ليس لي بحر
قراءة في قصيدة الشاعر رضا بوقفة
منذ العنوان «ليس لي بحر» يضع الشاعر القارئ أمام مفارقة لافتة؛ فالبحر حاضر بقوة في القصيدة، لكنه ليس بحرًا بالمعنى المألوف، ولا فضاءً تعبره السفن، بل عالم شعري خاص يتشكل من الحرف والصمت واللغز والتأمل. لذلك يصبح نفي البحر في العنوان بدايةً لاكتشاف بحر آخر؛ بحر لا تُقاس مساحته بالماء، وإنما بما يختزنه من أسئلة ومعانٍ.
يؤكد الشاعر هذا الاختلاف منذ البداية: «فبحري ليس فيه سفنٌ تقيم»، ثم ينفي عن هذا البحر ما اعتاده المتلقي من «وزنٍ وقافية»، ليقترح بدل ذلك معيارًا آخر: «صفاء الحرف ونقاء الكلم». وهنا لا تبدو القصيدة منشغلة بإعلان القطيعة مع الشكل بقدر انشغالها بتعريف الشعر من داخل تجربتها؛ فالقيمة عند الشاعر تنبع من نقاء اللغة وقدرتها على حمل المعنى، لا من القالب وحده.
لكن البحر سرعان ما يتحول إلى ملاذ داخلي: «أمشي إليه إذا ضجّت بي الطرق». وهذه الصورة تكشف جوهر الاستعارة؛ فالبحر هو المكان الذي يلجأ إليه الشاعر حين تضيق به المسالك، وفيه «يغسل الروح» من الصخب. إنه فضاء لاستعادة التوازن، ومنطقة هدوء تتراجع فيها ضوضاء الخارج ليصبح الإصغاء إلى الداخل ممكنًا.
ومن اللافت أن الشاعر لا يجعل اعتراف الآخرين شرطًا لاكتمال تجربته: «لا أبتغي مدح من مرّوا على عجلٍ / يكفيني الصمت إن أصغى له القلم». هنا تتحدد علاقة الشاعر بالكتابة؛ فهو لا يكتب بحثًا عن التصفيق، بل عن لحظة صدق بينه وبين نصه. ويصبح القلم هو المستمع الحقيقي، بينما يتحول الصمت من غياب للصوت إلى مساحة تسمح للكلمات بأن تولد.
وفي قلب القصيدة تأتي العبارة المفتاحية: «ما الشعر إلا شرفةٌ لتأملي». فالشعر عند رضا بوقفة ليس غاية شكلية، وإنما نافذة يرى منها الإنسان ذاته. والشرفة هنا صورة دقيقة؛ فهي لا تعزل الشاعر عن العالم، ولا تلقي به داخله بالكامل، بل تمنحه موقعًا للتأمل والمشاهدة. ومن خلالها «يرى القلب حين يضيق ويزدحم»، فيتحول الشعر إلى وسيلة لاكتشاف الداخل وفهم اضطرابه.
أما «اللغز» فيحتل مساحة مركزية في فلسفة النص. فالشاعر يقول: «أخفي اللغز في شعري»، لكنه لا يقدمه بوصفه غموضًا مغلقًا، بل يربطه بـ«إرث الجدود» و«أسرارها حكم». ثم يصرح بوضوح: «الغموض ليس جريمة في قصيدتي / بل هو نافذة تطل على الحلم». وهنا يقدم الشاعر تعريفه الخاص للغموض: ليس ستارًا يمنع الوصول، بل نافذة تدفع القارئ إلى النظر أبعد من المعنى المباشر.
وهذا يفسر قوله: «فإن فهمتم فذاك الضوء يجمعنا / وإن جهلتم فبحري وحده الحكم». فالعلاقة مع القارئ عنده لا تقوم على فرض قراءة واحدة؛ هناك مساحة للفهم، ومساحة لعدم الفهم، وفي الحالتين يبقى النص قائمًا بذاته. وهذه الفكرة تمنح القصيدة وعيًا واضحًا باستقلال العمل الشعري عن رد الفعل الآني عليه.
ثم يرفع الشاعر وظيفة اللغز إلى مستوى فكري حين يقول: «لغزي في القصيد ينمّي الفكر». فاللغز هنا ليس لعبة لغوية، بل وسيلة لإثارة السؤال. ويتأكد ذلك في قوله: «لغزي يوقظ في الأرواح أسئلةً / ويزرع الفكر في أرضٍ بها قدم». فالنص الذي يطرح سؤالًا لا ينتهي بانتهاء قراءته؛ إنه يستمر داخل القارئ، ويحوّل المتلقي من مستمع إلى مشارك في بناء المعنى.
وتأتي العبارة: «ما الشعر إلا طريق نحو دهشتنا» لتلخص جانبًا أساسيًا من رؤية الشاعر. فالدهشة ليست زينة للنص، وإنما لحظة اكتشاف؛ حين تخرج الكلمة من معناها المعتاد، وتدفع العقل إلى إعادة النظر فيما يظنه واضحًا. لذلك يجمع الشاعر بين «العقول» و«الروح»، وكأنه يرى الشعر مساحة تلتقي فيها المعرفة بالإحساس.
وفي المقطع الأخير تتكامل صورة البحر مع صورة الإبحار: «أبني من الصمت أشرعة لأحرفي / وأبحر في لغز به أحتكم». هنا يبلغ المجاز ذروته؛ فالصمت يصبح أشرعة، والحروف تتحول إلى سفينة، واللغز يصبح بحرًا، والشاعر هو المسافر في هذا العالم الذي صنعته اللغة. إنها صورة تختصر تجربة النص كلها: كلما ازداد الصمت، اتسعت إمكانية الكتابة، وكلما اتسعت الكتابة، انفتح مجال السؤال.
واللافت أن الشاعر يعود في النهاية إلى نفي غاية المدح والثناء: «ما كنت أبحث عن مدح ولا ثناء / بل كنت أفتش عن نور به أحلم». وهكذا يلتقي آخر النص مع بدايته في نقطة واحدة: الكتابة ليست بحثًا عن الخارج، بل بحث عن معنى في الداخل. والنور الذي يفتش عنه الشاعر ليس إجابة جاهزة، بل أفقًا يظل مفتوحًا أمام الحلم والتأمل.
ومن حيث البناء، تعتمد القصيدة على حقل دلالي متماسك تتكرر فيه مفردات البحر والإبحار والسفن والأشرعة، إلى جانب الحرف والقلم والصمت واللغز والنور والحلم. هذه المفردات لا تأتي متفرقة، بل تتعاون على بناء عالم واحد: البحر هو القصيدة، والسفينة هي الحرف، والشراع هو الصمت، والرحلة هي التأمل، واللغز هو المساحة التي يتحرك فيها الفكر.
لذلك فإن «ليس لي بحر» لا تتحدث عن البحر بقدر ما تبحث عن معنى الشعر نفسه. إنها قصيدة تعلن أن للشاعر بحرًا لا تُرى حدوده بالعين، وأن الإبحار فيه لا يحتاج إلى سفينة، بل إلى قارئ مستعد لأن يصغي، ويتأمل، ويسأل. وفي هذا تكمن خصوصية التجربة: أن يتحول الغموض من حاجز أمام المعنى إلى دعوة لاكتشافه، وأن يصبح الشعر رحلةً لا تنتهي عند آخر بيت، بل تبدأ منه.
إعداد ودراسة
المستشار محمد فادي زين العابدين
………..
ليس لي بحر
اسبحوا في بحورِكم مثلما شئتُمُ
فبحري ليسَ فيهِ سفنٌ تقيم
لا وزنٌ ولا قافيةٌ كما ألفتُمُ
فيهِ صفاءُ الحرفِ ونقاءُ الكَلِم
أمشي إليهِ إذا ضجَّتْ بيَ الطرقُ
وأغسلُ الروحَ من صخبٍ بهِ سَقَمُ
لا أبتغي مدحَ من مرُّوا على عجلٍ
يكفينيَ الصمتُ إن أصغى لهُ القلمُ
ما الشعرُ إلّا شُرفةٌ لِتأمّلي
أرى بها القلبَ حينَ يَضيقُ ويَزدحمُ
أُخفي اللغزَ في شعري لأنَّ بهِ
إرثَ الجدودِ، وفي أسرارِهِ حِكَمُ
فإن فهمتم فذاكَ الضوءُ يجمعُنا
وإن جهلتم فبحري وحدهُ الحَكَمُ
الغموضُ ليسَ جريمةً في قصيدتي
بل هوَ نافذةٌ تُطلُّ على الحُلُم
لغزي في القصيدِ يُنمّي الفكرَ
قالتهُ واستعملتهُ العربُ والعجمُ
لغزي يُوقظُ في الأرواحِ أسئلةً
ويزرعُ الفكرَ في أرضٍ بها قَدَمُ
ما الشعرُ إلا طريقٌ نحوَ دهشتنا
فيه العقولُ تُرى، والروحُ تَحتَدمُ
سرتُ في طريقي منذُ صغري
بحروفي وفي بحرٍ لهُ أهيم
أبني من الصمتِ أشرعةً لأحرفي
وأُبحرُ في لغزٍ بهِ أحتكمُ
ما كنتُ أبحثُ عن مدحٍ ولا ثناءٍ
بل كنتُ أفتّشُ عن نورٍ بهِ أَحلمُ
بقلم الشاعر رضا بوقفة. شاعر الظل العصامي
وادي الكبريت سوق أهراس
الجزائر
الشعر اللغز الفلسفي والقصة اللغزية الفلسفية














