الكتابة بوصفها نجاة من ضجيج العالم
ثمة لحظات في الحياة لا يعود فيها الإنسان قادراً على الاحتمال؛ لحظات يضيق فيها العالم بما رحب، ويصبح الصمت أثقل من أن يُحتمل، والكلمات أكثر ضرورة من الهواء نفسه. عندها لا تكون الكتابة ترفاً، ولا هواية، ولا محاولة لإثبات موهبة، بل تتحول إلى شكل من أشكال النجاة، وإلى وسيلة أخيرة للحفاظ على ما تبقى من الروح.
لقد اخترت أن أكتب، وأن أبتعد عن ضجيج البعض وفلسفتهم المتكلفة؛ لأن الضجيج لا يشبه الأرواح التي تعبت من الصراخ، ولأن الفلسفة حين تتحول إلى استعراض لغوي أو استعلاء فكري، تفقد معناها النبيل وطهارتها الأولى. فليست الحكمة في كثرة الكلام، بل في صدق الشعور، وليس العمق في تعقيد المعاني، بل في ملامسة القلب الإنساني دون أقنعة.
اخترت أن أكتب؛ لأن الكتابة وحدها تعرف كيف تنصت حين يصمت الجميع، وكيف تحتوي ارتباكنا الداخلي دون أن تحاكمنا. وحده الورق لا يسألني: لماذا تبكين؟ ولا يطالبني بأن أتجاوز سريعاً، أو أن أتعافى وفق توقيت يحدده الآخرون. فالوجع لا يخضع لقوانين الناس، والحزن لا يسير وفق رزنامة المجتمع، والحنين لا يستأذن أحداً حين يعود.
كم من بشرٍ يحاولون تحويل الألم إلى نظريات باردة، والفقد إلى مقالات عقلانية، والاشتياق إلى منصات يعتلونها ليمارسوا دور الحكماء! لكن بعض الأوجاع لا تُفسَّر، بل تُعاش. وبعض الخسارات لا تحتاج إلى تحليل، بل إلى قلب يحتمل ثقلها.
أنا لا أتفلسف في جرحي، بل أنزفه. لا أشرح غيابي، بل أعيشه بكل ما فيه من انكسار وفراغ. لا أحلل دمعتي، بل أتركها تسقط كما تشاء، لأن الدموع ليست ضعفاً كما يظن البعض، وإنما لغة القلب حين يعجز الكلام عن أداء مهمته.
اخترت أن أكتب في الهامش، بعيداً عن صخب التصفيق، وبعيداً أيضاً عن ساحات الإدانة. في ذلك المكان الهادئ الذي لا يطلب مني أحد فيه أن أبدو قوية طوال الوقت، ولا يحرجني أحد لأن قلبي ما زال يرفرف بظله حول من غابوا، وكأن الغياب لم يكن إلا شكلاً آخر من الحضور المؤلم.
لقد كتبت لأن الصمت، حين يتراكم، يتحول إلى قنبلة مؤجلة الانفجار، ولأن الألم المكبوت يلتهم صاحبه بصمت. كتبت لأن النزيف إذا حُبس في الداخل صار موتاً بطيئاً، فاخترت أن أنزف على الورق، لعلّ الكتابة تُرمّم شيئاً مما تصدّع، أو تمنحني مساحة أتنفس فيها بعيداً عن اختناق العالم.
وربما أكتب أيضاً لأمنح الآخرين شجاعة البوح؛ ذلك الإذن الخفي الذي يقول لهم: لا تخجلوا من انكساراتكم، لا تبرروا دموعكم، ولا تفسروا حزنكم دائماً. فليس كل ألم يحتاج إلى فلسفة، وليس كل نزيف يحتاج إلى تفسير.
إني اخترت أن أكتب، لا لأكون شاعرة أو كاتبة يُشار إليها، بل لأكون صادقة مع نفسي أولاً. فالصدق في زمن الضجيج موقف، والبوح في زمن الأقنعة مقاومة، والإنسان حين يكتب بصدق إنما ينقذ شيئاً من إنسانيته قبل أن ينقذ كلماته.
ولعل أجمل ما في الكتابة أنها لا تعدنا بالشفاء الكامل، لكنها تمنحنا القدرة على الاحتمال، وتهمس لنا كلما أثقلتنا الحياة: ما دام في القلب نبض، ففي الحرف متّسع للنجاة.














