ابقَ حتى يغيب القمر
ابقَ حتى يغيب القمر
وحتى تصير الحكايات قصيرةً
كظلِّك على الحائط
وحتى يبرد الشاي في الكوبين
فنصمت،
ولا نشعر أن الصمت قد حلَّ بيننا،
كأنه لغةٌ أخرى
لا تحتاج إلى الكلمات.
ابقَ…
ولا تنظر إلى الساعة،
فالوقت هنا
لا يُقاس بالدقائق،
بل بعدد المرّات التي ضحكنا فيها
حتى دمعت أعيننا،
وبعدد المرّات التي قلنا فيها: “أتذكر؟”
فأزهرت ابتسامةٌ واحدة
على وجهينا.
تعال،
لنسرق من الغد ساعةً أخرى،
ونجلس كما لو أن العالم
نسي أسماءنا جميعًا،
نتحدّث عن العودة
التي ستأتي باختيارٍ
لا بهروب،
وعن الطرق التي لم نسلكها،
لأن قلوبنا كانت منشغلةً
بأن تجد طريقها إلى بعضها.
ابقَ…
فليس في الليل ما يخيف
حين تكون هنا،
ولا في العتمة ما يربك
إذا كان صوتك يضيء الجهات،
ولا في الانتظار ما يرهق
إذا كان آخره وجهك.
ابقَ
حتى يصبح الصمت مألوفًا بيننا،
فنقرأه كما تُقرأ القصائد،
ونفهمه كما تُفهم النظرات،
ويغدو حضورك
عادةً جميلة
لا تحتاج إلى تفسير.
ابقَ
حتى ينسى الليل أنه عابر،
وتنسى النجوم عدد الساهرين،
ويستريح القمر
على نافذتنا قليلًا،
كأنه هو الآخر
وجد في هذا المساء
مكانًا يؤجّل الرحيل.
ابقَ…
فبعض القلوب
لا تطلب أكثر من كتفٍ يطمئنها،
ولا ترغب في معجزاتٍ كبرى،
يكفيها شخصٌ
يعرف كيف يبقى
حين يرحل الجميع.
وإذا بزغ الفجر،
وأخذ الليل آخر أنفاسه،
دعني أقولها لك
بصوتٍ خافت
يشبه الدعاء:
شكرًا لأنك بقيت،
وشكرًا لأن الليل
كان طويلًا بما يكفي
لنقترب،
ولنكتشف
أن المسافات بين الأرواح
لا تختصرها الخطوات،
بل يختصرها الصدق،
وأن أجمل ما في البقاء
أنه يجعل الوداع
أقلَّ وجعًا،
لأننا قلنا كلَّ ما كان ينبغي أن يُقال،
وتركنا ما تبقّى
للقلوب… لتُكمله بصمتها.
غادة الحسيني













