقفتُ طويلاً
كأنني أدفن في ذلك التراب
دمعاً لم تجرؤ عينُها على ذرفه
وحزناً لم يجرؤ قلبُها على البوح به.













