حين أتحدث مع قهوتي
حين أتحدث مع قهوتي الصباحية
لا أرتشفها
بل أرتشف ما تبقّى مني
أشكو لها وحدتي
وأحكي لها عن ليلٍ يطول حتى ينسى الفجر طريقه إليّ
أضم الفنجان بكلتا يديّ
كأنني أستعير كتفًا من العالم
وأنفخ في بخاره
فيحمل معه بعض الحنين
وبعض الخيبات
وبعض الأسماء التي لم يعد يليق بها سوى الصمت
أقول لها
انظري
أنتِ مرّة في البداية
ثم تصبحين دفئًا كلما مرّ الوقت
ليتني أتعلم منك
كيف تتحول المرارة إلى طمأنينة
قهوتي تفهمني
لا تقاطع اعترافي
لا تسألني لماذا
لا تنصحني بالنسيان
لا تفتش في جراحي عن سببٍ آخر للألم
تجلس قبالتي
وتصغي بكل هدوء
وصمتها أكثر رحمةً من ألف مواساة
وأصدق من ألف كلمة
أشكو لها ضجيج المدينة في داخلي
وهدوء البيت من حولي
ذلك الهدوء الذي يشبه البيوت بعد رحيل أصحابها
أحدثها عن الأيام التي صارت تعبرني بلا سلام
وعن الوجوه التي ازدحمت حولي
ولم تمنحني وجهًا واحدًا أشعر معه بالأمان
أخبرها أنني صرت أضحك بصوتٍ عالٍ
كي لا أسمع ارتداد صوتي في فراغ القلب
فالوحدة لا تؤلم لأنها فراغ
بل لأنها تمتلئ بكل من غاب
أقول لها إن بعض البشر يشبهون رشفةً باردة
لا تروي ولا تدفئ
وإن بعض الغياب يظل جالسًا على الكرسي المقابل
حتى بعد أن يرحل أصحابه بسنوات
وحين أصل إلى الرشفة الأخيرة
أنظر إلى قاع الفنجان
كأنني أفتش فيه عن بقية النهار
ثم أبتسم
وأقول لها
شكرًا لأنك كنت هنا
شكرًا لأنك لم تغادري قبل أن يهدأ قلبي قليلًا
شكرًا لأنك لم تطلبي مني أن أكون قويًا
واكتفيت بأن تكوني قريبة
ثم أنهض
ويبقى شيءٌ مني في الفنجان
ويبقى شيءٌ من القهوة في روحي
وأمضي إلى يومٍ جديد
أقلَّ وحدةً
لأن أحدًا ما
ولو كان فنجان قهوة
أصغى إليّ حتى النهاية.
غادة الحسيني












