المكان حين يفقد زمنه
قراءة تأويلية في قصيدة «المكان» من ديوان «آلهة الغسق»
بقلم: أ. روان شقورة
حينما أُبيدت مدينتي وأيامي، أخذت أبحث عن مكاني في اللامكان، فلم أجده. فتشت بين أوراق الماضي، لعلّ حبري القديم يرشدني إلى بعض ملامح هويتي وذكرياتي، غير أن حتى الحبر صودر ومُحي بأمر قابض الموت.
وفي غسق الليل، وصلتني قصيدة «المكان» من ديوان « آلهة الغسق» للشاعر كريم الصياد، فبدت لي كأنها محاولة لاستعادة ما مضى، أو استشراف لحظة غيبية تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق كوني. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها نصًا تتقاطع فيه أسئلة المكان والزمن والذاكرة، بحيث يصبح كل منها مدخلًا إلى الآخر.
وتقترح هذه القراءة أن القصيدة قد تُفهم بوصفها بناءً شعريًا لعلاقة عكسية بين المكان والزمن والذاكرة؛ فالمكان لا يتعرض في النص إلى خراب مباشر بقدر ما يمر بعملية تجريد تدريجية من آثاره، تبدأ بالغسل وتنتهي بفقدان الزمن. ومن الممكن تأويل مفردة «التنظيف» بوصفها مركزًا للمفارقة؛ إذ تبدو في مستواها الأول فعلًا لاستعادة المكان، بينما يمكن أن تكشف في مستواها الأعمق عن فعل يؤدي، على نحو مفارق، إلى محو أثره.
المكان بوصفه نقطة البدء
يأتي العنوان «المكان» معرفًا بـ«ال»، وهو تعريف يفتح الدلالة على المكان بوصفه مفهومًا عامًا، لا بوصفه موضعًا جغرافيًا محددًا. ولا يمنح الشاعر المكان اسمًا أو عنوانًا أو حدودًا، بل يتركه مجردًا، وكأن النص يفسح المجال أمام المكان ليغدو مفهومًا يتجاوز جغرافيته المباشرة، ويتصل بالإنسان والزمن والذاكرة.
وتبدأ القصيدة بعبارة دقيقة زمنيًا:
«في الثامنة صباحًا استيقظتُ»
هذا التحديد يمنح النص في بدايته إحساسًا بالواقعية والانضباط الزمني، قبل أن يبدأ هذا الانضباط بالتفكك تدريجيًا. فالمكان الذي يبدو ثابتًا في البداية يدخل منذ اللحظة الأولى في شبكة من الأفعال: استيقظت، لملمت، جعلت، وضعت، حسبت، أخرجت، نشرت.
وهكذا تتحرك القصيدة من مكان مرتبط بزمن محدد إلى مكان يفقد تدريجيًا قدرته على الاحتفاظ بهذا الزمن.
مفارقة التنظيف
يتمثل أول انزياح لافت في تحويل المكان إلى شيء مادي يمكن لمّه وغسله:
«لملمتُ المكانَ،
وجعلته كرةً،
ووضعته في المغسلة»
هنا تتشكل مفارقة أساسية؛ فالمكان، الذي يفترض أن يكون إطارًا للأشياء والأحداث، يتحول إلى شيء من الأشياء، يمكن حمله وغسله ونشره تحت الشمس.
وقد يُقرأ هذا التحويل بوصفه نوعًا من التغريب الذي يعيد تقديم المألوف في صورة غير مألوفة. فبدل أن يكون المكان ثابتًا ومحيطًا بالإنسان، يصبح هو نفسه موضوعًا للفعل الإنساني.
وتزداد المفارقة حين يصف الشاعر نتيجة الغسل:
«وبعد ساعتين أخرجته، ناصعًا، عطرًا،
ونشرته في الشرفة أسفل الشمس.»
يبدو المكان هنا وكأنه قطعة قماش غُسلت من آثارها. غير أن ما يبدو نجاحًا في التنظيف سيقود لاحقًا إلى نتيجة مغايرة؛ فالمكان، حين يُنزع عنه ما علق به من آثار، يفقد شيئًا من قابليته على الاحتفاظ بزمانه.
ومن هنا يمكن أن يصبح «التنظيف» أحد المفاتيح الدلالية المركزية في القصيدة: هل يمكن تنظيف المكان من آثاره دون تنظيفه من ذاكرته؟
من المكان إلى الزمن
تتقدم القصيدة في بدايتها عبر سلسلة من الأفعال التي تمنحها إيقاعًا حركيًا متتابعًا، ثم تتوقف هذه الحركة عند سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره:
«لو أنك غسلت المكان جيدًا..
فكيف تنتظر أن يجف،
وقد صار بلا زمان؟!»
هنا يتغير مركز الدلالة؛ فالمشكلة لم تعد في الماء أو في طريقة الغسل، وإنما في الزمن نفسه.
واللافت أن القصيدة لا تربط جفاف المكان بالماء وحده، بل تجعل الزمن شرطًا لإمكان التحول من حالة إلى أخرى: مبللًا ثم جافًا، قائمًا ثم متهدمًا، حاضرًا ثم ماضيًا.
ومن الممكن قراءة هذا التحول باعتباره انتقالًا من زمن تقويمي في بداية النص إلى زمن مفقود في نهايته. يبدأ الشاعر بـ«الثامنة صباحًا»، ثم «بعد ساعتين»، ثم تتسع المسافة الزمنية، إلى أن يصل إلى:
«وقد صار بلا زمان»
وبذلك لا يعود الزمن مجرد إطار للأحداث، بل يبدو عنصرًا من عناصر تشكل المكان وإدراكه.
«الحضارة» و«الحرب بالوكالة»
بعد تنظيف المكان، يجلس الشاعر إلى مكتبه:
«وعلى مكتبي جلست ألعب لعبة (الحضارة)،
وأطبق نظرية (الحرب بالوكالة).»
قد يوحي حرف الجر «على» بعلاقة مكانية لافتة، خصوصًا في اقترانه بالمكتب الذي يظهر هنا بوصفه موضعًا للتفكير وصنع القرار. وفي مقابل الفعل الواقعي الأول، أي تنظيف المكان، يظهر فعل أكثر تجريدًا: اللعب بـ«الحضارة» وتطبيق «الحرب بالوكالة».
وتنشأ مفارقة بين لعبة الحضارة وبين ما سيحدث لاحقًا للمكان. فالحضارة، في صورتها الدلالية، قد تستدعي البناء والتنظيم والتراكم، بينما يأخذ مسار القصيدة الأشياء في الاتجاه المعاكس، نحو التفكك والعودة إلى البدايات.
أما عبارة «الحرب بالوكالة» فتستدعي عالمًا سياسيًا وعسكريًا يتجاوز حدود الفرد والمكان، قبل أن تعيد القصيدة هذا العالم إلى تفاصيل مادية صغيرة: كوب شاي، زجاج، أوراق، حاسوب، وقبور ذاكرة.
وهنا يبدو أن النص ينتقل من اللغة السياسية الكبرى إلى التفاصيل اليومية، ثم يعكس العلاقة بينهما؛ فالكارثة الكبرى لا تظهر في صورة خطاب سياسي مباشر، وإنما من خلال تغير الأشياء وتراجعها عن صورتها الأولى.
الأثر: ما يبقى بعد المكان
تتضح أهمية الأثر أكثر حين تبدأ الأشياء في الانحلال العكسي:
«الشاي في الكوب ينفصل إلى مسحوق وماء.
والزجاج يتحول إلى حفنة رمال.
القصائد أوراق بيضاء.
ذاكرة الحاسب المحمول تفرغ.»
لا يحدث هنا مجرد خراب للأشياء، بل يبدو كأن كل شيء يتراجع عن الصورة التي وصل إليها. الشاي يعود إلى مكوناته، والزجاج إلى الرمل، والقصائد تفقد كتابتها، والذاكرة الإلكترونية تفرغ.
وهنا تبرز العلاقة بين المادة والأثر. فالشيء لا يختفي فقط عندما يتوقف عن الوجود المادي، وإنما يمكن أن يبدأ اختفاؤه حين يفقد العلامة التي تجعلنا نتعرف إليه ونتذكره.
وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في:
«قبور ذاكرتي تعود أرضًا بكرًا
لم يطأها الموت.»
فالذاكرة نفسها تصبح مكانًا، والقبور تصبح أثرًا، ثم يُمحى هذا الأثر ليعود المكان «بكرًا». وكأن التطهير الكامل لا يعيد المكان إلى أصله فحسب، بل يمحو أيضًا ما مرّ به من تاريخ.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة في «التنظيف»: فما يبدو استعادةً لنقاء المكان قد يتحول إلى محو لتاريخه وأثره.
الفقد العكسي
تسمّي القصيدة هذا المسار صراحة:
«الفَقْدُ العكسيُّ في الماضي»
وهو تركيب يفتح المجال أمام قراءة الزمن بوصفه حركة قابلة للانعكاس داخل العالم الشعري. فبدل أن تتقدم الأشياء من الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل، تبدأ بالعودة إلى ما قبل تشكلها.
وتتسع دائرة الفقد تدريجيًا: الأشياء، ثم الذاكرة، ثم المكان، ثم العالم نفسه.
وتزداد المفارقة حين يدخل صوت يومي عابر وسط هذا الانهيار الكوني:
«وخطر لي أنني ربما قد نسيت دواء الاكتئاب اليوم.
(هذه خواطر غريبة عند نهاية العالم)!»
يمكن قراءة هذه الجملة بوصفها كسرًا مفاجئًا للنبرة الكونية الثقيلة؛ إذ تعيد القارئ من نهاية العالم إلى تفصيل إنساني صغير. ولا يلغي هذا الانتقال مأساوية المشهد، بل قد يزيد غرابته؛ فالذات تظل مشدودة إلى تفاصيلها اليومية حتى في اللحظة التي يبدو فيها الكون نفسه آيلًا إلى الزوال.
كما أن حضور مفردات مثل «نيبتونية» و«مصباح نيون موفّر» يخلق تجاورًا بين الكوني والتقني واليومي، وهو ما يعزز مناخ التغريب والمفارقة في القصيدة.
من خراب المكان إلى محو العالم
في المراحل الأخيرة لا يعود الخراب مقتصرًا على المكان، بل يمتد إلى بنية الكون:
«لقد نفد الزمان تقريبًا من الكون،
وعاد الكون إلى الانفجار الأعظم.»
يمكن قراءة «الانفجار الأعظم» هنا بوصفه نقطة سردية يعود إليها العالم داخل منطق القصيدة، لا بوصفه تفسيرًا علميًا لنهاية الكون. فالقصيدة تبني عالمها الخاص الذي يعمل فيه الزمن بصورة عكسية، بحيث يصبح الانفجار الأول نهايةً لمسار الفقد.
ثم تأتي الصورة الأكثر كثافة:
«ستعود كل الشظايا إلى كل القنابل،
وكل الأضواء إلى كل النيران.»
إنها عودة من النتيجة إلى المصدر؛ من الشظايا إلى القنابل، ومن الأضواء إلى النيران. وبذلك يستمر منطق «الفقد العكسي» حتى نهايته.
ويصل هذا المسار إلى الذات:
«سأعود أنا إلى المصدر الأول الرهيب.»
فبعد أن فقد المكان زمنه، وفقدت الأشياء آثارها، وفقد العالم صورته، يبدو أن الذات نفسها لم تعد بمنأى عن هذا الرجوع.
خاتمة: السواد بوصفه أثرًا أخيرًا
تنتهي القصيدة بجملة شديدة المفارقة:
«سيصير المكان أسود تمامًا بعد لحظات.
هذه من نتائج عمليات التنظيف الفاشلة.»
تستعيد النهاية مفردة «التنظيف» التي بدأت بها القصيدة، لكنها تعيدها في سياق معاكس تمامًا. فالعملية التي بدأت بهدف إزالة «بقع الأشياء» لم تؤدِّ إلى استعادة المكان، بل إلى محو تدريجي للزمن والذاكرة والأثر، وصولًا إلى السواد.
ومن ثم يمكن قراءة «السواد» لا بوصفه مجرد لون نهائي، بل باعتباره علامة على وصول عملية المحو إلى أقصى حدودها: لم يعد هناك ما يكفي من الضوء أو الذاكرة أو الأثر لاستعادة المكان.
بهذا المعنى، لا تقدم القصيدة نهايةً للعالم بقدر ما تكشف عن نهاية معناه؛ فحين يفقد المكان زمنه وذاكرته، لا يبقى منه سوى السواد بوصفه الأثر الأخير لعمليات التنظيف الفاشلة.














