“بين صلابة الجبل وهشاشة الانكسار”
قراءة في ملامح الشخصية عند الدكتور ناصر رمضان في قصيدة “شموخ”
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
كن شامخاً
کن شامخا
كن كالجبال
كن حيث شئت
وصوت معولك الخيال
کن واقفا لا تنكسر للضعف يوما
او تساق الى متاهات الوصال
او وشوشات الضيم
حين تجر شالك
للقتال
وتروح تحلم بالمنى
وتظل تبني في الرمال
ها أنت منكسر حزين
للضيم تقبع خانعا
بالذل تلتمس النضال
وتروح تسترضي وتستجدي
على الملأ السؤال
أجعل طموحك
فوق كفك
فوق ظهرك
بين قلبك
نسمة
وانسجه من ورد وشال
عرج به فوق المآذن
والكنائس والمعابد والتلال
ها أنت أقوى أنت أندى
من خيوط الفجر تشرق
بالجمال على الجمال
وتطير بالاحلام تنسجها
وتصعد للسماء
ب لا حبال
ها أنت وحدك
سيف عزمك
قوةجبارة
تجتاز آفاق
المحال
لاشيء يعصف بالفتى
غير الخنوع
لصوت يأس
حين يحتدم القتال
سيان لو تغتاله
الاهات حينئذ
ولو قتلته الاف
النبال
مقدمة:
عند تخوم الكلمة، حيثُ تتقاطعُ أنفاسُ اللغة مع ارتعاشاتِ الروح، ينهضُ صوتُ الدكتور ناصر رمضان كجبلٍ لا تُحدّه الجهات، وكنبضٍ لا يشيخُ في عروق المعنى. هذه القصيدة ليست مجرّد نداءٍ عابر، بل هي طقسُ عبورٍ من هشاشة الإنسان إلى صلابته، من انكسار الظلّ إلى انتصاب الضوء. كأنّ الشاعر يمسكُ بيدِ الذات الإنسانية ويقودها عبر دهاليزها المظلمة، ليعرّي خوفها، ثم يعيد كسوتها بثوب الإرادة.
في البدء، يبدو الخطاب كوصيةٍ محفورةٍ على صخر الزمن: “كن شامخاً”، لكن هذا الشموخ ليس هيئةً خارجية، بل هو استعارةٌ كونيةٌ لارتقاء الداخل، حيث يتحوّل الجبل إلى كناية عن الثبات الوجودي، ويغدو “المعول” رمزاً مزدوجاً للهدم والبناء، وكأنّ الخيال ذاته أداةُ نحتٍ تعيد تشكيل المصير. هنا، ينزاح المعنى عن واقعيته ليغدو رؤية: فالإنسان ليس ما هو عليه، بل ما يقدر أن يتخيّله.
غير أنّ الشاعر، في انزياحه الفلسفي، لا يكتفي ببناء المثال، بل يهدمه ليكشف هشاشته؛ فتتسلل إلى النصّ ظلالُ الانكسار، كغيمٍ ثقيلٍ يعبر سماء الكبرياء. إنّه صراعٌ بين “ما ينبغي أن يكون” و”ما هو كائن”، بين القمّة التي تُغري، والهاوية التي تتربّص. وهنا، تتحوّل القصيدة إلى مرآةٍ مكسورة، كلُّ شظيةٍ فيها تعكس وجهاً من وجوه الإنسان: القويّ حين يحلم، والضعيف حين يستجدي، والمعلّق بينهما كوترٍ مشدودٍ بين سماءٍ لا تُطال وأرضٍ لا ترحم.
إنها قصيدةُ صعودٍ وسقوطٍ في آن، رحلةُ كائنٍ يحمل في داخله بذرة الجبل وملح الانكسار، ويخوض معركته الأزلية بين نداء العلوّ وهمس الانحدار
⸻——————————
أولاً: شخصية مثالية توجيهية (النزعة الوعظية الحكيمة)
يظهر الشاعر في مطلع القصيدة بوصفه مرشداً، يكاد يتماهى مع صوت الحكيم أو الأب الروحي:
“كن شامخاً
كن كالجبال”
هنا تتجلى شخصية تؤمن بالنموذج الأعلى، وتدعو إلى التماهي مع عناصر الطبيعة الصلبة. الجبل ليس مجرد صورة، بل رمز للثبات والعظمة والسمو. هذا التوجيه يكشف عن شخصية تحمل رسالة، ترى في الإنسان مشروع ارتقاء دائم.
ثانياً: شخصية صراعية مزدوجة (بين القوة والانكسار)
سرعان ما ينكسر هذا الصوت المثالي ليكشف عن وجه آخر أكثر واقعية:
“ها أنت منكسر حزين
للضيم تقبع خانعاً”
هنا تتبدى شخصية الشاعر كمرآة للإنسان حين يسقط. إنه لا يكتفي بالتنظير، بل يغوص في التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها. هذه الازدواجية (شموخ/انكسار) تعكس وعياً فلسفياً بأن الإنسان ليس كياناً ثابتاً، بل حالة متحولة بين القمة والهاوية.
ثالثاً: شخصية ناقدة للذات والمجتمع (الوعي النقدي)
في قوله:
“وتروح تسترضي وتستجدي
على الملأ السؤال”
يظهر الشاعر ناقداً لاذعاً لحالة التذلل وفقدان الكرامة. إنه لا ينتقد الآخر فقط، بل يوبّخ الذات الإنسانية حين تنحرف عن مسارها. هذه النزعة النقدية تكشف عن شخصية واعية، ترفض الاستسلام للواقع، وتدين الانحدار الأخلاقي والنفسي.
رابعاً: شخصية حالمة متسامية (البعد الجمالي والروحي)
رغم قسوة النقد، يعود الشاعر ليبني عالماً جمالياً موازياً:
“وانسجه من ورد وشال
عرج به فوق المآذن
والكنائس والمعابد والتلال”
هنا تتجلى شخصية تؤمن بالجمال كخلاص، وبالتسامح كقيمة عليا تتجاوز الانقسامات الدينية والمكانية. الجمع بين المآذن والكنائس والمعابد يرمز إلى رؤية إنسانية شاملة، تعلي من شأن الوحدة الروحية.
خامساً: شخصية إرادية مقاومة (إرادة التحدي والانتصار)
في قوله:
“ها أنت وحدك
سيف عزمك
قوة جبارة
تجتاز آفاق المحال”
تبرز شخصية تؤمن بالفعل الفردي، وبقدرة الإنسان على تجاوز المستحيل. “سيف العزم” رمز للإرادة الحادة التي تقطع الشك وتشق الطريق. هنا يتحول الشاعر إلى محارب معنوي، يخوض معركة الوجود بسلاح الإرادة.
سادساً: شخصية فلسفية تدرك جوهر الهزيمة
يبلغ الشاعر ذروة وعيه الفلسفي في قوله:
“لا شيء يعصف بالفتى
غير الخنوع
لصوت يأس”
إنه يختزل أسباب السقوط في عامل داخلي: الاستسلام. هذه الرؤية تعكس شخصية عميقة تدرك أن الهزيمة الحقيقية نفسية قبل أن تكون واقعية، وأن المعركة الكبرى تدور داخل الإنسان
⸻———————————————-
الخاتمة:
وفي ختام هذا النشيد الوجودي، لا نغادر القصيدة كما دخلناها؛ بل نخرج منها محمّلين بشظايا نورٍ وندوبِ معنى، كأنّ الشاعر قد ألقى في أرواحنا حجراً أيقظ دوائر التأمل. لقد تكشّفت شخصية الدكتور ناصر رمضان ككيمياء داخلية معقّدة، تمزج بين نار الإرادة وماء الانكسار، فتنتج إنساناً لا يُقاس بثباته فقط، بل بقدرته على النهوض من حطامه.
هنا، لا يعود الشموخ مجرّد ارتفاع، بل يصبح موقفاً وجودياً، تمرّداً صامتاً على كلّ ما يحاول تدجين الروح. والانكسار، في المقابل، ليس سقوطاً نهائياً، بل هو لحظةُ انكشافٍ، حيث تتعرّى الذات من أوهامها، وتواجه حقيقتها العارية. وكأنّ الشاعر يقول، بلغةٍ مواربة: إنّ الإنسان لا يُولد عظيماً، بل يتعثّر نحو عظمته.
تتبدّى الرؤية الفلسفية في ذروتها حين يختزل الشاعر الهزيمة في “الخنوع لصوت اليأس”؛ فاليأس هنا ليس شعوراً عابراً، بل كيانٌ متخفٍّ، كظلٍّ طويلٍ يتسلّل إلى زوايا الروح، يهمس لها بالانسحاب. لكن في مواجهة هذا الكائن الخفي، يشهر الشاعر “سيف العزم”، لا كسلاحٍ مادي، بل كرمزٍ لإرادةٍ تقطع دابر الشكّ، وتعيد للإنسان سيادته على ذاته.
وهكذا، تتحوّل القصيدة إلى طقسِ بعثٍ رمزي: من رماد الانكسار يولد الطموح، ومن بين ركام الألم ينهض الحلم، كطائرٍ أسطوريٍّ لا يتعلّم الطيران إلا حين تحترق أجنحته. إنها دعوة لأن يكون الإنسان معبداً لذاته، ومئذنةً لصوته الداخلي، وجسراً بين ضعفه وقوّته.
في النهاية، لا يقدّم الشاعر إجاباتٍ جاهزة، بل يتركنا معلّقين بين السؤال واليقين، كأنّه يسلّمنا مرآةً ويهمس:
“انظر… هناك، في عمقك، يسكن الجبل… فإمّا أن ترتقيه، أو تظلّ ظلاً عند سفحه.”












