حوار مع الفنانة التشكيلية اللبنانية نينا طاهر
في مسارٍ تتقاطع فيه الذاكرة باللون، وتتجاور فيه التجربة مع الإحساس، تقف الفنانة التشكيلية نينا طاهر بوصفها واحدة من الأصوات البصرية التي اختارت أن تروي العالم من خلال الريشة لا الكلمات. وُلدت في نيجيريا، حيث تشكّلت بدايات علاقتها الأولى مع الرسم كهواية طفولية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مشروع حياة ومسار احترافي بدأ عام 2012، مع تلقيها دروسًا خاصة صقلت موهبتها ودفعتها نحو آفاق أكثر نضجًا ووعيًا.
في 28 أيلول 2018، قدّمت أولى محطاتها المفصلية من خلال معرضها الفردي «امرأة»، الذي ضم ثلاثين لوحة حملت في جوهرها قراءة فنية لدور المرأة، وإيمانًا عميقًا بقدرتها على صناعة التغيير والنهضة الثقافية. ثم جاء معرضها الفردي الثاني في تموز 2022 في غاليري Exode، بالتعاون مع جمعية LB_Awi، تحت عنوان «إيقاع الحياة»، حيث اتسع حضورها الفني ليعكس نبض الروح، ويستحضر الأمل في مواجهة مختلف أشكال الخوف والاضطراب الإنساني.
وإلى جانب تجربتها في المعارض الفردية والجماعية في لبنان وعدد من الدول العربية، امتدّ حضور نينا طاهر إلى فضاء الكلمة، عبر إعدادها أغلفة كتب للأديب ناصر رمضان عبد الحميد، ولأعضاء ملتقى الشعراء العرب الذين تزينت كتبهم بفنها الراقي.
تواصل نينا طاهر بناء عالمها التشكيلي الخاص، حيث تتحول اللوحة إلى خطاب إنساني مفتوح، وإلى مساحة تأمل في الإنسان والحياة.
في هذا الحوار، نقترب من تجربتها الفنية، من جذورها الأولى إلى رؤيتها الجمالية، ومن علاقتها بالمرأة، إلى حضورها بين اللون والكلمة.
حاورتها جميلة بندر
…………………
1- كيف تصفين الرحلة التي نقلتك من موهبة الطفولة في نيجيريا إلى ممارسة الفن التشكيلي بشكل احترافي؟
في مرحلة الطفولة كان يستهويني الرسم بالرصاص، حيث أنقل كل ما أراه على الورق.
كان رسمي بدائيًا بعيدًا عن الاحتراف، لكنه كان شغفًا ومتعة، إذ أمضي ساعات طويلة بين القلم والدفتر.
وبقيت هذه الهواية ترافقني حتى بعد التقدم في العمر والانغماس في مسؤوليات الحياة.
2- ما الذي شكّل نقطة التحوّل الحقيقية في مسارك الفني عام 2012، وجعلك تتجهين نحو الاحتراف؟
انتقلت من نيجيريا إلى لبنان حين كبر أولادي وأصبحوا في الجامعة، وأصبح لدي بعض من وقت الفراغ.
قررت أن هذا هو الوقت المناسب لأنمّي موهبتي.
فحبي للفن كان يرافقني دائمًا، وهو بالنسبة لي ملجأ ومساحة من حرية التعبير.
3- إلى أي مدى ساهمت الدروس الخصوصية في صقل هويتك الفنية وتطوير أسلوبك التشكيلي الخاص؟
ساهمت الدروس الخصوصية في تطوير تقنياتي الفنية، ومنحتني فهمًا أعمق للألوان والتكوين وأساليب التعبير المختلفة، كما ساعدتني على اكتشاف هويتي الفنية الخاصة وصقل أسلوبي التشكيلي بطريقة أكثر وعيًا واحترافية.
4- معرض «امرأة» عام 2018 حمل رؤية واضحة حول تمكين المرأة، كيف وُلدت هذه الفكرة وكيف تم ترجمتها بصريًا؟
معظم لوحاتي تعبّر عن المرأة بما تمثله في مختلف المجالات.
فهي مكوّن أساسي في أي مجتمع، ومع نهوضها تزدهر الحياة.
موضوع المرأة كان دائمًا يلوح في مخيلتي، وأحببت أن أرسمها في جميع حالاتها، ومن هنا تكوّنت فكرة معرض «امرأة».
وقد لاقى المعرض تفاعلًا جميلًا من الحضور.
5- ما الرسائل الأساسية التي أردتِ إيصالها من خلال لوحات معرضك الأول، وهل لاقت التفاعل الذي كنتِ تتوقعينه؟
أردت من خلال معرضي الأول أن أُبرز قوة المرأة وحضورها الإنساني ودورها في بناء المجتمع والحياة، وأن أعبّر عن مشاعرها المختلفة بكل ما تحمله من حب وألم وأمل.
وقد أسعدني كثيرًا التفاعل الذي لمسته من الحضور، لأنني شعرت أن الرسالة وصلت بصدق وإحساس.
6- كيف اختلفت رؤيتك الفنية بين معرض «امرأة» ومعرض «إيقاع الحياة» عام 2022؟
الفكرة في أي لوحة تنبع من إحساس الفنان وتفاعله مع المجتمع والحياة بحد ذاتها بكل مكوناتها.
إن في خلق الله ما يثير الدهشة، ومنه أستوحي مواضيع رسمي.
وكما أن كل إنسان يتطور في مجال عمله، كذلك الفنان يجب أن يطور أسلوبه ويستمع إلى مشاعره التي تقوده إلى آفاق فكرية مختلفة.
7- عنوان «إيقاع الحياة» يوحي بحركة داخلية عميقة، ما الفلسفة التي تقف خلف هذا العنوان؟
«إيقاع الحياة» يمثل كل ما تنبض فيه الروح، وكل ما ينبض به القلب.
هو تعبير عن موسيقى صامتة، وكأنك في كل لوحة تنتقل من عالم إلى آخر، فيه الموسيقى، وفيه الرقص، والحب، والحزن، والفرح.
إنه إحساسي الذي أنقله للمتلقي.
8- كيف تعكس لوحاتك الصراع الإنساني بين الأمل والخوف في أعمالك الأخيرة؟
أحاول دائمًا أن أعكس في لوحاتي المشاعر الإنسانية المتناقضة التي يعيشها الإنسان، فهناك دائمًا مساحة للأمل حتى وسط الخوف والحزن.
وأؤمن أن الفن قادر على التعبير عن هذه الصراعات الداخلية بطريقة تصل إلى روح المتلقي دون كلمات.
9- كيف أثّر تنقلك بين أكثر من بيئة ثقافية، بدءًا من نيجيريا وصولًا إلى لبنان والعالم العربي، على رؤيتك التشكيلية؟
لا شك أن إقامتي في نيجيريا أثرت بي كثيرًا، كما أن تنقلي بين دول عربية وأجنبية ترك أثرًا كبيرًا في نفسي.
لذا يرى المتلقي لفني مختلف الهويات التي انطبعت في فكري وذاكرتي، فهي تظهر بوضوح من خلال لوحاتي.
10- مشاركتك في إعداد أغلفة كتب للأديب ناصر رمضان عبد الحميد، كيف تنظرين إلى العلاقة بين النص الشعري واللوحة البصرية؟
كان من دواعي سروري وشرف لي أن تزين لوحاتي أغلفة كتب الأديب القدير ناصر رمضان عبد الحميد.
وللحقيقة، دائمًا وأبدًا تندمج الكلمة مع الصورة، فبينهما تشابك عميق في كل زمن.
11- إلى أي مدى تجدين أن العمل على غلاف كتاب يفرض تحديات مختلفة عن العمل التشكيلي الحر داخل المعرض؟
العمل على غلاف كتاب يختلف عن اللوحة الحرة، لأن الفنان هنا يكون أمام مسؤولية ترجمة روح النص ومضمونه بصريًا، مع الحفاظ على رؤيته الفنية الخاصة.
وهذا يشكل تحديًا جميلًا يدفعني إلى البحث والتأمل أكثر في العلاقة بين الصورة والكلمة.
12- ما هي المدرسة أو الاتجاه الفني الذي تجدين نفسك أقرب إليه، أم أنك تميلين إلى تشكيل بصمتك الخاصة بعيدًا عن التصنيفات؟
لقد تنقلت بين مدارس مختلفة في الرسم، ولكن في كل المدارس كان التعبير هويتي.
وفي الفترة الأخيرة أميل كثيرًا إلى التعبيري التجريدي، لكن بأسلوبي الخاص جدًا.
13- كيف ترين مستقبل تجربتك الفنية؟ وما المشروع أو الحلم الذي ما زال يشغلك في المرحلة المقبلة؟
صراحةً أنا لا أضع هدفًا محددًا لنفسي، أنا أرسم لكي أعبّر.
وأكيد أن الحلم والأمل يرافقان الإنسان دائمًا، وأنا سأبقى أسير في هذا الاتجاه ولن أتوقف عن التعبير بالفن.
وأبني ذلك على آمال وأحلام كثيرة، أهمها أن تلمس لوحاتي إحساس من يشاهدها، فهذا يشجعني على أن أعطي المزيد وأتطور دائمًا.
14- كيف تنظرين إلى دور الملتقيات الشعرية في المشهد الثقافي، ولا سيما ملتقى الشعراء العرب الذي يرأسه الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد وأنتِ عضو فيه، وإلى أي مدى ينعكس حضور الشعر وتفاعلك مع هذا الفضاء الأدبي في تشكيل رؤيتك وتجربتك التشكيلية؟
ملتقى الشعراء العرب، الذي يرأسه الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد، هو من أهم الملتقيات التي تفاعلت معها.
فالكلمة والصورة، كما قلت سابقًا، لا يفترقان أبدًا.
ومن خلاله تعرفت إلى قائمة من المثقفين المرموقين وتعاونت معهم.
وهو ملتقى ناشط ومثابر، ودائمًا يقدم كل ما هو جديد ومفيد لكل الطبقات الاجتماعية.
أود أن أتقدم بجزيل الشكر لملتقى الشعراء العرب ومجلة «أزهار الحرف» والصديق العزيز ناصر رمضان عبد الحميد، على ما قدمه ويقدمه للملتقى والمجلة.
…………….…..………..
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار













