شتلة التبغ
كانت تجلس كل صباح قرب شتلة التبغ الصغيرة، كما لو أنها تزور صديقة قديمة لا يراها سواها. تهاديها بنظراتٍ حانية، وتُمرّر أصابعها على أوراقها الخضراء برفقٍ بالغ، كأنها تتحسس نبضًا خفيًا يسكن العروق. كانت تعرف كل انثناءة في ساقها، وكل نتوءٍ صغير على أوراقها، حتى بدا الأمر كما لو أنها تحفظ سرًا لا يُقال إلا للتراب.
عاشت وحدها في بيتٍ طيني عند أطراف القرية، لا يؤنسها سوى صمت الحقول. منذ رحيل أمها، ثم أخيها الذي ابتلعته المدينة ولم يعد، صار الحزن يبيت في صدرها كضيفٍ ثقيل لا يعرف الرحيل. لم تجد ما تؤنس به وحدتها سوى تلك الشتلة التي غرستها بيديها ذات مساء، حين شعرت أن العالم يضيق حتى صار بحجم نافذة مغلقة.
كانت تحدثها بصوتٍ خفيض، لا يسمعه أحد:
“لو كبرتِ، سأدخن همّي معكِ، فيتلاشى كما يتلاشى الدخان في الهواء. ولو ذبلتِ، سأدفنكِ في صدري، حتى لا تموتي وحدكِ.”
كبرت الشتلة قليلًا، وكبرت معها أحلامها الصغيرة. صارت تسقيها من ماءٍ تدّخره بشق الأنفس، وتحميها من شمس الصيف اللاهبة، حتى غدت بالنسبة إليها أكثر من نبتة؛ كانت المعنى الأخير الذي يربطها بالحياة.
لكن القرية تغيّرت.
جاء الرجال ذات صباح، يحملون أوراقًا مختومة وآلاتٍ صاخبة. قالوا إن الأرض ستُنتزع لبناء مصنعٍ كبير، وإن الخير قادم، والعمل قادم، والمستقبل قادم.
كان بينهم رجلٌ يبتسم كثيرًا. لم تكن له أنياب ولا مخالب، لكنه كان يحمل فأسًا باردة واسمًا ثقيلًا يردده الجميع: “الضرورة”.
اقترب من الشتلة، نظر إليها بلا اكتراث، ثم اقتلعها من جذورها بضربة واحدة.
قال وهو يمسح يديه: “الأرض هذه ليست للهو. هنا سنبني مصنعًا.”
وقفت المرأة أمام التراب المبعثر.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
لم تطلب الرحمة.
فقط انحنت ببطء، ومدّت يدها المرتجفة، والتقطت ورقةً صغيرة بقيت عالقةً بالطين. نظرت إليها طويلًا، كما لو أنها تودّع وجهًا تحبه، ثم وضعتها بين شفتيها ومضغتها في صمت.
في الأيام التالية، تغيّر كل شيء.
ارتفعت جدران المصنع مكان الحقل، وصار الدخان يعلو من المداخن بدلًا من غناء العصافير. أما هي، فصارت تمشي مثقلةً بسعالٍ حاد، وتجلس وحدها أمام بيتها، تحدق في الفراغ كأنها تنتظر شيئًا لن يعود.
كان أهل القرية يمرّون بها ويهزون رؤوسهم بأسى:
“مسكينة… يبدو أنها مريضة.”
لكن أحدًا لم يعرف الحقيقة.
لم تكن رئتاها تحترقان من المرض.
بل من الغياب.
من حلمٍ صغير اقتُلع من جذوره.
ومن شيءٍ لم يُبنَ أبدًا، رغم كل ما قيل عن المستقبل.












