الأسطورة الثورية وتجليات البطل الكوني
الرئيس جمال عبدالناصر
في قصيدة “القادم عند الفجر” لـمحمد الفيتوري
بقلم الدكتورة زبيدة الفول.
—————————————-
القادم عند الفجر
الشاعر محمد الفتيوري
الآن وأنت مسجى
أنت العاصفة، الرؤيا، التاريخ، الأوسمة، الرايات
الآن وأنت تنام عميقًا
تسكن فى جنبيك الثورة
ترتدّ الخطوات
تعود الخيل مطأطئة من رحلتها
مغرورقة النظرات
الآن يقيم الموت سرادقه العالى
يتدفق كالأمطار على كل الساحات
الآن يكون الحزن عليك عظيمًا
والمأساة تدوس على جثث الكلمات
الآن وهم يبكون
كأن ملايين الأرحام
ولدتك
وأنك عشت ملايين الأعوام
وكأن اسم البطل المنحوت على حجر الأهرام اسمك
وكأن يد العربى الأول
تشعل كل مآذن مكة فى ليل الصحراء – يدك
وكأنك أنت تقاتل تحت لواء محمد فى مجد الإسلام
وليلة أن سقطت خيبر
قبّلت جبين علىّ مبتسمًا
ورحلت غريبًا تحملك الأيام
لتبصر ظلّ جوادك عبر موانئ بحر الروم
وتبنى أهرامات أُميّة فوق جبال الشام
أيدى الفقراء على ناقوس الثورة
والفقراء
غرباء ومصلوبين
زحموا الباب العالى ومشوا فوق البسط الحمراء
وخديو مصر يطأطئ هامته بعد الخُيلاء
أو أنت عرابى الواقف تحت الراية
ذو الصوت الآمر
أو أنت الثورة يا عبد الناصر
أو أنت الثورة والشعب الثائر
دع لى بعض الزهرات أعلقهن على صدرك
دع لى بعض اللحظات
يا من يتضاءل مجد الموت لدى عتبات عُلاه
يا من يتجسّد – وهو شموخ – فى قلب المأساة
يا عطر الأيام الحُبلى بعذابات التكوين
يا من هو كل المظلومين وكل المهمومين
إنى أصغى لصدى خطواتك فى أرض فلسطين
أو أنت القادم عند الفجر إلى أرض فلسطين
عليك سلام الله
عليك سلام الله.
⸻
مقدمة
في هذا النصّ الشعري تتفتّح اللغة كجرحٍ ضوئيٍّ على خاصرة التاريخ، وتنهض الكلمات كخيولٍ من رمادٍ تقتحم مرايا الزمن بحثًا عن بطلٍ يتجاوز حدوده البشرية ليغدو “أسطورة تمشي على قدمين”. إن القصيدة ليست مجرد رثاء، بل هي إعادة خلقٍ للرمز، حيث يتداخل الموت بالحياة، والحلم بالفعل، والتاريخ بالنبوة الثورية.
هنا لا يُكتب عبد الناصر بوصفه قائدًا سياسيًا فقط، بل يُستعاد ككائنٍ كونيٍّ تتقاطع عنده الأسطورة بالواقع، وتتشابك فيه أجنحة الثورة مع أقدام الأرض. تتكاثف الصور حتى تبدو اللغة نفسها وكأنها تنهض من تحت الرماد، تخلع عن الحزن حدوده، وتعيد صياغة الفقد بوصفه ميلادًا آخر في جسد الأمة. إننا أمام نصٍّ تتقاطع فيه الرؤيا الصوفية بالخطاب السياسي، وتتماهى فيه الأسطورة مع التاريخ حتى يصعب الفصل بين ما هو رمزي وما هو واقعي.
⸻
أولاً: البنية الدلالية وتحوّل البطل إلى كائن أسطوري
يقوم النص على تحويل شخصية البطل (عبد الناصر) من مجرد قائد تاريخي إلى “كون شعري شامل”:
* “أنت العاصفة، الرؤيا، التاريخ، الأوسمة، الرايات”
هنا تتكاثر الصفات حتى تفقد حدودها المنطقية، فيحدث ما يسميه النقد الحديث بـ الانزياح الدلالي؛ إذ لا يعود البطل إنسانًا، بل يصبح منظومة رمزية شاملة تختزن التاريخ والذاكرة والهوية.
إن الفيتوري لا يصف، بل “يؤلّه الصورة شعريًا” دون أن يسقط في التقديس المباشر، بل عبر تضخيم الاستعارة حتى تتحول الذات إلى فضاء أسطوري مفتوح.
⸻
ثانياً: صورة الموت والتحول من الفناء إلى الخلود
يتحوّل الموت في القصيدة من نهاية بيولوجية إلى مسرح للخلود الرمزي:
* “الآن يقيم الموت سرادقه العالي”
* “يتدفق كالأمطار على كل الساحات”
الموت هنا ليس انطفاءً بل طقس احتفالي كوني، وكأن الفقد نفسه يتحول إلى ولادة جماعية. إنها مفارقة شعرية تجعل من الموت بابًا آخر للحياة، وتحوّل الحزن إلى طاقة كونية تتسع للعالم كله.
⸻
ثالثاً: التناص التاريخي والديني في بناء الأسطورة
يستدعي النص طبقات من التاريخ العربي والإسلامي:
* خيبر
* علي بن أبي طالب
* الإسلام المبكر
* أجواء الفتوحات
هذا التناص لا يأتي بوصفه تزيينًا ثقافيًا، بل كآلية لإعادة تركيب البطل داخل سلسلة من الرموز الكبرى، بحيث يصبح امتدادًا للأنبياء والمقاتلين والرموز المؤسسة للوعي العربي.
إنه بناء أسطوري يجعل عبد الناصر جزءًا من “السردية المقدسة للتاريخ العربي”.
⸻
رابعاً: الصورة الشعرية والانزياح البصري
تتأسس القصيدة على كثافة تصويرية عالية تقوم على:
* التشخيص: “الموت يقيم سرادقه”
* التشبيه الكوني: “كأن ملايين الأرحام ولدتك”
* التضخيم الأسطوري: “عشت ملايين الأعوام”
هذه الصور تخرج عن حدود الواقعية لتدخل في فضاء الخيال الكلي حيث تتداخل الأزمنة، وتنهار الحدود بين الماضي والحاضر والمستقبل.
⸻
خامساً: البنية الإيقاعية والخطاب التكراري
يتكرر في النص لازمة “الآن وأنت…”، وهو تكرار يؤدي وظيفة إيقاعية ودلالية معًا:
* يخلق إيقاعًا إنشاديًا شبيهًا بالتراتيل
* يعزز فكرة “الحضور المستمر للبطل حتى في غيابه”
* يحول القصيدة إلى خطاب جماعي لا فردي
إنه إيقاع يشبه “النداء الجماعي” الذي يذيب الفرد في الجماعة، والبطل في الأمة.
⸻
سادساً: البعد الأيديولوجي والرؤية القومية
القصيدة تحمل رؤية قومية واضحة، تجعل من البطل:
* رمزًا للتحرر
* صوتًا للفقراء
* امتدادًا للثورة العربية
لكنها لا تبقى في حدود السياسة، بل ترتفع إلى مستوى الميتافيزيقا الثورية، حيث تتحول الثورة إلى قدر كوني، لا مجرد حدث تاريخي.
⸻
خاتمة
في نهاية هذا النص تتلاشى الحدود بين الأرض والسماء، بين الجسد والأسطورة، بين الموت والبعث، وكأن القصيدة نفسها تتحول إلى “فجرٍ لغويٍّ” يولد من بين شقوق الحزن. إن البطل هنا لا يموت، بل يتشظى في الذاكرة ليصير شظايا نورٍ تسكن وجوه الفقراء، ووهجًا يتسلل إلى خرائط الأرض المقهورة.
إنها قصيدة لا ترثي بقدر ما تعيد خلق العالم من رماد الرمز، حيث تتفتح اللغة كأجنحة طائرٍ أسطوريٍّ يحلّق فوق أنقاض التاريخ، ويكتب على جبين الليل وعدًا أبديًا بأن الفجر ليس زمنًا… بل هو فكرة تولد كلما انكسر الظلام.
هكذا يغدو النص مرآةً كونيةً تتقاطع فيها الدموع مع الرايات، والدم مع الحلم، والإنسان مع الأسطورة، ليبقى الصوت الأخير معلقًا في فضاء الوجود:
“عليك سلام الله… عليك سلام الله.”













