الدكتورة مهى جرجور لمجلة أزهار الحرف
مقدمة
يسرّنا أن نستضيف اليوم قامةً أكاديميةً وأدبيةً لبنانيةً تركت بصمتها الواضحة في ميادين النقد الأدبي، والبحث العلمي، وتعليم اللغة العربية، والأدب الرقمي، وأدب الطفل، والعمل الجامعي والإداري. إنها الأستاذة الدكتورة مهى فؤاد جرجور، أستاذة النقد الأدبي والكتابة والتكنولوجيا في الجامعة اللبنانية، وصاحبة تجربة علمية وإبداعية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، جمعت فيها بين التأليف والبحث والإشراف الأكاديمي، وإعداد المناهج، والمشاركة في المؤتمرات والندوات المحلية والدولية.
أسهمت الدكتورة مهى جرجور في الدراسات النقدية العربية ولا سيما في مجال الأدب الرقمي وأدب الطفل، كما قدّمت عشرات البحوث المحكّمة والكتب المتخصّصة، وأشرفت على عدد كبير من رسائل الماستر وأطروحات الدكتوراه، إلى جانب حضورها الثقافي والإعلامي الواسع، وإنتاجها الأدبي الذي حظي باهتمام الباحثين والدارسين ومعلّمي اللغة العربية في المدارس.
في هذا الحوار نسلّط الضوء على محطات تجربتها الأكاديمية والإبداعية، ونقترب من رؤيتها للثقافة والتعليم والبحث العلمي، ومن مشاريعها الفكرية والأدبية، لنكتشف معًا ملامح رحلةٍ حافلةٍ بالعطاء والتميّز.
وإلى نص الحوار.
بدايةً،
1-كيف تعرّفين الدكتورة مهى جرجور للقارئ بعيدًا عن الألقاب الأكاديمية؟
امرأة مثابرة تحبّ العائلة والعلم وتحبّ الحياة، وتعمل جهدًا كبيرًا من أجل جعل يومياتها ويوميات من يحيطون بها بأفضل حال، وتحاول فهم مشاعرهم وتصرفاتهم وتضع نفسها مكانهم لإدارة أي موقف أو أزمة.
٢-كيف أثّرت نشأتك في بلدة رميش في تكوين شخصيتك الفكرية والأدبية؟
نشأت نشأة هادئة مستقرة، في كنف عائلة محبّة، ومكان رحب، جعلتني إنسانة مسالمة وإيجابية ومنفتحة على الآخرين. وهذا ما أسرّبه في كتاباتي، وأعمل انطلاقًا منه دائمًا في حياتي الخاصة والمهنية.
٣- متى بدأت علاقتك الحقيقية باللغة العربية والأدب؟
منذ المراهقة، اكتشفت حبّي لقراءة الروايات والكتب على اختلافها، فقرأت كتبًا لجبران وميخائيل نعيمة، وغيرها ، بالإضافة إلى الكتب التاريخيّة أو التي تطرح قضايا اجتماعيّة أو المجلات التي كانت رائجة آنذاك. وبقي هذا الأمر مرافقًا لي حتى اليوم.
٤-لماذا اخترتِ دراسة اللغة العربية وآدابها؟
كان يلازمني شعور أنه يجب ان أحصّل شهادة جامعية عالية، وحدث أني تزوجت في سن مبكرة، وتوظّفت في التعليم الأساسي، أيضًا في سن مبكرة، وبقي الحلم. تخرّجت بداية من دار المعلمين، وبعد تعييني معلّمة في مدرسة رسميّة في التعليم الأساسي، توجّهت إلى الجامعة لأبحث عن اختصاص من دون حضور، فلم أجد سوى اللغة العربية وآدابها أو الفلسفة أو التاريخ، فاخترت الاختصاص الأوّل لأنه أقرب إلى ما أحبّه، ويتيح إمكانيات أوسع للعمل فيه في الثانويات. وهكذا كان.
٥- ما أبرز المحطات التي صنعت مسيرتك الأكاديمية؟
من أهم هذه المحطات أذكر: استلامي رئاسة قسم اللغة العربية وآدابها، ثمّ تكليفي بمهام التنسيق في الماستر وكل اللجان المرتبطة به من معادلات وقبول المشاريع، إضافة إلى مهام تنسيق لجنة الجودة ولجنة مناهج اللغة العربية في الكلية، ثمّ مشاركتي في الفرقة البحثية في الدكتوراه… وأيضًا من المحطّات المهمّة في حياتي المهنية تعييني منسقة مكتب تنسيق تدريس اللغات في الجامعة اللبنانية، وتكليفي بإدارة تحرير مجلة دراسات جامعية الصادرة عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، ولكل مهمة من هذه المهام أهمية خاصة في مسيرتي، ولها مكانة في قلبي.
واذكر أيضًا التعليم في الجامعة اللبنانية الأميركية، والتعليم في المعهد الوطني للإدارة، والتعليم في الكلية الحربية. ومشاركتي في تأسيس ماسترين مشتركين مع جامعة الصداقة الروسية وجامعة أصفهان، وعملي كخبيرة تربوية في لجان تطوير المناهج في التعليم ما قبل الجامعي في مركز البحوث وغير ذلك … وجميع هذه المهام أكسبتني خبرات أكاديميّة وتنسيقيّة وإداريّة متنوّعة مدى أكثر من عشرين عامًا في الجامعة اللبنانية.
٦- ما الذي جذبك إلى النقد الأدبي والسيميائيات؟
أنا أحبّ متابعة العلوم الحديثة التي تعنى بدراسة قضايا معاصرة، وكان النقد الأدبي من أكثر المقرّرات في مناهج قسم اللغة العربية في تلك المرحلة التي ترتبط بحاضر الأدب وخصائصه ووظيفته. أضف إلى أنّي أعجبت بطرائق تحليل النصوص وقراءتها التي يُتيحها النقد الأدبي بشكل عام، وتتيحها السيمائيات بشكل خاص، بخاصّة لجهة ما تمنحنا إيّاه من قدرات تحليليّة وتأويليّة يمكن تطبيقها على كل ما يحيط بنا، وليس فقط على الأدب. وبالتالي، مسألة توظيفها فيما هو خارج الأدب وخارج الصف هو ما زاد من انجذابي إليها تحديدًا.
٧-كيف أسهم أستاذك الدكتور نبيل أيوب في تكوينك العلمي؟
للدكتور نبيل أثر واضح ومباشر على تكويني العلمي، فأنا أعددت الماستر بإشرافه، وكذلك الدكتوراه، واعتمدت على كتبه في النقد في العملين، وعلّمت النقد الأدبي من بعده في الجامعة سنين طويلة، ولا تزال كتبه حاضرة في أي عمل بحثي نقدي أعدّه.
٨-لماذا اخترتِ العنف موضوعًا لأطروحة الدكتوراه؟
أردت البحث في نماذج الرواية اللبنانية الصادرة في الفترة الممتدة بين عشية الحرب الأهلية وما بعدها، وبعد قراءاتي عددًا وازنًا منها، اكتشفت أنّ كلّ واحد من الروائيين والروائيات أصحاب النماذج المختارة يرسم مجموعة من الشخصيات التي تمارس أنواعًا مختلفة من العنف، سواء أكان لفظيًا أم جسديًا، أم مسلحًا… بهدف تحقيق غاياتها المختلفة. فلفتني الأمر، ولاسيّما أنني لم أقع على دراسة تتناول ظاهرة العنف بوصفه مادّة أساسية في تشكّل العمل الإبداعي، فعرضت الفكرة على الدكتور أيوب الذي كنت أعدّ المشروع بإشرافه، وشجعني، وكان هذا عام 2002.
وبعد ذلك غصت في القراءات النفسية والاجتماعية الخاصة بالعنف، فولدت لدي فكرة تدجين العنف التي مثّلت في ما بعد، العبارة المحورية في عنوان الأطروحة: “العنف وتدجینه في المنتج القصصي اللبناني- قراءة سیمیائیة سردیة واجتماعیة” ، ومنها ولدت إشكاليتها: هل استطاعت الشخصية السيطرة على نزعتها التدميرية، وإخضاع ميلها لممارسة العنف وتدجينه، أو أنّ العنف دجّنها ومنع عليها الإحساس بالأمان، فقوّض إرادتها، فتحوّل العنف بذلك من أداة إلى سيد يتحكم في المواقف كلّها، تاركًا بصمته على شكل السرد كما على بنيانه؟
٩-ما أبرز النتائج التي توصلتِ إليها في هذه الدراسة؟
النتائج متشعبة، كان من أبرزها، أن الروائيين والروائيات موضوع الدراسة، قدّموا مسوّغات عديدة على ألسنة الشخصيات لاستخدام العنف بأشكاله كلّها، ولا سيّما المسلّح منه، من أجل الحفاظ على المكتسبات أو الحصول على مكتسبات سياسيّة وماديّة ومعنويّة جديدة؛ فدجّنته السلطة عبر إدخاله في الإجراءات السياسية كلّها، وذلك باسم الحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم من جهة، أو الدفاع عن الوطن ضد عدوّ غاشم من جهة أخرى. ودجّنته الأحزاب واستخدمته في سبيل تحقيق عدالة مفقودة من وجهة نظرها، ومن أجل تأسيس وطن لا طائفي تردّ بوساطته على مختلف أشكال العنف الطائفي المبطّنة والبارزة.
ولكن، سرعان ما انقلبت المعادلة، وسيطر منطق القتل على العقول، وغرقت الشخصيّات بالوحول، بعد أن سقطت ضحية لممارساتها العنفية، وخضعت لسيطرة غريزتها التدميريّة، فدجّنها العنف هذه المرة، وجعلها خادمة لإشباع رغباتها الدموية، ما حوّل رؤية الروائيين إلى العنف من الرغبة في استخدامه للتخلّص من عنف الحرمان الذي تعاني منه على مختلف المستويات إلى رغبة في الانقطاع عن العالم الخارجي. وتوصلت إلى كشف هذه الرغبة من خلال النّهايات التي انتهت إليها البرامج السرديّة العنفيّة، والحقيقة التي أعلنها الروائيون على ألسنة الشخصيات، على الرغم من اختلاف أسمائها أو حتى تاريخ صدور الرواية، سواء أكان في عام 1969 أم 1998، أو اللغة التي تمّ استخدامها للتعبير عنها، أكلمة كانت أم سلاحًا، أنّ ” لا قيمة لشيء البتة،” وأنّ الحياة عبارة عن جبل من الخيبات والنهايات. وبيّنت أنّ العنف المسلّح أكسب الناس أنواعًا جديدة من السّلوك، الغريبة عن عالم البشر، وعلّمهم مجموعة من القوانين، ينصّ أهم بند فيها على البقاء أحياء.
١٠-كيف ترين واقع النقد الأدبي العربي اليوم؟
يمرّ النقد الأدبي العربي المعاصر بمرحلة تحوّل تتجاذبه فيها الرغبة في الإفادة من المناهج النقدية الغربية، والحرص على صون مرجعياته التراثية وخصوصيته الثقافية. وقد أفضى هذا الوضع إلى تعدّد المقاربات النقدية وتنوّعها، غير أنّه أسهم، في الوقت نفسه، إلى تخبّط مفاهيمي ومصطلحي، ولا سيّما في ترجمة المصطلحات وتكييفها ضمن السياق العربي.
١١-ما الذي يميز النقد السيميائي عن غيره من المناهج النقدية؟
يتقاطع المنهج السيميائي مع عدد من الحقول والمناهج المعرفية، كاللسانيات والفلسفة والمنطق وهو ما يمنحه أفقًا معرفيًا واسعًا يتجاوز حدود الدراسة الأدبية الخالصة. ويتميّز بأنه ينظر إلى النص على أنّه نظام متكامل من العلامات والرموز التي تتفاعل لإنتاج المعنى. فهو لا يسأل فقط: ماذا يقول النص؟ بل يهتم أيضًا بكيفية تشكّل الدلالة فيه. يفتح التحليل إلى خارج النص، ينطلق منه ويعود إليه. وهو منهج متعدّد النظريات والاتجاهات؛ فبينما توسّع سيميائيات بيرس مفهوم العلامة لتشمل الأيقونة والمؤشر والرمز، تهتم سيميائيات غريماس بالوظائف العاملية، وكشف البنية السردية العميقة، ومسرى الدلالة في النص. وهناك أيضًا سيميائيات الثقافة، وسيميائية الصورة وسيميائية السينما وسيميائيات التأويل ولكل منها نظرياته وآلياته الإجرائية؛ وهذا التنوّع يمنح المنهج مرونةً كبيرة، ويتيح له دراسة النصوص الأدبية وغير الأدبية والوسائط الرقمية والفنون المختلفة. وعلى الناقد، وبحسب هدف العمل، أن يختار النظرية التي تلائم طبيعة النص.
١٢-كيف تقيمين حضور الأدب الرقمي في العالم العربي؟
أرى أن الأدب الرقمي العربي يشهد حضورًا متناميًا، وقد أحدث تحولًا واضحًا في طرائق إنتاج النص الأدبي ونشره وتلقّيه. فالمدونات والمنصات الإلكترونية ووسائط التواصل أتاحت للكاتب أن يصل مباشرة إلى القارئ، كما فسحت في المجال أمام أشكال جديدة تجمع بين الكلمة والصورة والصوت والحركة، وتجعل القارئ متفاعلًا وشريكًا في إنتاج الدلالة، أو شريكًا في الكتابة أيضًا، بحسب المساحة التي يسمح بها له المؤلّف الأساسي. لكن في العالم العربي تتفاوت الأعمال تفاوتًا كبيرًا على المستوى الفني ومستوى استخدام التقنية كعنصر أساسي في بنية النصوص، وتبقى نسبة الأعمال الإبداعية الرقمية قليلة نسبيًّا.
١٣-هل استطاع الأدب الرقمي أن يفرض نفسه بوصفه جنسًا أدبيًا مستقلاً؟
لا أعتقد أن الأدب الرقمي قد فرض استقلاله التام بوصفه جنسًا أدبيًا مكتمل الحدود، لكنه بالتأكيد يمتلك خصائص فنية وتقنية تميّزه بوضوح عن الأدب الورقي. لكن امتلاك هذه الخصائص لا يكفي وحده لإعلان استقلاله الكامل لأنّ المفاهيم المرتبطة به غير مستقرة. من هنا، أرى أن الأدب الرقمي جنس أدبي في طور التشكّل، يمتلك مقومات الاستقلال، لكنه لم يبلغ بعد مرحلة النضج الكامل، ويحتاج إلى اعتراف نقدي وأكاديمي ومؤسّسي أوسع.
١٤-ما أبرز التحديات التي تواجه الباحثين في الأدب الرقمي؟
البحث في الأدب الرقمي ليس أمرًا يسيرًا للأسباب التي ذكرتها سابقًا؛ ومن التحديات التي يواجهها أذكر التحدّي التقني، وصعوبة الوصول إلى بعض الأعمال بسبب عدم توافقها مع جميع الأجهزة، واحتمال اختفائها بعد توقف المنصات أو تحديث التطبيقات. كما يحتاج الباحث إلى مهارات في إدارة البيانات والأرشفة والتحليل الرقمي، وهي مهارات لا تتوافر بالقدر نفسه لدى جميع الباحثين. وعليه، لا تكفي المناهج النقدية المعروفة وحدها لتحليل الإبداع الرقمي، بل يحتاج الناقد المتخصص باللغة العربية أن يكون ملمًا باختصاصات متعدّدة ليستطيع فهم طبيعة هذا الأدب. لذلك أرى أن دراسة الأدب الرقمي تتطلب باحثًا يجمع بين الحس الأدبي والكفاءة التقنية، ويظل قادرًا على تطوير أدواته باستمرار.
١٥-كيف يمكن للتكنولوجيا أن تخدم اللغة العربية؟
تستطيع التكنولوجيا أن تؤدي دورًا مهمًّا في خدمة اللغة العربية، ولا سيّما في مجالات التعليم والمعالجة الآلية وإنتاج المحتوى الرقمي. فقد أتاحت المنصّات التعليمّية والتطبيقات الذكية تعلّم العربية بطرائق أكثر تفاعلية ومرونة، سواء أكان للناطقين بها أم للناطقين بغيرها، كما بيّنت الدراسات الحديثة أنّ الذكاء الاصطناعي عبر تقديم التغذية الراجعة الفورية، وتصحيح النطق والكتابة، وتكييف المحتوى مع مستوى كل متعلّم يؤدّي إلى تحسين اكتساب المتعلّمين اللغة بشكل كبير. وأيضًا أصبح من الممكن توظيف التقنيات الحديثة في الترجمة الآلية، والتحليل الصرفي والنحوي، والتدقيق الإملائي، وتحليل النصوص واللهجات. وهذا يؤدي حتمًا توسيع حضور العربية وإثراء المحتوى العربي على الإنترنت. لكن، الإفادة الحقيقية من هذه الإمكانات تظلّ مرتبطة بمدى تطوير أدوات تنطلق من خصوصية العربية، من خلال تعاون جاد بين اللغويين والتربويين والمتخصّصين في علوم الحاسوب.
١٦- ما رؤيتك لمستقبل تعليم اللغة العربية في ظل الذكاء الاصطناعي؟
أرى أن مستقبل تعليم اللغة العربية سيتّجه نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في تكييف التعلم مع احتياجات كلّ متعلّم. فبدل أن يتلقى الطلاب المحتوى بالطريقة نفسها، ستتمكن الأنظمة الذكية من متابعة تقدّمهم، وتحديد مواطن الضعف لديهم، وتقديم تدريبات وتغذية راجعة تتناسب مع مستوياتهم اللغوية. وستتيح بذلك تقنيات التعرف إلى الكلام، والمساعدات الصوتية، والواقع الافتراضي والمعزز، وبيئات التعلّم متعدّدة الوسائط فرصًا أوسع لتدريب المتعلّم على النطق والمحادثة، وربط اللغة بمواقف تواصليّة أكثر واقعيّة.
وسيتغيّر تبعًا لذلك دور المعلّم؛ فلن يقتصر على نقل المعرفة، بل سيصبح موجّهًا وميسّرًا ومشرفًا على عملية التعلّم.لكن هذا التحوّل لا يعني الاستغناء عن المعلّم لأنه سيبقى مسؤولًا عن تنمية التفكير والوعي الثقافي، وعن تقويم ما تقدّمه الأدوات الذكية من معلومات ومخرجات. ولتحقيق هذه الرؤية، لا بدّ من تدريب المعلمين، وتطوير البنية التحتية والموارد اللغوية العربية، ووضع ضوابط واضحة للاستخدام الأخلاقي والمسؤول للذكاء الاصطناعي. كما ينبغي الحذر من الاعتماد المفرط عليه، حتى لا يفقد المتعلّم استقلاليته وقدرته على التفكير والتعبير. فمستقبل تعليم العربية لن تحدّده التقنية وحدها، بل قدرتنا على توظيفها بما يخدم اللغة ويحفظ هويّتها وخصوصيّتها الثقافية.
١٧- كيف توفّقين بين العمل الأكاديمي والإبداع الأدبي؟
العمل الأكاديمي والبحثي والإداري من مهامي اليومية، أما الكتابة الأدبية فهي عمل مرحلي أبدأ به عندما أشعر بدافع ما أو شعور يحفزني على الكتابة، من دون تصميم مسبق. والكتابة الإبداعية تحتاج إلى وقت فأنا امضي أشهرًا أو أكثر من سنة أو سنتين في كتابة الرواية أو المجموعة القصصيّة، وهذا يحتاج إلى كثير من الالتزام والإصرار.
١٨- أيّهما أقرب إلى قلبك: البحث العلمي أم الكتابة الإبداعية؟
يصعب عليّ أن أفصل بينهما أو أن أفضّل أحدهما بصورة مطلقة. البحث العلمي هو شغف عندي؛ لأنه يتيح لي طرح الأسئلة، ويعطيني إجابات عن أسئلة تراودني، والوصول إلى معرفة أكثر عمقًا. أما الكتابة الإبداعية فتمنحني حرية التعبير وشعورًا بالرضى، وبأنني في كل قصة قلت شيئًا قد يكون له أثر يومًا ما وتمنحني الشعور أيضًا بأنّه ما يزال عندي الكثير لأقوله.
١٩- حدّثينا عن كتابك “الأدب في مهبّ التكنولوجيا”.
يناقش الكتاب التحوّلات التي طرأت على الأدب في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، ولا سيما بعد انتشار الوسائط الرقمية ووسائط التواصل وأشكال الكتابة الجديدة. وقد حاولت فيه أن أتجاوز النظرة التي ترى التكنولوجيا تهديدًا للأدب فقط، لأنّها منحت الأدب أيضًا وسائل جديدة للإنتاج والنشر والوصول إلى القرّاء. وبيّنت فيه يظهر أشكال الأدب الرقمي وقيمه ورؤاه من خلال تحليل نماذج غربية وعربية متنوعة. صدر عن المركز الثقافي العربي، 2016، ويعدّ من الكتب الورقية القليلة عن الأدب الرقمي في العالم العربي التي صدرت في تلك الفترة.
٢٠- ما الرسالة التي أردتِ إيصالها من كتاب «طفلي… ماذا أقرأ له؟»؟
أردت أن أقول للأهل والمربّين إنّ اختيار كتاب الطفل أمر مهم، لأنّ ما يقرأه الطفل يسهم في بناء لغته وخياله وشخصيته ونظرته إلى نفسه والعالم، لذلك ينبغي أن يناسب الكتاب أو القصّة سن الطفل وحاجاته النفسية واللغوية، وأن يحترم ذكاءه ويمنحه المتعة قبل أن يقدّم إليه المعلومة أو القيمة. كما أردت أن ألفت إلى أنّ علاقتنا بقراءة الطفل يجب أن تُبنى على الحوار والمشاركة والاكتشاف وليس على الوعظ أو الإكراه. فالغاية هي أن نساعده على أن يصبح قارئًا حرًّا، قادرًا على الاختيار والتخيّل والتفكير.
٢١-كيف تنظرين إلى واقع أدب الطفل العربي؟
يشهد أدب الطفل العربي اليوم ازدهارًا ملحوظًا على مستوى الإنتاج والنشر والجوائز، لكنّ هذا الازدهار الكمّي لا يعني بالضرورة أنّ جميع المشكلات القديمة قد حُلّت. فما يزال جزء كبير من هذا الأدب محكومًا بالنزعة التعليمية المباشرة، وبإشكالية اللغة التي تتمثّل بالبُعد بين العربية الفصحى واللغة التي يستعملها الطفل في حياته اليومية، أو محكومًا بما يراه القيمون أو المربون وليس بالضرورة بما يريده الطفل حقًّا.
٢٢ – ما أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها كاتب أدب الطفل؟
أرى أن أول ما يحتاج إليه هو أن يحترم الطفل وعقله وخياله. عليه أن يفهم عالم الطفولة، وخصائص كل مرحلة عمرية، وحاجات الطفل النفسية واللغوية، وأن يمتلك القدرة على مخاطبته بلغة واضحة وجميلة من دون تسطيح أو تعقيد. ويحتاج أن يكون خياله خصبًا، وأن يمتلك حسًّا فكاهيًا، ووعيًا تربويًا، وقدرة على بناء الحكاية والشخصيات بطريقة تثير الفضول وتمنح الطفل متعة الاكتشاف.
٢٣ – كيف ترين علاقة الطفل بالكتاب في العصر الرقمي؟
لا أعتقد أنّ العصر الرقمي أنهى علاقة الطفل بالكتاب بشكل تام، لكنه غيّر شكلها وطريقة بنائها. وعلينا الانتباه لهذا التغيير، فالطفل اليوم يعيش وسط الشاشات والصور المتحركة والمحتوى السريع، وهي وسائل شديدة الجاذبية والتفاعل تنافس الكتاب بقوّة. والأمر في المنازل، على الأقلّ، بحسب خبرتي، متروك نهائيًا، وتكاد أن تكون محاولات وعي هذه العلاقة وخطورتها شبه غائبة. من هنا، على المعنيين في المدارس العمل على توظيف الوسائط الرقمية لتكون مدخلًا إلى الكتاب، من خلال القصص التفاعلية والكتب الصوتية والتطبيقات الجيّدة، لا أن تحلّ كليًا محل القراءة المتأنية، والعمل على تحقيق التوازن بينهما.
٢٤- ما سرّ اهتمامك بقضايا التلقّي والقراءة؟
اهتمامي بالتلقّي نابع من قناعتي بأن النص يكتمل بالقراءة مع كل قارئ، لأنّ الأخير يعيد بناء معناه من خلال ثقافته وتجربته وأسئلته، وما يراه قارئ في النص قد يختلف عمّا يراه قارئ آخر، وهذا التعدّد هو ما يمنح الأدب حيويته واستمراره، ويسبب متعة القراءة. لذلك أرى أنّ القارئ جزء أساسي من عملية الكتابة، منذ لحظة البدء فيها.
٢٥-كيف تقيمين مستوى البحث العلمي في الجامعات العربية؟
شهد البحث العلمي في الجامعات العربية خلال العقود الأخيرة نموًّا ملحوظًا من حيث عدد الدراسات والمنشورات، لكنّ هذا التقدّم الكمّي لم يواكبه دائمًا تحسّن مماثل في الجودة والتأثير. فما تزال نسبة الأبحاث المنشورة في المجلات العلميّة المرموقة محدودة، كما تبقى معدّلات الاستشهاد والتعاون مع القطاعات الإنتاجية والصناعية دون المستوى المنشود. ولتحسين هذا الواقع يُفترض توفير بيئة مؤسسية داعمة، وربط البحث العلمي بحاجات المجتمع ومشكلاته الفعلية.
٢٦-ما أهمية الجودة والاعتماد الأكاديمي في تطوير الجامعات؟
أرى أن الجودة والاعتماد الأكاديمي يشكّلان أداة أساسية لتطوير الجامعات، لأنهما يدفعان المؤسسات إلى مراجعة برامجها ومناهجها وأدائها بصورة منتظمة، ويعزّزان الشفافية وثقة المجتمع بالشهادات الجامعية. لكن الاعتماد لا ينبغي أن يتحوّل إلى إجراءات ورقية أو عبء بيروقراطي، بل يجب أن ينعكس فعليًا على جودة التعليم والبحث ومخرجات التعلّم. لذلك، تكمن قيمته الحقيقية في ترسيخ ثقافة مؤسسيّة تقوم على التقويم المستمر والتحسين المبني على الأدلة.
٢٧-ما أبرز إنجازاتك في لجان تطوير المناهج؟
أدخلت الى مناهج العربية مقرّرات ترتبط بسوق العمل، بالتنسيق مع لجنة المناهج في الكلية، ومنها على سبيل المثال: “العربية للمحامين والدبلوماسيين، العربية لغير الناطقين بها، وإدارة الجودة في المؤسسات التربوية” وغيرها في دبلوم مهني، أطلقت عليه اسم: “العربية لأهداف مهنية” وهو شهادة سنة واحدة. وأدخلت مجموعة من محترفات الكتابة الإبداعية ولأهداف تعليميّة في ماستر قسم اللغة العربية المهني الذي أطلقت عليه اسم: ماستر “الكتابة والنشر”، وكذلك الأمر أضفت مقرّرات في الإجازة، منها أذكر مقرّرات “مهارات التعلم والتفكير، التواصل اللغوي والتعبير الشفهي، التدقيق اللغوي، تعلمية اللغة العربية” وغيرها من المقرّرات التي تمّ التوافق عليها مع لجنة المناهج الخاصّة بالقسم.
٢٨-كيف تصفين تجربتك في الإدارة الجامعية؟
تجربة ناجحة جدًا وشيّقة، فانا أدير مكتب تنسيق تدريس اللغات في الجامعة اللبنانية منذ 2019، وكذلك الأمر في منسقيّة الماستر ، فأنا مكلّفة بالتنسيق منذ 2016، ولا مشاكل تذكر حتى تاريخه، لأنّ الأمور كلّها تتابع وتحلّ في حينها.
٢٩- ما أصعب قرار إداري اتخذته خلال مسيرتك؟
بشكل عام، لا قرارات صعبة لأنّنا في الجامعة نتبّع في كل حالة القوانين المرعية الاجراء، ونتعاون مع أساتذتنا وطلابنا قدر الإمكان لتيسير العملية التعليمية برمتها.
٣٠-ما أهمية العمل الجماعي داخل المؤسسات الأكاديمية؟
العمل الجماعي أساسي جدًا، فعندما تتوزّع المسؤوليات وتُناقش القرارات بصورة تشاركية تصبح المؤسسة أكثر قدرة على حلّ المشكلات وتطوير برامجها وتحسين جودة التعليم والبحث العلمي.كما يفسح العمل الجماعي في المجال أمام مشروعات بحثية متعدّدة التخصّصات، وهو ما يحتاج إليه البحث في القضايا المعاصرة المعقّدة.
٣١-كيف تنظرين إلى دور المرأة العربية في القيادة الأكاديمية؟
حققت المرأة العربية حضورًا واضحًا في التعليم العالي والبحث العلمي، غير أنّ هذا الحضور لا ينعكس بالقدر نفسه في مواقع القيادة الأكاديمية العليا. فما تزال مشاركتها في صنع القرارات الاستراتيجية محدودة، على الرغم من كفاءتها العلمية وخبرتها المهنية. وفي الجامعة اللبنانية وفي كليات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والإعلام… تستلم المرأة مواقع أكاديمية بشكل واسع على مستوى رئاسة الأقسام الأكاديمية او إدارة الفروع أو عمادة الكليات بحسب الاختصاصات، وتقدّم أنماطًا قياديّة تشاركيّة تجمع بين الحوار والتعاون، وأتوقع أن تزداد إسهاماتها العلمية والعملية في المستقبل.
٣٢-ما أبرز التحديات التي تواجه الأكاديمية العربية اليوم؟
تواجه تحديات مترابطة تشمل ضعف التمويل وهشاشة البنية التحتية البحثية فيما خصّ الآداب والعلوم الإنسانية… ويواجه الباحث العربي فيها صعوبات إضافية ترتبط بالنشر في مجلات محكمات دوليّة مثلًا.
٣٣- ماذا أضافت لكِ المشاركات الدولية؟
أضافت إليّ الكثير، فلقد أتاحت لي التعرف إلى جامعات وثقافات مختلفة مكنتني من الإفادة من تبادل الخبرات وبناء علاقات أكاديمية مهمّة.
٣٤- كيف كانت تجربتكِ في التعاون مع الجامعات الروسية؟
كانت تجربة علمية وثقافية غنية، أسفر عنها تأسيس الماستر المشترك: “العلاقات الروسية الشرق أوسطية وأوجه التفاعل”، وتخرّج فيه عدد مهم من الطلاب المتميّزين.
٣٥- ما أثر الإشراف على رسائل الماستر والدكتوراه في تطوير تجربتكِ العلمية؟
لقد جعلني الإشراف أكثر وعيًا باختلاف قدرات الطلاب وطرائق تفكيرهم، وأستطيع القول إن كل رسالة أشرفت عليها أضافت إليّ بقدر ما أضفت إليها على المستويين العلمي والشخصي.
٣٦ – ما أكثر موضوع بحثي لفت انتباهكِ بين الرسائل التي أشرفتِ عليها؟
يصعب عليّ أن أختار موضوعًا واحدًا، لأن لكل رسالة خصوصيتها. لكن الموضوعات التي تشكل مدار اهتمامي وأشجّع عليها تلك المرتبطة بالتكنولوجيا والأدب، أو الدراسات النقدية التي تبحث في تحولات معيّنة اجتماعيّة أو تكنولوجيّة وتعيد قراءة النصوص من زوايا جديدة.
٣٧ – كيف تختارين موضوعات طلبتكِ البحثية؟
أحرص أولًا على ألّا أفرض على الطالب موضوعًا لأنه عليه أن يبحث في موضوع يكون مناسبًا لقدراته، ومتناسبًا مع مكتسباته السابقة ومع ما يحب البحث فيه من موضوعات عامة. لذلك أبدأ بالحوار معه حول اهتماماته، وقراءاته، والأسئلة التي أثارت انتباهه، ثمّ أوجّهه بحسب مجالات اهتمامه، وانطلاقا من خبراته أو مكتسباته السابقة نحو موضوعات تنطلق من حاجة معرفية واضحة، وتربط التحليل النصي بقضية أدبية أو ثقافية أو اجتماعية أوسع، مع مراعاة الهدف والمنهج المختار. وبعد ذلك، يعمل هو بدوره على توسيع الموضوع ووضع التصميم المناسب له.
٣٨-ما النصيحة التي تقدمينها للباحثين الشباب؟
أنصحهم بأن يختاروا موضوعات تعود نتائجها بالفائدة على المجتمع، وأن يدقّقوا فيما يكتبون ، وألا ينجروا خلف ثقافة الاستسهال والسطحية والنقل.
٣٩-كيف ترين العلاقة بين الأدب والمجتمع؟
أرى أن العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة متبادلة وحيوية؛ فالأدب يعكس واقع المجتمع ويؤسس لواقع مختلف، وهو يمتلك قدرة على التأثير في المجتمع وتشكيل وعيه، من خلال وضع القارئ أمام تجارب مختلفة، وفتح النقاش حول القيم والأفكار السائدة، بشكل يمكن أن يُسهم في تغيير مواقفه وتصوراته.
٤٠-ما دور الأدب في مواجهة العنف والتطرف؟
أرى أن الأدب يواجه العنف أولًا عبر كشفه، ثم بحفظ ذاكرة ضحاياه، ومنحهم صوتًا ؛ فهو يسجل الحدث ويتوغّل في أسبابه النفسية والاجتماعية والسياسية، ويُظهر ما تتركه الحرب والإرهاب والإقصاء من جراح في الفرد والمجتمع، وهو بذلك يظهر الألم المشترك عند جميع الفئات، ويجعل القارئ يعيش التجربة ويثير فيه التساؤلات التي تصل إلى حدّ تغيير قناعاته أحيانًا. وهو مهم أيضًا في التعليم عبر تنمية القدرة على التعاطف واتّخاذ موقف ضدّ العنف وتنمية الاتجاهات اللاعنفية…
٤١-كيف تقيّمين الحركة الثقافية في لبنان اليوم؟
مع ما يمرّ به لبنان في الآونة الأخيرة من حرب وعدوان من جهة، وغزو التكنولوجيا وقلة الدعم المؤسسي من جهة ثانية، أقول إنّ القيمين على الحركات الثقافية والأدباء يعملون بجهد للإبقاء على الندوات ومعارض الكتب، على قلّتها، في محاولات أقلّ ما يقال عنها أنّها محاولات بقاء، يتناقص عدد المشاركين والجمهور المتابع فيها عامًا بعد عام، ما يحول بعضها إلى مجاملات اجتماعية أكثر منها أدبية خالصة.
٤٢- ما الذي يحتاج إليه الكاتب العربي للوصول إلى القارئ؟
أرى أن وصول الكاتب العربي إلى القارئ يبدأ من وعيه الواضح بمن يكتب له، وبالسياق الثقافي واللغوي الذي سيتم تلقّي النص فيه؛ فلكل جمهور انتظاراته وخبراته ومرجعياته، وعليه أن يمتلك فكرة مهمة ويمتلك معرفة معالجتها بطريقة مبتكرة.
٤٣-كيف تستقبلين الدراسات الأكاديمية التي تناولت أعمالك الإبداعية؟
أستقبلها بفرح، وأشعر بالرضا والامتنان، واعتزّ بها، وأتتبّع نتائجها باهتمام كبير ؛ لأنّها قد تكتشف في أعمالي أبعادًا لم أكن واعية لها لحظة الكتابة، أو تكتشف خصوصيّة ما فيها لم أكن اعهدها من قبل على مستوى الأسلوب أو مستوى الأفكار، وأجد هذا الأمر رائعًا بجديّته وعمقه.
٤٤-أي عمل من أعمالك يمثل شخصيتك بصورة أكبر؟
في كل عمل جزء من شخصيتي، من الفكرة إلى طريقة المعالجة إلى النهايات التي توصلت اليها الشخصيات. جميعها تمثلني، باختلافها وتناقضها وتشابهها.
٤٥-ما المشاريع الفكرية أو الأدبية التي تعملين عليها حاليًا؟
على المستوى الإبداعي، أعمل حاليًا على كتابة مجموعة قصصية جديدة أوجهها للمراهقين، وما زلت في المراحل الأولى، تهتم بقضايا حيوية ودقيقة ومعاصرة جدًّا، كما هو حال مجموعاتي القصصية السابقة، مواضيع لم اطرحها في أي من الأعمال السابقة؛ ففي مجموعتَيْ “لم نعد صغارًا!”، طرحت قضايا: هوس الشهرة، هوس النحافة، التنمّر والكذب، والعلاقات بين الرفاق، وبين المراهقين وأهلهم… وفي مجموعة “كن صديقي”، عالجت قضايا التنمّر الالكتروني، وازدواجية القيم، والعنف الأسري، وقضايا المصروف وإعداد موازنة الأسرة، وفي مجموعة “إدارة بلون الغيم”، عالجت قضايا الإدارة والتعامل مع الأكبر سنًّا وبيّنت العلاقات والاختلاف بالنظرة إلى بعض الأمور الحياتية والثقافية بين الأجيال المختلفة، وفي مجموعة “أحيا بالخط العريض”، عرضت قضايا الفقدان بسبب موت الأب، أو بسبب انفصال الوالدين، أو بسبب فقدان الخصوصية عبر وسائط التواصل. أمّا في مجموعتي الجديدة فسأنقل المراهق إلى عالم آخر مختلف كليًّا. أما فكريًّا، فأنا منصبّة على التفكير في الذكاء الاصطناعي وضوابط استخدامه في البحث العلمي، وأبحث في الإشكاليات التي أوجدها على هذا الصعيد، ومن بينها مثلًا، مصير البحث العلمي في الآداب والعلوم الإنسانية وفائدته في هذا العصر.
٤٦-كيف ترين مستقبل الثقافة العربية في ظل التحوّلات الرقمية؟
أرى أنّه سيتشكّل من خلال تفاعل عميق بين الهوية الموروثة والتحولات الرقمية المتسارعة. فأنا لا أعتقد أنّ رفض التكنولوجيا ومفاعيلها بات أمرًا مطروحًا وأن جهودًا تُبذل من أجل عدم الذوبان فيها من خلال بناء نموذج ثقافي مرن يستوعب الابتكار، ويحافظ، في الوقت نفسه، على الخصوصية العربية، تبعًا لما تقوم به بعض البلاد العربية ولا سيّما في الخليج.
٤٧- ما الرسالة التي توجهينها إلى طلاب اللغة العربية؟
ضرورة الخروج من حدود الاختصاص والانفتاح على العلوم الأخرى للإفادة منها في البحث العلمي لربط نتائجه بالمجتمع بشكل مباشر، أي إجراء بحوث لها فائدة مجتمعية مهمة. وأيضًا ضرورة الالتزام بتعليم العربية بأساليب وطرائق تجعلها قريبة من الطلاب، وتمكّنهم من توظيفها في يومياتهم بثقة وطلاقة.
٤٨-ماذا تقولين للمرأة التي تطمح إلى التميز العلمي؟
أنا مع السعي إلى التميّز العلمي والترقي الوظيفي، لكن ليس على حساب الأدوار الأخرى التي على المرأة أن تؤديها؛ فجميل أن تعيش الحياة بمساراتها المتنوّعة وبأدوار مختلفة، والأجمل أن تتعلّم من الصعوبات التي تواجهها وتحوّلها إلى خبرة من أجل تحسين جودة حياتها وحياة المحيطين بها، على المستويين الشخصيّ والعام.
٤٩-ما الحلم الذي لم تحققه مهى جرجور بعد؟
أشكر الله على كل ما وهبني إياه، وما حقّقته حتى الآن. وأحلم أن تبقى كتبي بين أيدي المتعلمين في المدارس، وأن تنتقل بين أيدي الأجيال المتعاقبة.
٥٠- في ظل الزخم الكبير الذي تشهده الساحة الثقافية العربية، وكثرة الملتقيات والمنتديات الأدبية، استطاع ملتقى الشعراء العرب أن يحجز لنفسه مكانة بارزة من خلال نشاطه المستمر وإصداراته وحضوره العربي. كيف تنظرين إلى تجربة الملتقى، وما الذي يميّزه في رأيك عن غيره من الملتقيات الثقافية؟ وما تقييمك للدور الذي يقوم به مؤسسه ورئيسه الشاعر والأديب ناصر رمضان عبد الحميد في خدمة الشعر العربي، واكتشاف المواهب، وبناء جسور التواصل الثقافي بين الأدباء العرب؟
أرى أن تجربة ملتقى الشعراء العرب تستحقّ التقدير والثناء؛ لأنهّا تسعى إلى بناء حضور ثقافي مستمرّ، يشكل مساحة ثقافيّة رائعة، وفضاء يجمع الأدباء والشعراء من أقطار عربية مختلفة، وهذا فعلاً ما نحتاجه لنعيد للكلمة وهجها، وتأثيرها في الأجيال المعاصرة. وما يميّز الملتقى، في رأيي، هو حرصه على الاحتفاء بالأدب والأدباء العرب، عبر تقديم قراءات نقديّة تُظهر جمالية النّص الأدبي وقيمته وترتقي بالذائقة الفنيّة في آن، وبهذا العمل الذي تُرفع له القبعة، يتمكّن مؤسس الملتقى ورئيسه الشاعر والأديب ناصر رمضان عبد الحميد، بإدارته ومعاونة فريقه أن يبني جسور التواصل الثقافي بين الأدباء العرب، عبر الفضاء الرقمي، ويحافظ عليها، مؤديًا بذلك خدمة جليلة للشعر والأدب في عصر الذكاء الاصطناعي.
٥١-وفي ختام هذا اللقاء، ماذا تودين أن يبقى من إرث مهى جرجور في ذاكرة الأجيال القادمة؟
أودّ أن يبقى أثر كتاباتي وأبحاثي حيًّا ويستمرّ في الآخرين: في طالب أصبح باحثًا أو مبدعًا مميزًا، أو في طفل أحبّ القراءة عندما قرأ قصّة كتبتُها، أو في قارئ وجد في نصٍ كتبته سؤالًا جديدًا أو معنًى يرافقه يضيء طريقه.
شكرًا
حاورتها من لبنان الدكتورة زبيدة الفول
عضو ملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف












