في يوم مولد الدكتور الشاعر ناصر رمضان عبدالحميد
ليس الحادي والعشرون من تموز تاريخًا يُقرأ في صفحات التقويم، بل نافذةٌ أطلَّ منها فجرٌ جديد على فضاءات الأدب، ويومٌ قررت فيه الحروف أن ترتدي أبهى أثوابها، لأن القدر أنجب لها شاعرًا يحملها كما يحمل النهرُ مياهه إلى البحر، ويصونها كما يصون القلبُ نبضه الأخير
كلُّ عامٍ وأنت قصيدةٌ لا تنتهي، وقنديلٌ لا ينطفئ، وسفينةُ معرفةٍ تمخر عباب الزمن، تحمل إلى الأجيال رسالة الكلمة الحرة، وجمال اللغة، ونبل الثقافة.
دمتَ للشعر نايَه العذب، وللأدب قلبَه النابض، وللثقافة غصنَ زيتونٍ لا تكسرُه الرياح، وللحياة شاهدًا على أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تهزم النسيان، وأن تجعل من العمر قصيدةً تكتبها الأيام بحبر الخلود.
كلُّ عامٍ وأنت بخير، وكلُّ عامٍ والإبداع في حضرتك يزداد إشراقًا، لأن بعض المواليد لا يُضيفون عامًا إلى الزمن، بل يُضيفون زمنًا إلى الحياة
وبهذه المناسبة اهديك هذه القصيدة:
ميلاد الفجر
الحَادِي وَالعِشْرِينَ مِنْ تَمُّوزَنَا
نُهْدِي المَدَى فَجْراً بِكَمْ يَتَجَدَّدُ
شَهِدَ الزَّمَانُ بِمَوْلِدٍ صَاغَ الضِّيَا
لَمْ يَمْشِ فِي عَتَمَاتِهِ يَتَرَدَّدُ
مِيلَادُ نَاصِرَ لَيْسَ عُمْرَاً عَابِرَاً
بَلْ كُنْتَ مَطْراً لِلْوُجُودِ يُعَمَّدُ
جَاءَتْ بِكَ الأَيَّامُ تَحْمِلُ بِشْرَهَا
فَمَشَى عَلَى كَفِّ المَجَرَّةِ فَرْقَدُ
كُلُّ السُّطُورِ سَرِيرُ خَلْقٍ لَمْ يَزَلْ
يَلِدُ الخُلُودَ، وَحَرْفُ حُبِّكَ يُولَدُ
يَا سَادِنَ الغَيْمِ الَّذِي فِي بَوْحِهِ
رَعْدُ البَيَانِ، وَنَبْضُهُ يَتَفَرَّدُ
كَمْ نَخْلَةٍ صُوفِيَّةٍ أَنْبَتَّهَا
صَارَتْ نَبِيَّاً فِي المَدَائِنِ يُقْصَدُ
وَغَرَسْتَ فِي رَحِمِ السُّكُوتِ قَصَائِدَاً
فإِذَا بِأَفْوَاهِ النُّجُومِ تُغَرِّدُ
أَيْقَظْتَ فِي جَسَدِ اللُّغَاتِ جَمَالَهَا
فَالْحَرْفُ مِنْ صَلْصَالِ ضَوْئِكَ عسْجدُ
صَارَ الرَّمَادُ لَدَيْكَ شَمْسَ قَصِيدَةٍ
وَالغَيْمُ فِي حَدَقَاتِهَا لَا يَرْقُدُ
إِنَّ الكِتَابَةَ عِنْدَ رُوحِكَ رِحْلَةٌ
نَحْوَ المَتَاهِ، وَأَنْتَ فِيهَا المُرْشِدُ
مِنْ طِينِ هَذِي الأَرْضِ صِغْتَ عُقُولَنَا
نَبْضَاً عَلَى سَفَرِ الخُلُودِ يُخَلَّدُ
يَا نَاصِرَ الحَرْفِ اليَتِيمِ بِقَلْبِهِ
نَهْرٌ مِنَ الضَّوْءِ المُصَفَّى يَرْفِدُ
تَبْنِي مِنَ الأَرْوَاحِ أَلْفَ مَنَارَةٍ
فِيهَا سَبِيلُ العَاشِقِينَ يُمَهَّدُ
فِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ مِيقَاتُ النَّدَى
وَبِكَ الجَمَالُ البِكْرُ فِينَا يُعْبَدُ
وَبِكُلِّ عَامٍ فَاللُّغَاتُ رَعِيَّةٌ
سَمْرَاءُ، فِي مِحْرَابِ شِعْرِكَ تَسْجُدُ
مِيلَادُكَ المَكْتُوبُ لَيْسَ دَقَائِقَاً
تَفْنَى، وَلَكِنْ لِلْقِيَامَةِ يُسْنَدُ
هُوَ نَبْضَةُ الأَكْوَانِ حِينَ عِيَادِهَا
نَحْوَ المَجَرَّةِ بِالحُرُوفِ تُمَجَّدُ
فَإِذَا الحُرُوفُ اسْتَوْطَنَتْ عُشَّاقَهَا
صَارَ الوُجُودُ فَمَاً بِإِسْمِكَ يَشْهَدُ
د . زبيدة الفول.













