كان الغياب معلّمًا قاسيًا، لكنه أتقن مهمته بإخلاص. وحين أجاد الغياب تشكيل فراغي، أتقنتُ أنا الاعتزال.
لم يعد الصمت صمتًا؛ صار ثرثرةً من نوع آخر، ولم يعد النبل فضيلةً تمنح صاحبه أجنحة، بل غدا قفصًا يضيّق عليه المدى.
قالت ذلك وهي تقشّر هسيس عواطفها الميتة بهدوءٍ يثير الدهشة، كأن الألم استنفد كل ما فيه من قدرة على الوجع.
كانت تؤمن أن الأحزان لا تسقط مع مرور الزمن، بل تتحول إلى جلدٍ ميت، لا بد من تقشيره في اللحظة التي تبلغ فيها ذروة الألم أقصى درجاتها، بالتزامن مع ذلك الخدر الغريب الذي يسبق الشفاء، حين نتأرجح بين اللامكان واللازمان، فلا ننتمي إلى شيء سوى أنفسنا.
ثم نظرت إليّ وقالت:
— هنا… في هذه اللحظة بالذات، نستطيع أن نلوّح بأيدينا لمن يغادرنا، وباليد نفسها نستقبل الفرح القادم إلينا.
صمتُ قليلًا، ثم أضفت بصوت أكثر هدوءًا:
— هذا المخاض الروحي، يا صديقتي، قد يترك في أرواحنا ندبةً لا تزول، لكننا نستطيع أن نعتزل هذا القاع الحزين عندما نكتشف أن الندوب ليست دائمًا علامة هزيمة، بل قد تكون الدليل الأصدق على أننا نجونا من سادية الحزن.
ابتسمت مريم ابتسامةً شاحبة، وقالت:
— أتدري يا غياث؟ الأشخاص الذين يمتلكون شجاعة التخلي هم أكثر الناس استحقاقًا لأنفسهم. إنهم لا يرون في العزلة هزيمة، بل انكشافًا للحقيقة؛ لذلك لا تخيفهم الوحدة، لأنها تمنحهم بصيرةً لا يمنحها ضجيج القرب المبالغ فيه.
أجبتها وأنا أتأمل ارتجاف عينيها:
— أرأيتِ كم يبدو الشفاء قريبًا؟ إنه قرار، ليس أكثر. خوضي معركتك حتى النهاية، لكن لا تتشبثي بشيء سوى نفسك. ليكن انتصارك الحقيقي على المرأة المكسورة التي تسكن داخلك.
تنهدت طويلًا وقالت:
— ربما يبدو الأمر سهلًا حين يُقال، لكنه ليس كذلك حين يُعاش. فعندما تدق ساعة الصفر، لا يجوز أن نبقى في المكان نفسه، وإلا احترقت أرواحنا، وصارت الذكريات رمادًا. عندها فقط ندرك أن علينا أن نأخذ مسافة الأمان قبل أن نصبح نحن الهشيم.
أطرقت برأسها، ثم قالت وكأنها تحدث نفسها:
— كنت أظن، وأنا أمشي في حقول الزهور، أن الحياة ستبقى ملوّنة مثل أزهار الحب التي زرعناها معًا عبر السنين. لم يخطر ببالي يومًا أن موجة صقيعٍ مفاجئة تستطيع أن تحرق كل ذلك الجمال في ليلة واحدة.
رفعت رأسها نحوي وسألت:
— هل جرّبت يومًا أن يحرقك الصقيع؟
ابتسمت ابتسامةً خافتة، وأجبت:
— نعم… احترقت. وجرّبت الكيَّ البارد لجراحي مراتٍ كثيرة، لذلك ترينني اليوم أكثر هدوءًا وصلابةً واتزانًا.
تنهدت مريم طويلًا، ثم قالت بصوتٍ أثقله الحنين:
— آه يا غياث… لا أدري كم أحتاج من الوقت حتى أستعيد اتزاني. فالذكريات لا تزال تؤرجحني بين ضفتين؛ تارةً تسرق مني ابتسامةً عابرة، وتارةً تفيض المآقي بدموعٍ لا تعرف التوقف. أشعر وكأنني أقف في تلك المسافة الفاصلة بين الموت والولادة، في مخاضٍ روحيٍّ يموت فيه شيءٌ عزيز داخلي، ليولد مكانه شيءٌ آخر لا أعرفه بعد.
سكتت لحظة، ثم أضافت وهي تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها:
— يقولون إن الإنسان يولد من جديد بروحٍ أكثر صفاءً، وقلبٍ أشد صلابة، لكنني ما زلت عالقة في منتصف الطريق. لذلك أرجوك… لا تلمني، فما زالت روحي تخوض معركتها الأخيرة.
ابتسم غياث ابتسامةً هادئة، وقال:
— أنا لا ألومك يا مريم، ولن أفعل. لكن الحياة لا تتوقف احترامًا لأوجاعنا، ولا تنتظر حتى نفرغ من أحزاننا. قد تكون قاسية، لكنها لا تكافئ الاستسلام.
ثم نظر إليها بعينين امتلأتا يقينًا، وأردف:
— أنتِ امرأة جميلة، رقيقة، وموهوبة، ولا يليق بك أن تتساقطي كما تتساقط أوراق الخريف. لطالما رأيتك، وما زلت، ربيعًا متجددًا، يخفي ألوانه مؤقتًا خلف غيمةٍ سخية، ثم لا يلبث أن يطل مزهرًا حين يهطل عليه غيث الحياة.
اقترب منها قليلًا، وقال بصوتٍ خافت:
— لا تسمحي لهذا الصقيع أن يبلغ جذورك. انهضي من جديد، وازرعي في قلبك موسمًا آخر من الحياة. أنا مؤمن بأنك قادرة على ذلك… وسأظل أنتظر اليوم الذي أراك فيه مزهرةً كما كنتِ دائمًا.
ثم لفَّ الصمتُ المكان، ودخلتُ في غيبوبة المخاض، أسترجع فصول الحكاية من تلك البداية التي رُسِمت على طريق الغياب، يوم ودَّعني وحمل معه قلبي المذهول مما جرى. كيف يمكن، في لحظة واحدة، أن يتحول شخصٌ عادي إلى شقيق روح، دون سابق إنذار؟
كيف تسافر الروح مع شقيقتها دون وداع، ثم تستكين إلى غربتها، وتنتمي إليها أكثر من انتمائها إلى التراب الذي أسموه وطنًا؟ ولم يدركوا أن الوطن هو المكان الذي تسكن فيه روحك وتستريح.
هكذا كانت الرحلة معه؛ شاقةً لشقائه، وجميلةً لأن روحي لم تفارقه لحظة. بقيت إلى جانبه في كل شعورٍ شعر به، وفي كل خذلان، وفي كل وجع. كنت أحاول جاهدة أن أخفف عنه وطأة الخذلان، لكن خذلانه لي بالرحيل كتب أول سطور البداية، لأعيش هذه القصة… قصتنا، التي خطَّها القدر على طريق الغياب، ليكون الحضور ولادةً من نوع آخر.
كيف يُخلق الإنسان مرتين؟ مرةً حين تلده أمه، ومرةً حين يلده الحب، ويموت حين يموت الحب.
نعم، وُلدتُ يوم عاد. وُلدت داخلي امرأة من نوع آخر؛ امرأة معجونة بالحب والحنان. كنت له الحبيبة، والأم، والصديقة، والأخت. أحطته بكل تلك المشاعر منذ أول عناق جمعنا بعد غيابٍ كاد أن يكون بلا رجعة.
لم أكن أدري أن الله يؤجل لنا لقاء القرين الروحي إلى حين، لنشعر أن العالم كله يختصر في وجهه. كنت أفتقد معنى الانتماء، لكن برجوعه شعرت أنني أنتمي إليه.
لم أنتمِ إلى شيء يومًا. منذ طفولتي كانت الغربة تسكنني. حتى بين أفراد عائلتي كنت أشعر أنني غريبة، وكذلك بين أصدقاء الدراسة والجامعة. ثم رأيته، فكان يراودني دائمًا شعور بأنه من أهلي، حتى قبل أن تتحول مشاعري إلى هذا الحب العظيم. ظننته ككل الناس، حتى دخلت عالمه، فإذا بي أرى فيه وطنًا من البشر.
بدأت الحكاية، وما أجمل البدايات. كانت الأيام لا تشبه ما سبقها، ولم تكن تشبه ما سيأتي بعدها من ألم.
كنا نزرع الليلك في كل تفصيل يجمعنا. كانت ابتساماتنا تسبقنا لتحتضن بعضها بعضًا قبل أن تلتقي الأيادي. كان لي وطن، وكنت له الملجأ. ولم أدرك حينها أن الملاجئ قد نغادرها يومًا، أما الأوطان فتسكننا، حتى وإن لم نسكنها.
لم أدرِ أن هذا الرجل، الذي رسمت ملامحه امرأتان بتناقضهما وخذلانهما له، سأكون أنا انتقامه الأخير… أو ربما لن أكون الأخير.
جمعنا الحب بكل ما أوتي من صدق وقوة. كنت أمامه كتابًا مفتوحًا، وكان أمامي كذلك. كنت أدرك ما يجول بخاطره قبل أن ينطق به، ولعلني فهمته أكثر مما فهم نفسه.
كيف لرجل يحمل كل هذا الحنان أن يكون قاسيًا إلى هذا الحد؟ غريبٌ هو الإنسان بتناقضاته.
كنت أصغي إلى كل قصصه بإمعان، دون أن أعلم أنني سأكون يومًا إحدى تلك القصص.
في الحقيقة، حين ندخل عالم الحب بإرادتنا الكاملة، فإننا نستحق أن نتلقى أقسى الدروس. فمن يسلّم قلبه ومشاعره كلها لإنسان آخر، بكل هذه السذاجة، لا بد أن يدفع الثمن. وكان الدرس قاسيًا… أقسى من أن يلقنه معلم عادي.
لكن ما بعده لم يكن كما قبله. ليس لأنه حدث استثنائي، بل لأن ما بعد الأربعين تتبدل فيه المفاهيم. لا تعود ترى قصتك شيئًا استثنائيًا بعد الفراق، بل تنظر إليها بعمق أكبر، وتنظر إلى نفسك من زاوية أبعد، فتراها بوضوح أكثر.
لست أدري إن كان ما أكتبه يعني أحدًا، لكنه فصل من فصول الحياة التي يمر بها كل منا. ليس استثنائيًا إلى هذا الحد، وليس عاديًا أيضًا.
الحب في خريف العمر ضربٌ من ضروب الجنون… الجنون الناضج. ففي الوقت الذي يتساقط فيه كل شيء، تجد نفسك تزهر من جديد.
عانقته كما لم أعانق أحدًا من قبل. كنت أنتمي إلى كل ذرة في جلده. كان يشبهني إلى الحد الذي جعلني أظن أننا شخص واحد… هكذا كنت أظن.
لكن الحقيقة أن لا أحد يشبهك سواك.
كان آدم رجلًا يملك من اللطف ما لا يملكه غيره، وابتسامةً ملائكية تخفي وراءها الكثير من الندوب والخداع.
ذلك الخداع هو ما جعلني أتخذ قرارًا بألا أستمر في كتابة هذه الحكاية. فهو، في الحقيقة، لا يستحق أكثر من ثلاثة أحرف، تُكتب بحبرٍ من ضباب، يتبدد مع إشراقة شمسي.
شمسي أنا… مريم، بنت الله، بنت النور.
أما أنت… فلا تستحق إلا العبارة التي سأختم بها كل شيء:
(أنت… وَهْم.)
تغريد عزام – سوريا













