أن ترسم يعني أن تعيد ترتيب الفوضى التي تتركها الحياة في أعماقنا، وعندما تكون الفنانة في الأصل أستاذة رياضيات، فإن المعادلة تأخذ بعداً آخر، ويصبح الفن عندها هندسة للروح وإعادة صياغة للوجود بلغة الألوان والظلال. تلك هي حكاية الفنانة التشكيلية المبدعة سميرة ميلادي، السيدة التي أثبتت أن العقل المنطقي الصارم ينسجم مع الحس المرهف البديع، ويسانده ليخلق توازناً بصرياً ووجدانياً نادراً.
لسنوات طويلة، تعاملت الأستاذة سميرة ميلادي مع لغة الأرقام والمنطق بحكم مهنتها كأستاذة للرياضيات، وهو مجال يعتمد على الدقة المتناهية. وفي عمق ذاتها، كان هناك شلال من المشاعر والأحاسيس البصرية ينتظر لحظة التدفق. لقد وجدت في الفن ملاذاً آمناً وبلسماً سحرياً يساعدها على حذف كل متاعب الحياة اليومية ومشاغلها، حيث تذوب قسوة الروتين بمجرد ملامسة الفرشاة لسطح اللوحة. ولأنها تمتلك عقلية منظمة تؤمن بالمنهجية، فقد اتخذت قراراً شجاعاً وخطوات عملية لدخول عالم الفنون الجميلة من بابه الأكاديمي الواسع، وقررت تعلم الفن التشكيلي على أصوله؛ فخصصت يوماً كاملاً في الأسبوع للتعلم الصارم، واكتساب التقنيات الاحترافية، ومطاردة المهارات البصرية لتطوير أدواتها الفنية، مما جعل تجربتها تنضج بسرعة مذهلة وتتحول إلى لغة فنية ناضجة ومستقلة.
عند تأمل لوحات الفنانة سميرة ميلادي، يتضح لنا هذا المزيج الفريد بين المنطق والشغف؛ ففي لوحة البوابة الزرقاء والأنثى، نلمح حساً دراماتيكياً لطيفاً، حيث يمثل الباب التونسي العتيق ذو الزرقة الطاغية الرمزية الثقافية والهوية الأصيلة، بينما تقف الفتاة بفستانها الزهري كرمز للرقة والانفتاح. استخدام ضربات الفرشاة السميكية على جدران الباب يمنح اللوحة بعداً حسياً ملموساً، يعكس رغبة الفنانة في توثيق الزمن وجعله حياً نابضاً باللمس والرؤية معاً. وفي لوحة المرأة التي تقود دراجة محملة بالزهور، ولوحة باقة الورد التجريدية، نرى انفجاراً لونياً مبهجاً بألوان دافئة، غنية، ومتداخلة بجرأة وعفوية، تعبر عن الرغبة في الانطلاق الشديد والتحرر من الأعباء. أما في لوحة المعمار والصومعة ذات الطابع التراثي البني والذهبي، فيبرز تخصصها في الرياضيات بوضوح ولكن بلغة فنية دافئة، حيث تظهر الأبعاد والنسب بدقة عالية مع استخدام رائع للملامس الخشنة التي تعطي انطباعاً بقدم الجدران وتاريخيتها. إنها شخصية تجمع بين الرصانة والدفء، تملك انضباطاً داخلياً عالياً يظهر في تنظيم تكوين اللوحات، وفي ذات الوقت تملك قلباً يفيض بالشاعرية والحنين والرقة يظهر في اختيار الألوان وتصوير النساء والزهور.
هذا الإصرار الشغوف والارتقاء التقني المستمر حظي بتقدير دولي وعربي يليق بموهبتها، وتوجت خطواتها العملية بحدث فني بارز؛ فقد تم اختيار أعمال الفنانة سميرة ميلادي من قِبل لجنة الفنون بالعاصمة البلجيكية بروكسل، وبتزكية وإشراف متميز من أستاذتها ومعلمتها الفنانة التشكيلية القديرة سناء هيشري، لتكون لوحاتها ضيفة شرف متألقة ومحورية في كتاب فني أدبي ضخم صدر تحت عنوان “عروق الزمن”. يمثل هذا الاختيار اعترافاً حقيقياً بعمق تجربتها، حيث تلتحم في هذا المؤلف الفنون البصرية بالكلمة المكتوبة لتوثيق نبض الإبداع، ولتثبت سميرة ميلادي أن ريشتها باتت قادرة على حفر اسمها في ذاكرة الفن التشكيلي المعاصر بجدارة واقتدار. إنها تجربة ملهمة تؤكد أن الوقت متاح دائماً لمطاردة الشغف، وأن العقل المحب للمنطق والرياضيات قادر على عزف أجمل الألحان البصرية لمن يمتلك الإرادة والجرأة على البدء، لترسم سميرة ميلادي لنفسها مساراً مضيئاً يعبر بها فوق متاعب الحياة نحو خلود “عروق الزمن”.













