للأحلام عمرٌ آخر…..
بقلم الاستاذة لمياء عويد
نشيخ في العشرين… وتزهر أحلامنا في الستين.
قد تبدو هذه العبارة متناقضة، لكنها تختصر رحلة الإنسان مع ذاته. ففي بدايات العمر، نحمل أحلامًا كبيرة وقلوبًا مفعمة بالشغف، لكننا نصطدم سريعًا بواقعٍ لا يرحم، فنظن أن الطريق قد انتهى قبل أن يبدأ، وأن ما عجزنا عن تحقيقه في شبابنا قد صار من الماضي.
غير أن الأحلام لا تعرف هذا المنطق.
إنها لا تموت لأنها تأخرت، ولا تنطفئ لأن الزمن مضى. إنها تشبه البذور التي تستقر طويلًا في أعماق الأرض، لا يراها أحد، لكنها تواصل استعدادها للحياة. قد تمر عليها فصول من الجفاف، وتغطيها طبقات من التعب والخيبة، إلا أنها تظل تحتفظ بسرها؛ انتظار اللحظة المناسبة لتشق طريقها نحو الضوء.
كم حلمًا دفناه بأيدينا لأننا صدقنا أن العمر قد سبقنا؟ وكم أمنية تركناها على رفوف الانتظار، معتقدين أن الوقت لم يعد يتسع لها؟ بينما كانت، في الحقيقة، تنمو بصمت داخلنا، تتغذى من تجاربنا، ومن انكساراتنا، ومن كل مرة نهضنا فيها بعد سقوط.
ثم يحدث ما لم يكن في الحسبان.
نستيقظ يومًا لنجد أن ما ظننّاه رمادًا كان يخفي جمرة حياة، وأن الأحلام لم تغادرنا يومًا، بل كانت تنتظر أن ننضج نحن. فليست كل الأزهار تتفتح في الربيع، وليست كل الأحلام خُلقت لتولد في مقتبل العمر. بعضها يحتاج إلى سنوات من الصبر، وإلى قلب أكثر حكمة، وروح تعرف قيمة الوصول بعد طول انتظار.
لهذا نرى من يبدؤون أجمل فصول حياتهم في الخمسين أو الستين، لا لأن الزمن عاد إلى الوراء، بل لأنهم أدركوا أخيرًا أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، وإنما بقدرة الإنسان على أن يحلم من جديد.
للأحلام عمرٌ آخر… عمر لا تحدده عقارب الساعة، ولا تكتبه تواريخ الميلاد. عمر يبدأ في اللحظة التي نؤمن فيها أن ما تأخر لم يضع، وأن ما زال يسكن القلب يستحق أن يرى النور.
فلا تخافوا من مرور العمر، بل خافوا من أن تغادر أحلامكم قبل أن تمنحوها فرصتها الأخيرة. فبعض الأحلام لا تتأخر… إنها فقط تختار أن تزهر في موسمها الذي يليق بها.













