«جمال عبد الناصر في مرآة الرمز القومي والبطولة التاريخية:
دراسة نقدية تحليلية لمرثية الشاعر الهادي آدم
بقلم الدكتورة زبيدة الفول.
——————————-
اغداً القاك
مرثية للرئيس جمال عبدالناصر
للشاعر الهادي آدم ( السودان)
أكذا تفارقنا بغير وداع
يا قبلة الأبصــار والأسمــاعِ
ماد الوجــود وزلـزلت أركانـه
لما نعاك إلى العــروبة نــاعِ
مـاذا عسى شعـرى وخطبك آخذ
بالقلب أم مـاذا يخـط يراعـى
يا صاحب الوجـه النبيـل وحامل
الخطب الجليـل، وقمــة الإبداع
يا من تخيـرك الإلـــه لأمــة
محفـوفــة بالغَــدر والأطماع
كم أصبحت هــدفاً لصـــولة
غاصب ومباءة لمَــذلة وضـياعِ
مازلت تنهضــها بكف معالــج
ذى خبــرة بمــواطن الأوجاعِ
حتى نفخت الـروح فى أوصـالها
وأقمت واهـى صرحها المتداعى
وأمطت أقنعـة اللئام وزيفهـــم
حتـى بـدوا فينـا بغيـر قنـاعِ
زنت السياسـة إذا حملت لواءهـا
وجلوتهـا من ريبــة وخـداعِ
فغدوت مثل الأنبيــاء كـرامـةً
أو كالمــلائك فى سمـو طبـاعِ
الشـرق لم يَكُ للضـريع بحاجـة
لكنـه فـى حاجـــة لشجـاعِ
يغـرى المزاعـم بالبيان إذا سعى
بالدس فـى أرض العـروبة ساعِ
وكذاك كـنت شجــاعة وأصـالة
وبيان وضـاح الأســـرة واعِ
أكــذا تفارقنــا بغيــر وداعِ
يا منيـة الأبصــار والأسمـاعِ
أكذا تفارقنا و “سينــا” لم تـزل
تجتاح بيــن ثعـالب وسبــاعِ
وشواهق “الجـولان” عند مكابـر
متزايــد الآمـال والأطمــاعِ
“والقـدس” فى أيدى اللئام “تشبثوا”
منها بأشـرف تربـــة وبقـاعِ
وبنو فلسطين الشهــيدة أعـين
تدمـى القلـوب بصرخة الملتاعِ
أزمعت عنا يا جمـال مكــرمـاً
فينا ولكـن لات حيــن زمـاعِ
يا ليلة من شهر يوليــو أسقطت
عــرش الممـالك من أجل يفاعِ
كانت مع القدر الشـريف بموعـد
وافته بيـن الخَبِّ والإيضــاعِ
والدرب حولك بالمخاطـر حافـل
لم تخش مـن شـوك به وأفاعى
فإذا بمصــر مع الشعـوب طليقة
مزهوة الفلــوات والأصقــاعِ
وإذا بفـلاح التـــــراب مملك
فى كل شبـــر عنـده وذراعِ
حررتــه مـن ذلـه وإســاره
ونزعته من قبضــة الإقطــاعِ
وإذا مياه الســد تغمــر أرضه
فتحيلهــا ورديــة الإينـاعِ
وإذا بروحك وهو عــزم ثائـر
يسرى بروح شبابـه الأيفــاعِ
وإذا فلسطيـن الحبيبــة قلعــة
للثـأر بيـن جحـافل وقــلاعِ
وإذا بهذا الشــرق بعد همــوده
عرفات جبار ومهـد صـــراعِ
قسمــاً بوجهـك لن نعيش وبيننا
متسلـط بالـدس والإيقـــاعِ
وبمنطـق الجبـروت نأخـذ حقنا
قسـراً وليس بمنطــق الإقنـاعِ
إنا كمـــا علمتنــا وأردتنــا
لن نستكيــن لواقـع الأوضـاعِ
أكـذا تفـارقنـا بغيــــر وداعِ
يا زينة الأبصـــار والأسمـاعِ
غفـرانك اللهــم لست مصــدقاً
ولـدىَّ للشـك المـريب دواعى
لكنه الإنسـان يؤثــر ضـعفـه
حيناً ويجبـن أن يصـيخ لـداعِ
أجمـال إنك إن رحـلت مفارقـاً
ودعـاك للعليــاء أكــرم داعِ
فلأنت مـن أرواحنــا وقلــوبنا
مهما استطال العهــد قيـد ذراعِ
كلمات قلبك سـوف تبقـى دائمـاً
فى كل قلب مصــدر الإشعـاعِ
لا يستــرد بغيـر قـوة ساعـدٍ
حق أضــيع بقـوة وصــراعِ
يا فخــر هذا الشـرق يا ملاحَه
وزعيــم نهضـته بغيـر نزاعِ
يا من بكفك صغتــه وصنعتــه
أكـرم بكـف للشعـوب صـناعِ
نم فى جوار الله وانعــم عنــده
بكريـم مصطحب وحسن متـاعِ
خـرجت لك الجنـات تكـرم وافدا
والأرض قد خـرجت ليـوم وداعِ
—————————-
مقدمة
حين يرحل العظماء لا تغيب أجسادهم فحسب، بل ترتجف خرائط الروح، وتضطرب بوصلة التاريخ، ويشعر الزمن كأن أحد أعمدته قد انكسر. ومن هذا الأفق المفعم بالحزن والأسطورة تنبثق مرثية الشاعر السوداني الهادي آدم للرئيس جمال عبد الناصر، لا بوصفها بكائية تقليدية، بل بوصفها ملحمة وجدانية تتداخل فيها حرارة العاطفة مع وهج العقيدة القومية، ويتحول فيها الرثاء إلى خطاب حضاري يستدعي الحلم العربي الجريح.
فالقصيدة ليست وقوفاً عند ضريح رجل، بل وقوف عند ضريح مرحلة كاملة من التاريخ العربي؛ مرحلة كانت فيها الأمة تتطلع إلى الشمس عبر نافذة اسمها جمال عبد الناصر. لذلك تتجاوز لغة الشاعر حدود الحزن المباشر لتغدو لغة رمزية، تتشابك فيها الاستعارة مع الرؤيا، والكناية مع الفلسفة، حتى يبدو الراحل نجماً انطفأ في السماء بينما بقي ضوؤه يجوب الفضاء.
إن المرثية هنا تتحول إلى مرآة تعكس صورة القائد كما استقرت في الوجدان الجمعي العربي: بطلاً، ومخلّصاً، ومجدداً، وصانعاً للتاريخ. ومن ثم فإن قراءة هذه القصيدة تتيح الكشف عن ملامح شخصية عبد الناصر وصفاته كما رسمها الشاعر، وعن الوسائل الفنية التي جعلت من الرثاء وثيقة شعرية تنبض بروح العصر.
⸻
أولاً: صورة جمال عبد الناصر بوصفه قائداً استثنائياً
يرسم الهادي آدم صورة عبد الناصر باعتباره شخصية فريدة اصطفاها القدر لقيادة الأمة العربية، فيقول:
“يا من تخيرك الإله لأمة
محفوفة بالغدر والأطماع”
يعتمد الشاعر هنا على صورة ذات بعد ديني رمزي، إذ يجعل عبد الناصر أشبه برسالة تاريخية أُرسلت لإنقاذ الأمة. ولا يقصد بذلك النبوة بالمعنى العقائدي، وإنما يوظف الرمز ليبرز عظمة الدور الذي قام به.
وتكشف هذه الصورة عن صفات عدة:
* الشعور بالمسؤولية التاريخية.
* القيادة الكاريزمية.
* القدرة على حمل هموم الأمة.
* الإيمان برسالة التحرر والوحدة.
⸻
ثانياً: عبد الناصر طبيب الأمة العربية
من أجمل الصور الفنية في القصيدة قول الشاعر:
“مازلت تنهضها بكف معالج
ذي خبرة بمواطن الأوجاع”
هنا تتحول الأمة العربية إلى جسد مريض، ويتحول عبد الناصر إلى طبيب ماهر يعرف مواضع الألم.
وهي استعارة كبرى تحمل دلالات عميقة:
* البصيرة السياسية.
* القدرة على تشخيص الأزمات.
* الحكمة في معالجة مشكلات المجتمع.
* الوعي العميق بأسباب التخلف والاستعمار.
فالشاعر لا يراه مجرد حاكم، بل مصلحاً حضارياً حاول إعادة بناء الجسد العربي المنهك.
⸻
ثالثاً: صورة الزعيم الثوري
ترتبط شخصية عبد الناصر في القصيدة بالثورة والتحرر ارتباطاً عضوياً، ويتجلى ذلك في حديث الشاعر عن ثورة يوليو:
“يا ليلة من شهر يوليو أسقطت
عرش الممالك من أجل يفاع”
فالزعيم هنا ليس فرداً، بل قوة تاريخية قادرة على تغيير البنى الاجتماعية والسياسية.
ومن الصفات التي يبرزها النص:
* الجرأة الثورية.
* مقاومة الظلم.
* الانحياز للفقراء.
* السعي إلى العدالة الاجتماعية.
ويظهر ذلك بوضوح في قوله:
“حررته من ذله وإساره
ونزعته من قبضة الإقطاع”
إذ يحتفي الشاعر بإصلاحات عبد الناصر الاجتماعية التي أعادت للفلاح كرامته وحقوقه.
⸻
رابعاً: عبد الناصر نموذج النزاهة السياسية
يقول الشاعر:
“زنت السياسة إذا حملت لواءها
وجلوتها من ريبة وخداع”
هنا يمنح الشاعر السياسة صفات إنسانية عبر التشخيص، وكأنها امرأة استعادت زينتها ونقاءها بوجود عبد الناصر.
وتكشف هذه الصورة عن:
* النزاهة.
* الصدق.
* الشفافية.
* الإخلاص للمبادئ.
فالزعيم في نظر الشاعر لم يمارس السياسة بوصفها فن المراوغة، بل بوصفها رسالة أخلاقية.
⸻
خامساً: البطولة والشجاعة
يبرز الشاعر شجاعة عبد الناصر في أكثر من موضع:
“والدرب حولك بالمخاطر حافل
لم تخش من شوك به وأفاعي”
فالأشواك والأفاعي هنا رموز للأعداء والمؤامرات والمخاطر.
وتتجلى صفاته في:
* الجرأة.
* الثبات.
* الإقدام.
* عدم الخوف من التحديات.
ولذلك يصبح في المخيال الشعري بطلاً ملحمياً يخوض المعارك دفاعاً عن أمته.
⸻
سادساً: البعد القومي في شخصية عبد الناصر
لا يقدم الشاعر عبد الناصر زعيماً مصرياً فحسب، بل زعيماً عربياً شاملاً.
ويتجلى ذلك من خلال استحضار:
* سيناء.
* الجولان.
* القدس.
* فلسطين.
إذ يقول:
“والقدس في أيدي اللئام تشبثوا
منها بأشرف تربة وبقاع”
ويكشف هذا الحضور المكثف للقضايا العربية عن صفات:
* الانتماء القومي.
* الإحساس بوحدة المصير.
* الدفاع عن قضايا الأمة.
* الإيمان بالتحرر العربي الشامل.
فعبد الناصر يظهر بوصفه الضمير الجمعي للعرب جميعاً.
⸻
سابعاً: صورة القائد الملهم
يرى الشاعر أن تأثير عبد الناصر لا ينتهي بموته، بل يستمر في وجدان الأجيال:
“كلمات قلبك سوف تبقى دائماً
في كل قلب مصدر الإشعاع”
ويعتمد هنا على رمز الضوء والإشعاع للدلالة على:
* الخلود المعنوي.
* التأثير الفكري.
* استمرار المشروع القومي.
* قدرة الأفكار على تجاوز حدود الزمن.
إن الموت الجسدي في القصيدة لا يعني النهاية، بل بداية حضور رمزي أكثر اتساعاً.
⸻
ثامناً: الخصائص الفنية للقصيدة
1- صدق العاطفة
جاءت القصيدة مشبعة بحرارة وجدانية عالية، إذ يبدو الشاعر مأخوذاً بصدمة الفقد، ويتكرر الاستفهام:
“أكذا تفارقنا بغير وداع؟”
ليعبر عن الذهول وعدم التصديق.
2- الصور البلاغية
تزخر القصيدة بالاستعارات والتشخيصات:
* الأمة جسد مريض.
* السياسة امرأة تتزين.
* الكلمات إشعاع.
* الوطن كائن حي ينهض ويتألم.
مما يمنح النص حيوية فنية كبيرة.
3- التكرار
يتكرر النداء والاستفهام:
“أكذا تفارقنا بغير وداع”
ليؤكد عمق الحزن ويمنح القصيدة إيقاعاً جنائزياً مؤثراً.
4- الرمزية
تحضر رموز عديدة مثل:
* الأشواك والأفاعي: الأعداء والمؤامرات.
* الإشعاع: خلود الفكر.
* الطبيب: المصلح والمنقذ.
* الضوء: الأمل والنهضة.
5- اللغة
تميزت اللغة بالفخامة والجزالة، وانتمت إلى المعجم القومي والثوري، مما جعلها ملائمة لمقام الرثاء ولعظمة الشخصية المرثية.
⸻
خاتمة
في هذه المرثية لا يبكي الهادي آدم رجلاً رحل، بل يبكي زمناً كان يظنه العرب قادراً على إعادة تشكيل العالم. فعبد الناصر في القصيدة ليس اسماً في سجل الرؤساء، بل شجرة وارفة جذورها في التراب العربي وأغصانها معلقة بين الحلم والتاريخ. لقد غاب الجسد، لكن الشاعر يرى أن الروح ما زالت ترفرف فوق المرافئ العربية، تضيء دروب المناضلين كقنديل لا تنطفئ زيوته.
ومن خلال شبكة واسعة من الصور الفنية والرموز والاستعارات والكنايات، نجح الهادي آدم في تشييد نصب شعري يخلد صورة عبد الناصر قائداً شجاعاً، ومصلحاً اجتماعياً، ورمزاً قومياً، وصاحب مشروع نهضوي تجاوز حدود المكان والزمان. وهكذا تتحول القصيدة إلى وثيقة وجدانية وفكرية تكشف كيف استطاع جمال عبد الناصر أن يغادر الحياة، لكنه لم يغادر الذاكرة العربية، فبقي ـ كما أراده الشاعر ـ إشعاعاً ممتداً في ليل الأمة، ونجمةً كلما غابت عن الأفق عادت لتولد في ضمير التاريخ.













