“عبد الناصر في مرآة الرمز الثوري”
دراسة نقدية تحليلية لقصيدة:
“تحت صورة عبد الناصر” للشاعر معين بسيسو
بقلم : د. زبيدة الفول.
————————————————-
– قصيدة ” تحت صورة عبد الناصر.”
شعر : معين بسيسو
هى ذى مصر …
طفل من “بولاق” …
محمول فوق الأعناق …
يرفع “صورتك” ، ولا يعرف أين يسير
والحرية …
تتحسس بأصابعها المرتعشة …
أوراق جواز السفر ، وأوراق الجنسيه …
كنت جواز السفر ، وكنت لها الجنسيه …
والكرسى الشاغر يا عبد الناصر …
هذا الجرح الفاغر …
فمه ،
أكبر من كل ضمادهْ …
أصبح فى حجم الهرم الأكبر …
يلتف عليه نهر النيل ،
كتنين أخضر …
***
هى ذى مصر …
تسأل عن مصر ؟…
لكن مصر …
ستفتح ثانية من مصر …
وستنهض … ، وستشهر فى يدها ،
نهر النيل “كسيف” …
وتقود الصف …
فهنالك فى “عابدين” ،
وفى “شبرا الخيمة” … ، يا عبد الناصر …
يقرأ أحد العمال ،
على ضوء مصابيح الشارع ،
“أوراق الميثاق” …
ويغمغم : كم كان صديقى …
وهنالك جندى فى الجبهه ؛
كتب على خوذته الفولاذية …
سيناء طريقى …
للقدس وللمرتفعات السوريه …
وهنالك من طائرة “الهليكوبتر” …
يلقى عبد الناصر ، منشورات الثوره …
فوق “القاهرة” و”غزة” …
فوق “دمشق” وفوق “الخرطوم” …
فوق “طرابلس” …
وفوق خنادق كل الثوار …
يلقى الأعلام ، ويلقى الأزهار …
والكرسى الشاغر ..
يا عبد الناصر ..
يحرسه “أسدان” ..
أسد من قرية “كفر بهوت” ..
وأسد من “أسوان” ..
يحرسه “أسدان” ..
يحرسه “أسدان” ..
مقدمة
حين يغيب العظماء لا يغيبون، بل يتحولون إلى نجومٍ معلّقةٍ في سقف الذاكرة، وإلى أنهارٍ خفيةٍ تجري في تضاريس الوجدان الجمعي. ومن بين تلك القامات التي تجاوزت حدود الجسد إلى رحابة الأسطورة، ينهض جمال عبد الناصر بوصفه رمزاً تاريخياً وفكرةً متجددةً أكثر منه شخصاً عابراً في سجل الأيام. وفي قصيدة “تحت صورة عبد الناصر” لا يقف الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أمام صورة جامدة، بل أمام مرآةٍ تعكس أحلام أمةٍ بكاملها، فتتحول الصورة إلى وطن، والذكرى إلى راية، والغياب إلى حضورٍ أكثر كثافةً من الوجود ذاته.
إن القصيدة ليست رثاءً تقليدياً لزعيم راحل، بل هي ملحمة وجدانية تنسج من الحنين ناراً، ومن الخسارة أملاً، ومن الموت ولادةً جديدة. لذلك تتشابك فيها الرؤى الفلسفية مع الرموز الثورية، وتتماهى الذات الفردية مع الوعي الجمعي حتى يصبح عبد الناصر كنايةً عن الحلم العربي المهدد، وعن الإرادة التي ترفض الانكسار مهما تكاثفت عليها العواصف.
⸻
أولاً: البنية الموضوعية للقصيدة
تنقسم القصيدة إلى محورين رئيسين:
1- محور الحزن على الغياب
يبدأ الشاعر بتصوير الفراغ الذي خلّفه رحيل عبد الناصر، حيث تظهر مصر وكأنها تبحث عن ذاتها بعد فقدان قائدها. ويتجسد هذا الإحساس في صورة:
“والكرسي الشاغر يا عبد الناصر”
فالكرسي هنا ليس قطعة أثاث، بل رمز للقيادة التاريخية والسلطة الكاريزمية التي يصعب تعويضها.
2- محور استمرارية المشروع الثوري
لا يستسلم الشاعر للبكاء، بل ينتقل من الرثاء إلى التبشير، مؤكداً أن مصر ستنهض من جديد:
“لكن مصر
ستفتح ثانية من مصر”
وهي عبارة تحمل دلالة فلسفية عميقة، إذ يجعل الشاعر مصر قادرة على إعادة خلق نفسها من داخل ذاتها، كطائر الفينيق الذي ينهض من رماده.
⸻
ثانياً: صورة عبد الناصر في القصيدة
لا يظهر عبد الناصر بوصفه فرداً تاريخياً، بل بوصفه رمزاً متعدد الأبعاد.
أ- عبد الناصر رمز الحرية
يقول الشاعر:
“كنت جواز السفر، وكنت لها الجنسية”
هنا تتحول الحرية إلى إنسان يبحث عن أوراق هويته، بينما يصبح عبد الناصر نفسه هوية الأمة وشرعيتها السياسية.
إنها استعارة بالغة الكثافة، تجعل الزعيم تجسيداً لمعنى التحرر العربي.
ب- عبد الناصر رمز الوحدة العربية
تنتشر روحه في القاهرة وغزة ودمشق والخرطوم وطرابلس.
وهذا الامتداد الجغرافي يعكس رؤية الشاعر لعبد الناصر باعتباره مشروعاً قومياً عابراً للحدود السياسية.
ج- عبد الناصر رمز الثورة المستمرة
حتى بعد رحيله:
“يلقى عبد الناصر منشورات الثورة”
فالشاعر يلغى حدود الزمن، ويجعل الزعيم فاعلاً في الحاضر رغم موته، وكأن الفكرة أقوى من الجسد.
⸻
ثالثاً: الرموز والدلالات الفنية
1- رمز الطفل
“طفل من بولاق محمول فوق الأعناق”
الطفل يرمز إلى المستقبل وإلى البراءة الشعبية التي لا تدرك كل أبعاد السياسة، لكنها تدرك بالفطرة قيمة الرمز الذي تحمله.
2- رمز الكرسي الشاغر
يُعد من أقوى رموز القصيدة.
فالكرسي هنا:
* رمز القيادة.
* رمز الفراغ السياسي.
* رمز الحلم المهدد.
وقد ضخّمه الشاعر حتى صار:
“أكبر من كل ضمادة”
ليتحول الجرح إلى أزمة أمة بأكملها.
3- رمز النيل
“يلتف عليه نهر النيل كتنين أخضر”
النيل هنا ليس نهراً فقط، بل قوة تاريخية حارسة للهوية المصرية.
أما التنين الأخضر فيمثل طاقة الحياة والخلود والحماية.
4- رمز الأسدين
“يحرسه أسدان”
الأسدان يرمزان إلى الشعب المصري.
الأول من الريف (كفر بهوت)، والثاني من الجنوب (أسوان)، في إشارة إلى وحدة الجغرافيا المصرية حول إرث عبد الناصر.
⸻
رابعاً: الصور الفنية
تزخر القصيدة بصور شعرية نابضة بالحركة.
1- التشخيص
من أجمل الأمثلة:
“والحرية تتحسس بأصابعها المرتعشة”
فالحرية تتحول إلى امرأة حية تبحث عن هويتها.
2- الاستعارة
“نهر النيل كسيف”
استعارة تجعل النهر أداة مقاومة وكفاح.
3- الصورة الحركية
“يلقى الأعلام ويلقى الأزهار”
تمنح المشهد طاقة بصرية وحيوية كبيرة.
4- الصورة الأسطورية
“كتنين أخضر”
وهي صورة ترفع المشهد من الواقع السياسي إلى أفق الأسطورة.
⸻
خامساً: اللغة والأسلوب
اعتمد معين بسيسو لغة تجمع بين:
اللغة الثورية
من خلال مفردات:
* الثورة
* الجبهة
* القدس
* سيناء
* الثوار
اللغة العاطفية
في النداء المتكرر:
“يا عبد الناصر”
وهو نداء يفيض بالحنين والألم.
اللغة الرمزية
إذ لا تُقال الأفكار مباشرة، بل عبر شبكة من الرموز والاستعارات.
⸻
سادساً: الموسيقى الشعرية
رغم أن القصيدة من شعر التفعيلة، فإنها تمتلك إيقاعاً داخلياً قوياً يعتمد على:
التكرار
مثل:
“يحرسه أسدان
يحرسه أسدان”
وهو تكرار يعزز الشعور بالثبات والاستمرار.
اللازمة الشعرية
“يا عبد الناصر”
التي تعمل كنبض عاطفي متكرر داخل النص.
الجمل القصيرة
التي تمنح القصيدة إيقاعاً خطابياً قريباً من الهتاف الجماهيري.
⸻
سابعاً: الرؤية الفكرية في القصيدة
تكشف القصيدة عن عدة أفكار مركزية:
1. القائد الحقيقي لا يموت برحيل جسده.
2. الشعوب هي الحارس الفعلي للمشروعات الوطنية.
3. الوحدة العربية حلم قابل للاستمرار رغم الانتكاسات.
4. الثورة فكرة تتجدد عبر الأجيال.
5. مصر قادرة على النهوض من أزماتها التاريخية.
ومن هنا يتحول النص من رثاء إلى فعل مقاومة ضد اليأس.
⸻
ثامناً: القيمة الفنية للقصيدة
تنبع أهمية القصيدة من:
* قدرتها على تحويل الحدث السياسي إلى تجربة شعرية.
* توظيفها المكثف للرمز.
* الجمع بين البعد القومي والبعد الإنساني.
* المزج بين الرثاء والأمل.
* بناء صورة أسطورية لعبد الناصر دون الوقوع في المباشرة الخطابية المفرطة.
ولهذا تُعد من أبرز القصائد العربية التي كُتبت في استحضار شخصية عبد الناصر بعد رحيله.
⸻
خاتمة
في هذه القصيدة يقف معين بسيسو عند عتبة الغياب، لكنه لا يطرق باب الموت، بل يفتح نافذةً على الخلود. فعبد الناصر لا يظهر فيها جثماناً وارته الأرض، بل شجرةً ما زالت جذورها تضرب في أعماق التاريخ، وكلما ظنّ الناس أن أوراقها ذبلت أزهرت في مواسم الذاكرة من جديد. لقد حوّل الشاعر الصورة المعلّقة على الجدار إلى شمسٍ معلّقة في سماء الأمة، وحوّل الكرسي الشاغر إلى سؤالٍ وجوديٍّ عن معنى القيادة والحرية والمصير.
وهكذا تغدو القصيدة أكثر من مرثية؛ إنها نشيدٌ لفكرةٍ قاومت الفناء، وأسطورةٌ شعريةٌ تتعانق فيها مصر بالنيل، والثورة بالإنسان، والذكرى بالمستقبل. وإذا كان الزمن يطوي أسماءً كثيرة في دفاتره الصفراء، فإن بعض الشخصيات تتحول إلى رموزٍ تتجاوز أعمارها، فتسكن الوعي الجمعي كما يسكن الضوء قلب الفجر، ويبقى عبد الناصر في رؤية بسيسو علامةً على أن الأحلام الكبرى قد تتعثر، لكنها لا تموت.













