ثورة يوليو 1952: ميلاد الكرامة واستعادة الوطن
في ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة، لا بد من التذكير بجملةٍ من الحقائق التاريخية التي ينبغي للجيل الحاضر أن يعرفها، بعيدًا عن المبالغات أو محاولات طمس السياق الذي سبق قيام الثورة.
لم يكن للعمال والفلاحين تمثيلٌ حقيقي يدافع عن حقوقهم، كما كان مجلس النواب يكاد يقتصر على طبقة الأثرياء. وكان من يرغب في الترشح لعضوية المجلس ملزمًا بدفع مبلغ تأمين قدره (150) جنيهًا مصريًا لا يُسترد في حال عدم الفوز، وهو مبلغ كان يعادل قيمة نحو ثلاثمائة فدان من الأرض الزراعية، ولم يكن في مقدور تحمله إلا كبار الملاك والأثرياء.
كان التعليم في معظمه حكرًا على أبناء الطبقات الميسورة، باستثناء التعليم الأزهري الذي ظل مفتوحًا أمام أبناء الفقراء. ففي عام 1933 اقترح أحد أعضاء البرلمان زيادة ميزانية التعليم لإتاحة الفرصة لأبناء الفلاحين للتعلم، غير أن الشاعر عزيز أباظة عارض الاقتراح، معتبرًا أن تعليم أبناء الفلاحين يشكل خطرًا على كبار الملاك، وهو موقف يعكس طبيعة التفكير الطبقي السائد آنذاك.
وقد انتشرت في ذلك الزمن عبارات تجسد تلك النظرة، منها قولهم للفلاح إذا طالب بالمساواة: «لما الأمير أنا وأنت أمير، مَن يسوق الحمير؟»، كما كانت هناك بيوتٌ لا يُسمح لأحد بالمرور أمامها راكبًا حمارًا، بل كان يُجبر على النزول وخلع حذائه وحمله تحت إبطه. وكانت محافظات بأكملها تكاد تكون ملكًا لعائلة واحدة أو لعدد محدود من العائلات الإقطاعية، وهي أملاك آلت إليهم في ظل نظام توزيع الثروة على الأسرة الحاكمة وكبار الموالين للعرش.
وفي عام 1951 طالب أحمد حسين، وكان من كبار ملاك الأراضي ووزيرًا في حكومة الوفد، بإدخال الكهرباء ومياه الشرب وإنشاء المستشفيات وشبكات الصرف الصحي في الريف، محذرًا من أن استمرار الأوضاع على حالها سيؤدي إلى قيام ثورة. فقوبل اتهامًا بأنه «شيوعي أحمر»، فرد قائلًا: «ليس هناك أحمر منك»، في إشارة إلى رفض أي دعوة للإصلاح الاجتماعي، رغم ما كان يعانيه الريف من حرمان شديد في الخدمات الأساسية.
وفي عام 1949 طلب القائم بأعمال السفارة الأمريكية في لندن من ضابط بريطاني عائد من منطقة قناة السويس تقييم الأوضاع في مصر، فجاءت إجابته بأن البلاد تعاني فسادًا واسعًا وطبقية حادة، وأن أقل من نصف في المائة من السكان يملكون معظم الثروة، بينما كان الملك منشغلًا بملذاته وسهراته. وقد ورد ذلك في وثائق منشورة.
وفي الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1951، وأثناء سعي الولايات المتحدة إلى إنشاء تحالفات لمواجهة الاتحاد السوفيتي، استطلعت رأي سفيرها في القاهرة بشأن إمكانية انضمام مصر إلى تلك الترتيبات. وجاء في تقريره أن حزب الوفد، الذي كان يحكم البلاد آنذاك، يعاني فسادًا كبيرًا، مشيرًا إلى قضية البورصة الشهيرة التي أثارت الرأي العام، وهي أيضًا مما ورد في وثائق منشورة.
أما المقولة التي تزعم أن مصر كانت تمتلك فائضًا ماليًا وأن بريطانيا كانت مدينة لها، فهي تحتاج إلى وضعها في سياقها التاريخي. فأصل المسألة أن مصر فتحت أراضيها للقوات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، بعد أن رفض علي ماهر باشا في البداية إدخال البلاد في الحرب، ووعدت بريطانيا آنذاك بتعويض مصر عن ذلك بعد انتهاء الحرب، باعتباره دينًا في ذمتها. إلا أن هذه الوعود لم تُنفذ بالصورة التي كانت تتطلع إليها مصر.
كما أن حادثة الرابع من فبراير 1942 تُعد من أشهر الوقائع التي جسدت حجم التدخل البريطاني في الشأن المصري، حين حاصرت القوات البريطانية قصر عابدين، وأُجبر الملك فاروق على تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة تحت ضغط السفير البريطاني، وهي واقعة موثقة في المصادر التاريخية.
لقد جاءت ثورة الثالث والعشرين من يوليو في سياقٍ تاريخي اتسم بتفشي الفساد، واتساع الفجوة الطبقية، وغياب العدالة الاجتماعية، وتنامي الدعوات إلى التغيير. وكانت الساحة السياسية آنذاك تعج بقوى وتنظيمات تتطلع إلى تغيير النظام القائم، مثل «مصر الفتاة» وجماعة الإخوان المسلمين وغيرهما، فجاء تحرك الضباط الأحرار ليحسم المشهد، ويقود عملية التغيير التي غيّرت وجه مصر والمنطقة بأسرها.
تحية لثورة يوليو، وتحية إلى خالد الذكر جمال عبد الناصر، الذي ارتبط اسمه بمشروع الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، والكرامة العربية، وبقي حاضرًا في ذاكرة الأمة بوصفه أحد أبرز رموزها في العصر الحديث.
عضو إتحاد كتاب مصر
رئيس ملتقى الشعراء العرب












