في حَضْرَةِ “العَرّاب” د. ناصِرِ رَمَضان
اِحْتِفاءٌ يَتَّسِعُ حتّى يَضيقَ بِهِ القَوْل… وَيَتَوارى أَمامَهُ البَيان
تَتَعَثَّرُ الأَبْجَدِيَّةُ عِندَ عَتَبَةِ اسْمِهِ، كَطِفْلَةٍ أَبْهَرَها اِتِّساعُ الضَّوْءِ، وَتَلوذُ المَحافِلُ بِصَمْتٍ يُشْبِهُ الاِنْحِناء، إِذْ كَيْفَ تُحيطُ المَنابِرُ بِمَنْ صارَ هُوَ المِنْبَرَ وَالرِّسالَة؟ في حَضْرَتِهِ، لا تُلْقى الكَلِماتُ… بَلْ تُمتَحَن، وَلا تُكْتَبُ الحُروفُ… بَلْ تُولَدُ مِنْ جَديد. هُنا، حَيْثُ لا تَكْفي اللُّغَةُ لِتَقول، وَلا يَسَعُ البَيانُ أَنْ يَكْتَمِل.
أَيُّ اِحْتِفاءٍ هذا، وَنَحْنُ أَمامَ قامَةٍ جَعَلَتْ مِنَ العُمْرِ نَصًّا مَفْتوحًا عَلى الدَّهْشَة؟
لَيْسَ “كِتابُ العَرّاب” مُجَرَّدَ أَثَرٍ يُقْرَأ، بَلْ هُوَ مِرآةُ سِيرَةٍ تُرى فيها المَعاني وَهِيَ تَمْشي عَلى قَدَمَيْن. كِتابٌ يُشْبِهُ صاحِبَهُ: مُتَشَعِّبٌ كَجُذورِ شَجَرَةٍ ضارِبَةٍ في تُرْبَةِ المَعْرِفَة، وَمُضِيءٌ كَغُصْنٍ يَتَّجِهُ دَوْمًا نَحْوَ الشَّمْس. كِتابٌ لا يُخْتَصَر، لِأَنَّهُ اِمْتِدادُ رُوحٍ لَمْ تَعْرِفِ الاِخْتِصار.
عَنْ ماذا نَتَحَدَّث، وَقَدِ اتَّسَعَتِ الحِكايةُ حتّى ضاقَتْ بِها العِبارَة؟
أَنَسْتَعيدُ أَمْسِيَاتِهِ الَّتي كانَتْ تُشْبِهُ اِحْتِفالاتِ الضَّوْءِ، حَيْثُ تَتَعانَقُ الأَرْواحُ قَبْلَ الأَصْوات، وَيَغْدو الحَرْفُ كائِنًا حَيًّا يَمْشي بَيْنَ النّاس؟ تِلْكَ الأَمْسِيّاتُ لَمْ تَكُنْ لِقاءاتٍ أَدَبِيَّة، بَلْ طُقوسَ وِلادَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ لِلمَعْنى، يَخْرُجُ مِنْها الحاضِرُ وَهُوَ يَحْمِلُ نَصَّهُ الدّاخِلِيّ الَّذي لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْكُنُه.
أَمْ نَغوصُ في مَجْموعاتِهِ الشِّعْرِيَّةِ، الَّتي لَمْ تُكْتَبْ بِالحِبْرِ وَحْدَهُ، بَلْ بِنَبْضِ التَّجْرِبَة، وَحَرارَةِ الرُّؤْيا، وَانْزِياحاتِ رُوحٍ تُحَوِّلُ الأَلَمَ إِلى جَمال، وَالوَاقِعَ إِلى مَجاز؟ هُناكَ، يَتَجاوَرُ الفِكْرُ مَعَ الوَجْد، وَتَتَصَافَحُ الفَلْسَفَةُ مَعَ القَلْبِ دونَ أَنْ يُطْفِئَ أَحَدُهُما الآخَر.
وَحِينَ نَقْتَرِبُ مِنْ دَواوينِهِ، لا نُعَدِّدُ عَناوين… بَلْ نَقْرَأُ خَرائِطَ رُوحٍ تَتَشَظّى لِتُضِيءَ:
فَـ «قالَتْ لي أُمّي» لَيْسَتْ هَمْسًا عابِرًا، بَلْ جُذورُ الحَنينِ حِينَ تَتَكَلَّم،
وَ«شُموخ» قامَةُ حَرْفٍ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَقِفُ رَغْمَ الرِّيح،
وَ«لِلْحُبِّ رائِحَةُ الأَرَق» عِطْرُ السَّهَرِ حِينَ يَفيضُ القَلْبُ بِما لا يُقال،
وَ«لَنْ أَنْسَحِب» بَيانُ رُوحٍ تُعانِدُ الاِنْكِسار.
ثُمَّ نَمْضي، فَنَجِدُ «بي حَيْرَةُ الصَّيّاد» حَيْثُ تَتوهُ الرَّغَباتُ بَيْنَ شِباكِها،
وَ«تَرانيمُ الرُّوح» صَلاةَ المَعْنى حِينَ يَعْلو،
وَ«حَديثُ النّار» حِينَ يَتَحَوَّلُ الاِحْتِراقُ إِلى لُغَة،
وَ«طَيْفُكَ بَيْنَ الرَّصاص» حَيْثُ الحُبُّ يَقِفُ في مَرْمى المَوْتِ وَلا يَموت.
وَفي مَرايا الرَّحيل، نَلْمَحُ «مَرايا الرَّحيل» اِنْعِكاسَ الغِيابِ عَلى وُجوهِ الذّاكِرَة،
وَ«مَنافي القَلَق» أَوْطانًا مُؤَقَّتَةً لِلرُّوحِ التّائِهَة،
وَ«أَغْفو في ثِيابِ أَبي» حَيْثُ يَنامُ الزَّمَنُ عَلى كَتِفِ الحَنين،
وَ«قَوْسٌ وَلا قُزَح» مُفارَقَةَ اللَّوْنِ حِينَ يَفْقِدُ دَهْشَتَه.
ثُمَّ تَرْتَفِعُ نَبْرَةُ البَوْح، فَنُصادِفُ «أَنْتِ اِمْرَأَةٌ فَوْقَ العادَة» كَأُنْثى تَتَجاوَزُ التَّعْريف،
وَ«حينَ تَنامُ الفُصول» حَيْثُ يَسْكُنُ الزَّمَنُ وَيَصْحو الشُّعور،
وَ«أَنا أَصْداءُ أُغْنِيَتي» اِرْتِدادَ الذّاتِ في مَراياها،
وَ«لِلْفَجْرِ أُغْنِيَةٌ أَخِيرَة» نِداءَ الضَّوْءِ قَبْلَ اكْتِمالِهِ.
وَفي ذِرْوَةِ التَّماهي، يُعْلِنُ: «أَنا عَرّابُ قافِيَتي»، لا غُرورًا بَلِ اِعْتِرافًا بِمَسْؤوليَّةِ الحَرْف،
ثُمَّ يَهْمِسُ في «في مَديحِ الخَيْبَة» جَمالَ الاِنْكِسارِ حِينَ يُفْهَم،
وَيَنْزِفُ في «نَزيفِ الغُرْبَة» وَجَعَ المَنافي،
وَيَصْمُتُ في «لَمْ يَعُدْ يُغَرِّدُ العُصْفور» حَيْثُ يُصْبِحُ الصَّمْتُ قَصيدَة.
أَمّا «النِّداءُ الأَخير» فَهُوَ صَرْخَةُ المَعْنى حِينَ يَبْلُغُ ذِرْوَتَه،
وَ«نَصْرُ الله» نَشيدُ اِنْتِصارٍ يَتَجاوَزُ الحَدَثَ إِلى الرَّمْز.
هذِهِ لَيْسَتْ دَواوين… بَلْ مَحَطّاتُ رُوحٍ كَتَبَتْ نَفْسَها عَبْرَ الأَزْمِنَة، وَتَرَكَتْ لَنا مَفاتيحَ الدُّخولِ إِلى أَعْماقِها.
ثُمَّ كَيْفَ نُغْفِلُ تِلْكَ المُقَدِّماتِ الَّتي كَتَبَها لِمِئاتِ الدَّواوينِ وَالكُتُب؟ لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ نَصًّا… بَلْ كانَ يُوَلِّدُهُ مَرَّةً أُخْرى، يَضَعُ لَهُ رُوحًا ثانِيَة، وَيَمْنَحُ كاتِبَهُ ثِقَةً تُشْبِهُ النُّور. كانَ يُؤْمِنُ أَنَّ نَجاحَ الآخَر جُزْءٌ مِنِ اكْتِمالِهِ، فَمارَسَ الإِيثارَ المَعْرِفِيَّ كَفِعْلٍ يَوْمِيّ، لا كَشِعار.
وَعِنْدَ تُخُومِ النَّقْدِ، حَيْثُ يُخْتَبَرُ الإِبْداعُ بِوَعْيٍ آخَر، وَقَفْتُ—وَأُشِيرُ هُنا بِوَضوح—عِنْدَ مَحَطّاتٍ ثَلاثٍ، لَمْ أَمُرَّ بِها مُرورًا عابِرًا، بَلْ تَوَقَّفْتُ عِنْدَها تَوَقُّفَ القارِئِ الَّذي يُنْصِتُ إِلى ما وَراءَ النَّصّ:
عِنْدَ «ناصِرُ رَمَضان سَفيرُ الأَدَبِ العَرَبِيّ وَدِبْلوماسيُّ الثَّقافَةِ المِصْرِيَّة» حَيْثُ رَأَيْتُ الإِبْداعَ يَتَحَوَّلُ إِلى رِسالَةٍ تَعْبُرُ الحُدود،
وَعِنْدَ «ناصِرُ رَمَضان تَجْرِبَةٌ شِعْرِيَّةٌ وَرُؤْيَةٌ فِكْرِيَّة» حَيْثُ يَتَعانَقُ الشِّعْرُ مَعَ الفِكْرِ في مِعْمارٍ واحِد،
وَعِنْدَ «أَبْعادُ الخِطاب» حَيْثُ يُفَكَّكُ القَوْلُ لِيُعادَ بِناؤُهُ عَلى أُسُسٍ مِنَ الوَعْيِ العَميق.
وَهُنا أُنَوِّهُ: إِنَّ وُقوفي عِنْدَ هذِهِ الأَعْمالِ لَيْسَ اِكْتِفاءً، بَلْ اِعْتِرافٌ بِأَنَّها مَفاتيحُ لِعالَمٍ أَوْسَع، وَأَنَّ ما لَمْ أَتَوَقَّفْ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِمّا قَرَأْت.
هُوَ السَّنَدُ الَّذي لا يَميل، وَالجِسْرُ الَّذي لا يَنْكَسِر، وَاليَدُ الَّتي تَمْتَدُّ كُلَّما اِنْكَمَشَ الضَّوْءُ في عُيونِ الآخَرين. يُسانِدُ كُلَّ مُحِبٍّ لِلُّغَة، وَيَأْخُذُ بِيَدِ مَنْ تَعَثَّرَ في دُروبِها، كَأَنَّهُ حارِسُ المَعْنى، أَو ناسِكٌ في مِحْرابِ الحَرْف.
أَمّا أَخْلاقِيّاتُهُ، فَلَيْسَتْ صِفاتٍ تُحْصى، بَلْ كَيْنونَةٌ تُعاش: تَواضُعٌ يَخْفي عُلُوَّه، وَحِكْمَةٌ تَجْري كَنَهْرٍ هادِئ، وَصَبْرٌ كَشَجَرَةٍ تُواجِهُ الرِّيحَ دونَ أَنْ تَنْكَسِر، وَنُبْلٌ يَتَّسِعُ لِلجَميع.
وَأَنا، إِذْ أُصِرُّ عَلى مُنادَاتِهِ “دُكْتور”، فَلِأَنَّ العَدالَةَ تَقْتَضي ذلِكَ؛ فَنَحْنُ نَنالُ هذَا اللَّقَبَ بِأُطْروحَةٍ واحِدَة، فَكَيْفَ بِمَنْ أَنْجَزَ ما يُوازي مِئَتَيْنِ وَأَكْثَر مِنَ المَشاريعِ المَعْرِفِيَّة؟ إِنَّهُ “دُكْتور” بِمَعْنى يَتَجاوَزُ الشَّهادات، لِأَنَّهُ عَلَّمَ الحَياةَ كَيْفَ تُدَرِّسُ نَفْسَها، وَعَلَّمَ الحَرْفَ كَيْفَ يَكُونُ رِسالَة.
ختاماً
في حَضْرَتِهِ، يَتَأَدَّبُ الضَّوْء، وَتُعيدُ اللُّغَةُ تَرْتيبَ أَنْفاسِها. سَيَبْقى د. ناصِرُ رَمَضان قَصيدَةً كُبْرى تَمْشي في الزَّمَنِ وَلا تَنْتَهي، وَأَثَرًا لا يُمْحى في ضَميرِ الحَرْف.
وَإِنْ كانَ لِلتّاريخِ ذاكرَةُ إِنْصاف، فَسَيَكْتُبُهُ في هَوامِشِهِ المُضِيئَة:
هُنا مَرَّ رَجُل… فَصارَ المَعْنى أَكْثَرَ نَقاءً، وَصارَتِ اللُّغَةُ أَكْثَرَ حَياة.













