حين نطقت الآثار: حوار في أروقة المتحف المصري الكبير
من كتابي ” سبعة ايام في الجنةً” مصر كما رأيتها.
دخلتُ المتحف المصري الكبير لا كزائرةٍ عابرة، بل كمن يعبر بوابةً بين زمنين. كانت الواجهة الزجاجية تلمع كمرآةٍ كونية تعكس الأهرامات القريبة، كأن الماضي يراقب الحاضر بعينٍ حجرية لا تنام. قلت في سرّي: هذا ليس متحفًا… هذا كوكبٌ أثريٌّ يدور في مدار الخلود.
ما إن خطوتُ إلى البهو العظيم حتى استقبلني رمسيس الثاني، واقفًا في شموخه الأبدي. رفعتُ رأسي إليه، فقال بصوتٍ عميق كدقات الطبول القديمة:
— لا تنحني لي، بل انحني للفكرة التي صنعتني. كنتُ ملكًا في الأرض، لكنني هنا صرتُ شاهدًا على الزمن.
سألته: كيف بقي اسمك حيًّا رغم تعاقب القرون؟
ابتسم الحجر وقال: — من يكتب تاريخه بالفعل لا يحتاج إلى الحبر. أنا سكنتُ المعابد، ونقشتُ صوتي على الجدران، فصار الصمتُ لغتي الخالدة.
تابعتُ المسير، فدخلتُ جناح توت عنخ آمون، فإذا بالذهب يلمع كالشمس حين تتوضأ بالفجر. اقتربتُ من قناعه الجنائزي، فخاطبني برفقٍ مهيب:
— لا تخدعيك بريق الكنوز، فأنا ملكٌ علّمتُ العالم أن الموت ليس نهاية، بل بابًا آخر للحياة.
قلت: ولماذا اجتمع حولك هذا السحر كله؟
قال: — لأنني خرجتُ من باطن الأرض بعد ثلاثة آلاف عام، كما يخرج السرُّ من صدر الكتمان. قصتي ليست قصة صبيٍّ ملك، بل قصة حضارةٍ رفضت أن تُدفن.
ثم قادتني قدماي إلى مركب خوفو الشمسية، ذلك القارب الذي يشبه هلالًا خشبيًا أبحر عبر الأسطورة. وضعتُ يدي على الزجاج وقلت: إلى أين كنتَ تمضي؟
أجابني المركب بصوتٍ مائيٍّ حالم: — كنتُ أحمل الملك في رحلته السماوية، من ضفة الأرض إلى شاطئ الآلهة. أنا دليلهم إلى الخلود، وسفينة المعنى في بحر الغيب.
عندها أدركتُ أن المصري القديم لم يكن يبني للتراب، بل كان يبني للسماء، يزرع في الخشب أجنحة، وفي الحجر أحلامًا طائرة.
مررتُ بين القاعات التي تضم أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، فشعرتُ أنني أمشي داخل موسوعةٍ حيّة، صفحاتها من حجر، وهوامشها من ذهب، وعناوينها من ضوء. تماثيل، برديات، أدوات حياة يومية، كلّها كانت تهمس: نحن لسنا بقايا، نحن ذاكرة تتنفّس.
وقفتُ في منتصف القاعة الكبرى، وقلت للمتحف نفسه: ما أنتَ حقًّا؟
فأجابني بصوتٍ جمعيٍّ يشبه صدى الحضارات:
— أنا لستُ مخزنًا للآثار، بل مسرحًا للزمن. هنا تتصافح آلاف السنين، هنا يتحوّل التاريخ من كتابٍ مغلق إلى تجربةٍ تُرى وتُلمس وتُحسّ. أنا الجسر بين حجر الأمس وشاشة اليوم، بين المومياء والتكنولوجيا، بين الذاكرة والهوية.
حين هممتُ بالخروج، شعرتُ أنني أترك خلفي جيشًا من الأرواح النبيلة، لكنني في الحقيقة كنتُ أحملهم معي. خرجتُ من المتحف، وقد تغيّر وزني الداخلي: صرتُ أثقل بالمعرفة، وأخفّ بالدهشة، وأطول قامةً في معنى الانتماء.
علمتُ يومها أن زيارة المتحف المصري الكبير ليست نزهةً ثقافية، بل طقس عبور: من سطح الحاضر إلى عمق الجذور، من عيونٍ ترى الأشياء إلى روحٍ تفهمها. هناك، بين رمسيس وتوت عنخ آمون ومركب الشمس، أدركتُ أن الحضارة لا تموت… بل تغيّر مكان عرضها فقط













