قصيدة دقة قلب للشاعر أنور الخطيب بقلم روان شقورة

اليوم

7
الأسبوع

7
الشهر

7
السنة

7
الإجمالي

7

دقّة قلب
قراءة نقدية في قصيدة «دقّة قلب»
بقلم: أ. روان شقورة
قضى الشاعر التجربة الإنسانية في شعوره عبر الزمن، فظلّ الحب في الشعر العربي مساحةً تتقاطع فيها اللذة بالألم، والنجاة بالرغبة في الفناء، حتى يبدو العاشق أحيانًا كمن لا يريد من الحب خلاصًا، بل يريد أن يظل أسيرًا له.
ولعلّ قول نزار قباني:
«عشرون عامًا يا درب الهوى
مرةً كنتُ أنا قاتلًا،
وأكثرَ المراتِ مقتولًا»
يختصر جانبًا من هذه المفارقة؛ فالحب ليس دائمًا حالةً واحدة، بل علاقة متبادلة بين القتل والافتتان، بين أن يجرح العاشق وأن يقبل جرحه في الوقت ذاته.
وأثناء تصفحي الأشعار عبر فيسبوك، قرأت ما يشابه ذلك الشعور النزاري في قصيدة «دقّة قلب» للشاعر أنور الخطيب، فاستوقفني ذلك النبض الشعري الذي لا يبدو مجرد دقّة عابرة، وإنما دقّة تختزن تجربة كاملة. ومن هنا أخذ القلم يرسم ضربات تلك الدقّة، في قراءة عمودية تتبع صور النص واحدةً بعد أخرى، كما لو أننا نتتبع تسارع النبض من بدايته حتى نهايته.
دقّة قلب… حين تكون البداية هي النهاية
قد يوحي عنوان «دقّة قلب» للوهلة الأولى بضعف الحب والغرام أو بلحظة عاطفية عابرة، غير أن التأمل في بنية القصيدة يكشف دلالة أبعد من ظاهر العبارة.
إنها ليست أيّ دقّة؛ إنها الدقّة التي أشعلت نار الحب، ثم غلبت سائر الدقات حتى لم يعد القلب يشعر بغيرها. لم تكن المحبوبة واحدةً من النساء فحسب، بل تحولت إلى مركز التجربة كلها؛ إلى المرأة التي ألغت حضور الأخريات، وإلى الحب الذي لم يترك للقلب مجالًا لحب آخر.
ولهذا يستهل الشاعر قصيدته من النتيجة، وكأن البداية والنهاية قد اجتمعتا في دقّة واحدة:
«من بين كل النساء اللواتي قتلنني
أحببت قتلك لي»
هنا لا يبدأ الحب من البراءة، بل من أثره النهائي: القتل. وكأن الشاعر يقول إنني عرفت الحب من خلال الموت، واخترت من بين كل أشكال الأذى ذلك الأذى الذي يأتي منك أنتِ.
ومن هذه النقطة يبدأ المحور العمودي للنص؛ فكل صورة لاحقة ليست منفصلة عما قبلها، وإنما تصعد بالتجربة العاطفية درجةً أخرى، حتى تصل إلى البحث عن «موت جديد» بين يدي المحبوبة.
أولًا: من بين النساء… اختار قاتلته
يقول:
«من بين كل النساء اللواتي قتلنني
أحببت قتلك لي»
تكمن المفارقة في أن الشاعر لا يقول: أحببتك من بين النساء، وإنما يقول: أحببت قتلك لي من بين كل اللواتي قتلنني.
لقد اختارها من بين الجميع، وكأنها لم تكن امرأةً أخرى في سلسلة النساء، بل كانت الاستثناء الذي اكتمل عنده الحب. إنها الطلقة الوحيدة التي أصابت موضعها من بين كل الطلقات، والعشق القاتل الذي لم يرغب الشاعر في مقاومته.
فالقتل هنا ليس فعلًا عدائيًا، وإنما يتحول إلى صورة من صور التماهي العاطفي. إنه قتل يرغب فيه المقتول، بل يبحث عنه؛ ولذلك يصبح الموت في حضرة المحبوبة أقرب إلى الحياة منه إلى الفناء.
ثانيًا: حين تمطر المحبوبة… ويصبح الستر حماية للحب
ثم يقول:
«كنتِ تمطرين ثلاث ليالٍ عليَّ
تأمرينني بجمع الستر عن وجه الحكاية»
المطر هنا ليس مجرد صورة طبيعية، وإنما هو فيض عاطفي. إنها تمطر عليه من حضورها، من حبها، من عاطفتها، حتى يصبح هذا الفيض أكبر من قدرة القلب على الاحتمال.
لكن المفارقة الجميلة أنها، في الوقت ذاته، تأمره بأن يجمع الستر عن وجه الحكاية.
فالستر هنا يمكن أن يُقرأ بوصفه حماية للحب من انكشافه؛ وكأن العاطفة، لشدة حضورها، تحتاج إلى الاختباء. إنها علاقة بين الإفاضة والكتمان: هي تمطر، وهو يتلقى، وهي تخشى على الحكاية من انكشافها.
وبذلك تتحول المحبوبة إلى مصدر غزير للحب، وإلى حارسة له في الوقت نفسه.
ثالثًا: حين يتحول الهجر إلى شعر بدائي
ثم يقول:
«وتجمعين سياط الهجر
تلقينها، فإذا بها شعر بدائي
على جدران قلبي
وفي كهف المجاز»
هنا ينتقل النص من العطاء إلى الهجر، ومن المطر إلى الجفاف، لكن الهجر لا يأتي في صورة صمت عابر؛ بل يتحول إلى كتابة.
فـ«شعر بدائي» على جدران القلب يوحي بأن الهجر يعيد الشاعر إلى طبقات أولى من الوعي، إلى الكتابة الأولى التي كان الإنسان ينقشها على جدران الكهوف بحثًا عن أثر يخلّد وجوده.
والمفارقة أن الهجر الذي يفترض أن يكون غيابًا يصبح أثرًا حاضرًا.
إنها لا تكون معه، لكنها تصبح مكتوبةً في داخله.
وهنا تبدو المحبوبة أكثر حضورًا في غيابها منها في حضورها؛ فالهجر لا يمحوها، بل ينقشها على جدران القلب.
أما «كهف المجاز»، فيحيل إلى مساحة داخلية معتمة، مغلقة، لا يدخلها أحد بسهولة؛ ولذلك يصبح شعر الهجر نقشًا في أعماق الذات، لا مجرد كلام على سطح التجربة.
رابعًا: اللهفة نار… والنهار يُكتب على خشبها
ثم يواصل الشاعر:
«تكتبين ناري على خشب اللهفة
ثم تغنين»
هنا تبلغ الصورة العاطفية درجة أكثر حرارة.
فـ«اللهفة» تتحول إلى مادة قابلة للكتابة، بينما يتحول «النار» إلى شيء يُكتب عليه. وكأن المحبوبة لا تكتب كلماتها فحسب، وإنما تكتب زمن الشاعرنفسه..
إنها تكتب نهاره، أي أنها تملك جزءًا من وقته ووعيه ويومه، لكن المادة التي تكتب عليها ليست ورقًا، وإنما «خشب اللهفة».
والخشب هنا يحمل إيحاءً ناريًا؛ فهو قابل للاشتعال، وكأن اللهفة نار كامنة في بنية النص. وبعد الكتابة يأتي الغناء، فيصبح المشهد أكثر اكتمالًا: كتابة، ولهفة، وغناء.
إنها لا تحضر بوصفها امرأة فحسب، بل بوصفها صوتًا وصورة ونارًا وذاكرة.
خامسًا: صوتك… نداء في العراء
ثم يقول:
«وأبقى أجمع صوتك
في جرن النداء
وأهيم في العراء
أبحث عن موت جديد بين يديك»
هنا يصل المحور العمودي إلى ذروته.
فبعد أن كانت المحبوبة تمطر، وتكتب، وتغني، يصبح صوتها شيئًا يريد الشاعر جمعه والاحتفاظ به.
«جرن النداء» صورة توحي بمكان يتجمع فيه الصوت كما يتجمع الماء في إناء. وكأن الشاعر عاجز عن الاكتفاء بسماع صوتها مرةً واحدة، فيريد أن يجمعه، ويحفظه، ويعيد تشكيله داخل وجدانه.
لكن نتيجة ذلك ليست الاستقرار، بل التيه:
«وأهيم في العراء»
فالذي استولى عليه صوتها لم يعد قادرًا على معرفة طريقه.
والعراء هنا ليس مكانًا جغرافيًا بقدر ما هو حالة وجدانية: انكشاف، ووحدة، وغياب للمأوى.
ثم تأتي النهاية الأكثر إثارة:
«أبحث عن موت جديد بين يديك»
إنه لا يبحث عن النجاة.
لا يريد أن يتخلص من أثر الحب، بل يريد موتًا آخر، وكأن الموت الأول لم يكن كافيًا.
وهنا تعود القصيدة إلى بدايتها:
قتلٌ في البداية، وموتٌ في النهاية.
وبين القتل والموت تمتد رحلة الحب كاملة.
الضمائر: حوار بين كيانين في كيان واحد
من اللافت أن الشاعر استحضر في النص ضمير المخاطب المؤنث بصورة كثيفة:
تمطرين، تجمعين، تكتبين، تغنين، يديك.
إنه يخاطبها مباشرة، وكأنها حاضرة أمامه، بينما هي في الوقت ذاته قد تكون غائبة.
وفي الجهة الأخرى يحضر ضمير المتكلم:
قتلي، عليّ، قلبي، أبقى، أهيم، أبحث.
وهنا يتشكل حوار وجداني بين كيانين: هي التي تفعل، وهو الذي يتلقى أثر الفعل.
لكن التأمل الأعمق يكشف أن الاثنين يكادان يتحولان إلى كيان واحد؛ فهي تمطر وهو يتلقى المطر، وهي تكتب وهو يتحول إلى مساحة للكتابة، وهي تغني وهو يجمع صوتها، وهي تقتل وهو يبحث عن موت جديد بين يديها.
إنها علاقة لا تقوم على المسافة، بل على التداخل.
اللغة: عاطفة حيّة لا تُروى من الخارج
جاءت اللغة في القصيدة جانحة نحو العاطفة الحية، وكأن الشاعر لا يروي تجربة انتهت، وإنما يعيشها أثناء الكتابة.
ولهذا جاءت الأفعال مضارعة في معظم الصور: تمطرين، تجمعين، تلقين، تكتبين، تغنين، أبقى، أهيم، أبحث.
إنها أفعال تمنح التجربة استمراريتها؛ فالحب لا يبدو ذكرى محفوظة في الماضي، وإنما حالة تتجدد لحظةً بعد لحظة.
وهنا تكمن قوة «الدقّة»: إنها ليست ضربة واحدة للقلب، بل نبض مستمر.
القصيدة بوصفها مشهدًا دراميًا
ولم يعتمد الشاعر على الصورة الغنائية وحدها، وإنما اقترب نصه من البناء القصصي الذي تتوافر فيه عناصر درامية واضحة: الحدث، والحركة، والزمن، والمكان، والشخصيات، والصراع.
هناك امرأة تفعل، ورجل يتلقى.
هناك مطر وليالٍ، وقلب وكهف وعراء.
هناك هجر وحب ولهفة ونداء وموت.
وبذلك تتحول القصيدة إلى مشهد متحرك، لا إلى وصف ساكن لمشاعر الحب.
فالحب هنا ليس فكرة، وإنما حدث درامي يقع داخل القلب.
النبض الذي بدأ به الحرف
ولعل أجمل ما يمكن أن ننهي به هذه القراءة أن «دقّة القلب» لم تكن عنوانًا للقصيدة فحسب، وإنما كانت بنيتها الداخلية أيضًا.
بدأت القصيدة بالقتل، وانتهت بالموت، وبينهما مرّ الشاعر عبر المطر والهجر والكتابة واللهفة والغناء والنداء.
كأن الدقّة الأولى كانت تحمل في داخلها الدقّة الأخيرة.
وكأن الشاعر حين قال:
«أحببت قتلك لي»
كان قد أعلن منذ البداية أنه لا يريد النجاة من هذا الحب.
لذلك فإن دقّة القلب هي بداية الحرف، والحرف هو امتداد النبض، والنبض هو الذي يمنح الحب وجوده؛ وحين يتوقف النبض، لا تنتهي الحكاية بقدر ما تصل إلى ذروة حضورها: موتًا جديدًا بين يدي من أحب.
فالحب في هذه القصيدة ليس طريقًا من الحياة إلى الموت، بل دائرة لا نهائية:
نحب، فنُقتل، ثم نبحث عن حياة أخرى في اليد ذاتها التي قتلتنا.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x