يا بُنَيَّ… اصعدْ، ولكن لا تلتفت إلى الأصوات القادمة من أسفل السُّلَّم
يا بُنَيَّ…
الحياةُ ليست طريقًا مفروشًا بالياسمين، بل سُلَّمٌ طويلٌ، درجاتُه من تعب، وقممُه من صبر، وما بينهما عرقُ الساعين ودموعُ المجتهدين. وما خُلِقَ الإنسانُ ليبقى في أسفل الدرجات يراقب صعود الآخرين، بل خُلِقَ ليبني لنفسه مجدًا، ولو حمله على كتفيه فوق أشواك الطريق.
إذا أردتَ النجاح، فلا تنتظر أن يفرش الناس لك الأرض بالورود؛ فكثيرًا ما يزرعون الأشواك في طريق من يخشون وصوله. فالنجاح مرآةٌ تكشف معادن البشر، فمنهم من يراك فيها فيفرح، ومنهم من يرى عجزه منعكسًا فيحقد.
يا بُنَيَّ…
اعلم أن الناس ليسوا سواء.
ففيهم من يدعو لك في غيابك، وفيهم من يدعو عليك وهو يبتسم في وجهك.
فيهم من يفرح إذا ارتفعت، وفيهم من يختنق لأنك لم تسقط.
وفيهم من يصفق لك بيد، ويهيئ لك التعثر باليد الأخرى.
وهؤلاء أخطر من الأعداء؛ لأن العدو يأتيك مكشوف الوجه، أما الحاسد فيأتيك مرتديًا قناع المحبة، ويخفي في قلبه نارًا لا يطفئها إلا انطفاء نورك.
إياك أن تظن أن الجميع يحب لك الخير.
فالخير نعمة، وليس كل قلب قادرًا على احتمال رؤية النعمة عند غيره.
كم من عينٍ أرهقها وهج نجاح الآخرين، لأنها لم تستطع أن تشعل مصباحها هي.
وكم من نفسٍ أكلها الحقد كما تأكل النار الحطب، حتى أصبحت لا ترى في الدنيا جمالًا إلا إذا ذبل في يد غيرها.
يا بُنَيَّ…
لا تجعل قلبك مخزنًا للمرارة، ولكن اجعل عقلك يقظًا.
أحب الناس، لكن لا تمنح مفاتيح أحلامك لكل عابر.
وأحسن الظن، لكن لا تُغلق باب الحكمة.
فالثقة بلا بصيرة سذاجة، والشك بلا دليل ظلم، أما الاتزان فهو تاج العقلاء.
تذكَّر دائمًا أن الشجرة المثمرة وحدها تُرمى بالحجارة، وأن القمم لا تعرف الهدوء؛ فالرياح لا تعبث إلا بما ارتفع.
ولذلك لا تستغرب إذا ازدادت المقاومة كلما اقتربت من النجاح.
لقد قال لي يومًا ” الدكتور الشاعر ناصر رمضان “كلمةً بقيت ترنُّ في ذاكرتي كجرس الحكمة:
“انتبهي… كلما صعدتِ درجةً من سُلَّم الطموح ازدادت الكلاب. ففي الدرجة الأولى ستجدين كلبًا، وفي الثانية كلبين، ثم يزداد عددها كلما ارتفعتِ.”
ولم أفهم يومها أن المقصود ليس الكلاب بأجسادها، بل كل نباحٍ يحاول أن يوقف المسير، وكل حقدٍ يعجز عن اللحاق فيكتفي بمحاولة التشويش.
فمن لا يستطيع أن يطير، يحاول أحيانًا أن يقصَّ أجنحة النسور.
ومن لا يملك شجاعة الصعود، يحاول أن يقنع المتسلق بأن القمة وهم.
لكن الجبل لا يسمع صخب السفح، والنسر لا يلتفت إلى نعيق الغربان.
يا بُنَيَّ…
إذا رأيت الناس يكثرون من الحديث عنك، فلا تنشغل بالرد عليهم، بل زد خطوةً إلى الأمام.
فالناجح يجيب بإنجازاته، والفاشل يجيب بكلماته.
واعلم أن الزمن لا يحفظ أسماء من انتقدوا العظماء، بل يحفظ أسماء العظماء الذين تجاهلوا ضجيج المنتقدين.
إياك أن تجعل نجاحك معركةً لإثبات نفسك للآخرين، بل اجعله رحلةً لإثبات نفسك لنفسك.
فالقيمة الحقيقية ليست أن تسبق الناس، بل أن تسبق الأمس الذي كنت فيه.
وإذا جاءك الحسد، فلا تردَّه بالحقد، بل بالعمل.
وإذا جاءك التشويه، فلا تواجهه بالصراخ، بل بالإنجاز.
فالذهب لا ينقصه شيءٌ إذا قال عنه الفحم إنه أسود.
يا بُنَيَّ…
اعمل في صمت، ودع النتائج تتحدث.
ازرع بصمت، فالأرض لا تصرخ وهي تُنبت الربيع.
وامضِ بثبات، فالنهر لا يعلن عن قوته، لكنه يشقُّ الصخر بصبره.
ولا تُرهق روحك بالالتفات إلى كل من يحاول أن يجذبك إلى الخلف؛ فكل التفاتة تؤخر خطوة، وكل خطوة صادقة تقرِّبك من القمة.
واعلم أن الله لا يرفع عبدًا اجتهد وأخلص إلا ليختبر ثباته قبل أن يكرمه بتمام العطاء.
فإذا ضاقت بك الأيام، فاصبر.
وإذا تكاثر حولك الحاسدون، فاحمد الله؛ لأن الأشجار اليابسة لا يحسدها أحد، وإنما تُحسد الأشجار التي أثقلت أغصانها الثمار.
وفي نهاية المطاف، يا بُنَيَّ…
اصعد، ولو أثقلت قدميك القيود.
واعمل، ولو نام المتكاسلون.
وأخلص، ولو نافق المنافقون.
وأحسن، ولو أساء المسيئون.
ولا تجعل قلبك ساحةً لحروب الآخرين، بل اجعله سماءً تعبرها الغيوم ولا تقيم فيها.
وتذكَّر دائمًا أن القمم ليست مزدحمة، لأن أكثر الناس تعبهم الطريق قبل أن يبلغوا النهاية.
فكن من أولئك الذين إذا صعدوا، ازدادوا تواضعًا، وإذا نجحوا، ازدادوا شكرًا، وإذا حاصرهم الحاقدون، ازدادوا يقينًا أن النور لا يُطارَد إلا لأنه نور.
الدكتورة زبيدة الفول













