الفنانة التشكيلية السورية هناء عبد العال لمجلة أزهار الحرف حاورتها من لبنان جميلة بندر

اليوم

6
الأسبوع

6
الشهر

6
السنة

6
الإجمالي

6

حوار الفنانة التشكيليّة هناء عبد العال، حاورتها جميلة بندر.
…………..

في فضاءٍ تتعانق فيه الكلمة والريشة، وتلتقي بلاغة النثر بعمق التشكيل، نلتقي اليوم بكاتبةٍ وفنانةٍ اختارت أن تجعل من الأدب والفن نافذتين تطلّ منهما على الجمال والإنسان.

هناء عبد العال، كاتبة نثرية ورسامة تشكيلية، توظّف حرفها وريشتها في تقديم تجربة إبداعية تجمع بين التأمل الأدبي والرؤية البصرية، وتسعى من خلال مقالاتها ونصوصها ومراجعاتها النقدية إلى إثراء المشهد الثقافي وإضاءة مساحات جديدة من الفكر والجمال.

تؤمن بأن الكلمة الطيبة والفن الأصيل ليسا مجرد وسيلتين للتعبير، بل جسران للتواصل الإنساني والارتقاء بالذائقة والوجدان.

ومن هنا كان لمجلة أزهار الحرف معها هذا الحوار الذي نفتح فيه نوافذ تجربتها الإبداعية، ونقترب من رؤيتها للأدب والفن، ومن المساحات التي تجمع بين نبض الحرف وسحر اللون.

حاورتها جميلة بندر
…………
1.تجمع تجربتكِ الإبداعية بين الكتابة النثرية والفن التشكيلي، وهما مجالان يختلفان في أدوات التعبير ويلتقيان في صناعة الجمال. كيف تشكّلت هذه الثنائية في مسيرتكِ؟ وأيهما كان بوابتكِ الأولى إلى عالم الإبداع؟

الإجابة:
بالنسبة لي، الكتابة النثرية والفنون التشكيلية روحٌ واحدةٌ في جسدين؛ فالحياةُ التي نعيشها هي فنٌّ بحد ذاتها، والطبيعةُ التي خلقها الله وأوجدها هي الفنُّ الأعظمُ الذي لا يُعلى عليه. لا يمكننا فصل حياتنا عن الفن بأي شكل من الأشكال؛ فالالفن التشكيليُّ بكل أنواعه وأبعاده، والكتابة الأدبية بكل أطيافها، بل وحتى تفاصيل حياتنا اليومية كصوت العصافير، وطريقة اللبس، وتذوق تفاصيل العيش، كلها فنون متأصلة في عمق الإنسان. لقد أوجد الله الفنَّ للإنسان ليتمتع به، ومساحات الفن واسعة بلا حدود ولا أبعاد، فهي تمتد نحو اللانهاية.
فما بالكِ حين يدمج الإنسان بين نوعين إبداعيين يعشقهما معاً: الكتابة النثرية والرسم التشكيلي؟
أما عن بدايتي، فعلى الصعيد الأكاديمي لم تُتاح لي الفرصة لدراسة الفنون بالطريقة التي أتمناها، إذ فُرضت عليَّ ظروف التوجيه الجامعي اختصاصاً لم يستهوِني، فدرست فيه عامين ثم توقفت، وقررت أن أبني نفسي بنفسي، وأن أنحت طريقي في عالم الرسم والكتابة بمفردي. ورغم أن ظروف الحياة جعلت بدايتي الفعلية في هذا المجال متأخرة بعض الشيء، إلا أن الشغف الكبير بالرسم والكتابة ظلَّ يدفعني للأمام.
فأنا أبحث دائماً في روح الأدب، وأستمتع بقراءة الشعر ومتابعة ما يكتبه الأدباء، كما أتأمل إبداعات الفنانين بكل مدارسهم. هذا الدمج الخلاق بين الحرف واللون هو مساحتي الخاصة التي أنتمي إليها بكل جوارحي.

2.للنثر قدرة على ملامسة المناطق الخفية في النفس الإنسانية، وللألوان لغة قد تعجز الكلمات أحيانًا عن ترجمتها. حين تقفين أمام لوحة بيضاء أو صفحة فارغة، أيّهما يقود الآخر في تجربتكِ: الفكرة أم الشعور؟

الإجابة:
النثرُ بالنسبة لي كتابةٌ أدبيةٌ بحد ذاتها أحبُّها بالذات لأني أدخل من خلالها إلى مجال التحليل الفلسفي والنفسي للإنسان، عبر كتابة واقع حياتي لأشخاص مرّوا بتجربة معينة أغوص فيها بالعمق الإنساني. فلا يمكن فصل الحياة الواقعية عن الفلسفة الإنسانية، فهي طيفٌ من الألوان المتشكلة بين جميع العواطف البشرية. وحين يكتب الإنسان في هكذا مواضيع، لا بد أن يكون لديه إلمامٌ بالناحية النفسية الإنسانية، مدعومةً بنظرة فلسفية أؤمن بها، ومن هنا يندمج هذا الفكر مع روح النص الذي أكتبه لتستقيم الحياة اليومية بتجاربها الواقعية.
وخصوصاً عندما يمرُّ المجتمع بحالات قاسية، مثل ظروف الحرب التي مرّت بها البلاد للأسف، وما تخلفه من دمار مادي وعاطفي ومعنوي يؤثر على الإنسان في صميمه حتى يكاد أحياناً يتلاشى، في حين يرى من حوله حجم الوجع الذي مرّ به. إن الحروب تفرز واقعاً حياتياً مختلفاً تماماً عن التجارب الإنسانية اليومية العادية. ومن هنا وجدتُ أنه عندما يخوض الإنسان هذه التجربة مع الآخرين ليستقي منها موضوعاً بمعالجة إنسانية، عاطفية، وفلسفية – وهو بحرٌ بلا حدود ومتداخلٌ ومعقدٌ – يحاول أن يستخلص منه نصاً له هدفٌ ونتيجةٌ معينةٌ. ورغم أن الحرب حالة سلبية بحد ذاتها، إلا أن المحاولة الجادة تكمن في استنباط العبر والمفاهيم العميقة لهؤلاء البشر الذين يمرون بهذه المتاهات القاسية.

3.إلى أي مدى تنعكس رؤيتكِ التشكيلية على لغتكِ الأدبية؟ وهل تجدين أن الكاتب الذي يمتلك عين الفنان يقرأ التفاصيل الإنسانية والعالم من حوله بطريقة مختلفة؟

الإجابة:
الفنُّ التشكيليُّ بكل أطياف مدارسه هو عبارةٌ عن حالةٍ شعوريةٍ إنسانيةٍ يمرُّ بها الرسام، ولا يمكن فصله عن نفسيته وعاطفته أو تفكيره؛ فهو بمثابة استعمالٍ لفن النثر بطريقة الألوان، والريشة، والكانفاس أو القماش ليصور هذا الجانب. فالألوان بحد ذاتها حالةٌ نفسيةٌ، وكلُّ لونٍ له معنى، وكلُّ ضربةِ ريشةٍ لها مغزى؛ فلا يمكن فصل الحالة الأدبية عن حالة الرسم التشكيلي، فهما جسدان بفكرةٍ واحدةٍ يندمجان مع بعضهما في حالةٍ ذهنيةٍ ونفسيةٍ وعاطفيةٍ لمن يعمل عليها.
وحين أجلس لأرسم لوحةً، فإنني أحياناً أجسّد فيها تفكيري وفلسفتي الخاصة للأمور، وأكتب عنها في الوقت ذاته؛ فالتفكير الذي أفكر فيه ومنطقي الخاص يجسدانه في هذه اللوحة لتتكامل مع النثر الذي أحبه، بالإضافة إلى الريشة والألوان وقطعة القماش (الكانفاس)، لتجتمع كلها في لوحةٍ نثريةٍ ورسمٍ تشكيليٍّ مدمجين ببعضهما في صميم حالتي النفسية.

4.تتناولين في كتاباتكِ المقالات والنصوص التأملية والمراجعات الفنية النقدية. ما المعايير التي تعتمدينها في تقييم العمل الأدبي أو الفني؟ وكيف توازنين بين الذائقة الشخصية والموضوعية النقدية؟

الإجابة:
عندما يكتب الإنسان أيَّ قطعةٍ نثريةٍ، يجب أن تكون متغلغلةً في العمق الإنساني، ملامسةً للعاطفة والنفس البشرية ووجدان الإنسان؛ فهي ليست مجرّد صفٍّ كلماتٍ عابرٍ، بل هي إحساسٌ إنسانيٌّ عميقٌ، وشعورٌ فكريٌّ، وعاطفةٌ متأججةٌ بكل أطيافها وأنواعها؛ سواء أكانت حزناً، أم فرحاً، أم حبّاً، أم غير ذلك. كلُّ هذا يشكل عملاً فكريّاً يجب أن يكون سلساً ومَرِناً يتقبله الناس ويحبونه، بحيث يشعر القارئ حين يطالعه بأنه هو من يكتب عن نفسه وذاته.
لهذا السبب، لا يمكننا أن نفصل حتى الرسم التشكيلي والألوان عن الفكرة النثرية، فهما يصبان معاً في الوجدان الإنساني، وعقل الإنسان، وفكره، وعاطفته، ورؤيته الفلسفية. النص الأدبي ليس مجرد كلمات مصفوفة، بل هو ترابط الإنسان من الداخل والخارج بوقع حياته الذي يعيشه. ومن هنا تنطلق معاييري في تقييم أي عمل أدبي أو فني: فالصدق، والعمق، وقدرة العمل على مخاطبة روح المتلقي هي المعيار الحقيقي، متوازنةً في ذلك بين حدس الذائقة الشخصية وعين الناقد الذي يبحث عن أصالة الفكرة وصدق التعبير.

5.تؤمنين بأن الكلمة الطيبة والفن الأصيل جسر للتواصل الإنساني. في زمن تتسارع فيه المنصات الرقمية وتطغى فيه أحيانًا ثقافة المحتوى السريع، كيف يمكن للمبدع أن يحافظ على قيمة رسالته وعمق تجربته دون أن يفقد حضوره لدى الجمهور؟

الإجابة:
الكلمةُ الطيبةُ هي روحُ الإنسان؛ فحين يكتب الإنسان وتكون كلماتُهُ فجّةً، لن يتقبلها الناسُ، بل سيبتعدون عنها ويتركون المقالَ الذي يقرؤونه، ومن هنا يجب أن يكون الكلامُ سلساً ومرناً.
أما في عصرنا الحالي، عصر السرعة ووجود الذكاء الاصطناعي (AI) الذي يركض خلفه الناس، فإن الكاتب أو الفنان بكل أطيافه يجد ثغرةً بين كتابته الخاصة وبين المحتوى السريع الذي يتلقاه الجمهور. للأسف، هذا الأمر بات يؤثر حتى على أطفالنا؛ فالطفل اليوم يمسك جهازه اللوحي ويقلب الصفحات متلقياً الغث والسمين، صحّاً كان أم خطأً.
لذلك، يجب أن يكون الكاتب النثري على دراية تامة بما يكتبه، ليوصل فكرته للناس بسلاسةٍ وطيبةٍ ومرونة، كي لا يهجر القراء مقالته. لابد أن يضيف الكاتب ما يشد المتلقي ليتابع القراءة ولا يتركها ويمضي. إن الاختصارات والاختزالات السريعة -حيث يكتفي القارئ بقائمة (واحد، اثنين، ثلاثة) وتنتهي القصة- للأسف تخرب وتنزع ما تعودنا عليه من عمق الثقافة الأصيلة.
لهذا السبب، يجب أن تكون الكتابة الأدبية كمن يمسك وردةً بيده؛ يرى ألوانها، ويشم عبيرها وعطرها، ليبقى المتلقي متمسكاً بهذه الوردة ورافضاً تركها.

6.هل ترين أن الفن التشكيلي العربي يمتلك اليوم المساحة الكافية للتعبير عن قضاياه الجمالية والإنسانية والاجتماعية؟ وما أبرز التحديات التي تواجه الفنان التشكيلي في إيصال أعماله إلى المتلقي؟

الإجابة:
الفنُّ التشكيليُّ بحرٌ واسعٌ إذا أراد الإنسان أن يخرج أفكاره ويجسدها في واقع الحياة؛ فهناك فنانون عظام ولهم باعٌ طويلٌ في هذا المجال. إن الفكر الإنساني والواقع الحياتي يزخران بالكثير من الأفكار للرسم التشكيلي بكل أطيافه بالطبع، ولكنْ ثمة ثغرةٌ يحاول الفنان التشكيلي الابتعاد عنها لكيلا يقترب من مواضيع حساسة؛ سواء كانت سياسيةً، أو دينيةً، أو تتعلق بالفكر الذي يؤمن به، فيسعى لتجنبها بقدر استطاعته.
أنا واحدةٌ منهنّ؛ فلا أحاول الغوص في هذه المواضيع تجنباً للتبعات الأخرى. لذلك نجد أن كثيراً من الفنانين يحاولون إبراز رسومهم من الناحية الجمالية بحتة، دون الخوض في الواقع الحياتي المعقّد الذي يغرق فيه الناس. المواضيع التي ينتقونها تكون أقرب إلى الحالة الجمالية المحضة، بعيدةً عن قساوة الواقع الحياتي المعيش، ورغم أن الفنان قد يميل إلى التطرق لمثل هذه القضايا، إلا أنه يفضل تجنبها. ومع ذلك، يظل الفن التشكيلي العربي غنياً بفنانين يطرحون هذه التساؤلات، والأفكار، والصياغات العميقة في لوحاتهم.

7.النقد الفني والأدبي مسؤولية تتجاوز إبداء الإعجاب أو تسجيل الملاحظات؛ فهو يسهم في تشكيل الوعي والذائقة. كيف تنظرين إلى واقع النقد في المشهد الثقافي العربي؟ وهل تعتقدين أننا نمتلك حركة نقدية منصفة تواكب الإنتاج الإبداعي؟

الإجابة:
النقدُ الفنيُّ والأدبيُّ مسؤوليةٌ كبيرةٌ وقويةٌ، تتجاوز بكثير مجرد وضع إعجاب (لايك) على النص أو المقال أو اللوحة. هناك نقادٌ نزيهون يعطون النقد حقّه، ويُنصفون الرسام أو الكاتب في قراءتهم للعمل بحد ذاته، بعيداً عن التحيز أو فرض قناعاتهم الشخصية، فيكونون محايدين ليمنحوا صاحب الإبداع حقه كاملاً، لكنّ هؤلاء للأسف قلةٌ ولا يشكلون أغلبية المشهد. في المقابل، نجد نقاداً آخرين تتجه بوصلتهم نحو اتجاهات معينة، فيضعون الكاتب أو الرسام تحت مجهر ضيق بناءً على رؤيتهم الخاصة.
إلى جانب ذلك، يوجد نقادٌ يتميز نقدُهم بالحياد، والوضوح، والصراحة؛ إذ يكتبون حقاً ما يرونه من خلال الأصول النقدية والمبادئ والمفاهيم العلمية ليعطوا الموضوع حقه بكل اتجاهاته. وبطبيعة الحال، فإن المشهد الثقافي العربي يضمّ كلا الطيفين.
وهنا تكمن أهمية استمرارية الكاتب أو الرسام في مساره ومتابعة ما يؤمن به، بحيث ينظر إلى النقد كأمر إيجابيّ لا سلبيّ؛ فيستفيد منه لتطوير عمله، والوصول به إلى مراتب أسمى وأرقى، وتلافي الهفوات والثغرات في المستقبل.

8.من هم أبرز الفنانين الذين تأثرتِ بهم في مسيرتكِ التشكيلية؟ وكيف تقرئين انعكاس هذا التأثر -إلى جانب توجيهات من ساعدوكِ- على هويتكِ الفنية الخاصة وأسلوبكِ في مزج الحرف بالريشة؟

الإجابة:
لقد تأثرتُ كثيراً برسامين سوريين مبدعين وعمالقة، لكلِّ واحدٍ منهم بصمته الخاصة في طريقته وأسلوب لوحاته، ومشاعره، والأفكار التي يطرحها؛ أمثال الفنان العظيم فاتح المدرس، ولؤي كيالي، ونذير نبعة، فهناك هاماتٌ قويةٌ في الفن التشكيلي السوري كنتُ -وما زلتُ- أتأمل لوحاتهم وأمعن النظر فيها، محاولةً الغوص في أعماقها.
ولا يسعني هنا إلا أن أستذكر بتقديرٍ كبيرٍ توجيهات الأستاذ الجليل نسيم إلياس (عميد كلية الفنون سابقاً)، حين كان ينصحني دائماً قائلاً: “اجعلي لكِ سمةً معينةً، ولا تذوبي في أفكار الآخرين؛ دعي فكرتكِ تبحر بحرية، وأعطِها أبعادها، واجعلي ما في داخلكِ يخرج إلى النور”. إضافةً إلى توجيهات خالي الفنان زياد الرومي الذي كان يوجهني في كثير من التفاصيل لأخرج ما عندي من أفكار راسخة في عقلي، فأحاول إظهارها تارةً بالكتابة، وتارةً بالريشة والألوان.
أما فيما يخص أسلوبي الفني وخياري الإبداعي، فهو يقع في صميم المدرسة التعبيرية الرمزية التجريدية، إلى جانب نظرتي التعبيرية النفسية والفلسفية في النصوص النثرية؛ إذ أحاول دائماً النفاذ إلى العمق الإنساني. وفي الرسم، أعشق استخدام الألوان المائية التي أراها بمثابة “روح الرسم”؛ بشفافيتها، وتداخلاتها اللونية، وحين أسبح في بحر ألوانها وأفكارها تمنح اللوحة أبعاداً غاية في الخيال والروعة والتمازج اللوني الساحر. وإلى جانبها أعتمد على ألوان الأكريليك وتقنية الميديا المختلطة (Mixed Media)، لأني أجد فيها أبعاداً قويةً جداً تساعدني على إخراج مكنوناتي وما يدور في داخلي.
فاللوحة عندي ليست مجرد ألوان متراصة أو تكويناً جمالياً بحتاً، بل هي “قصيدة بصرية” تنبض بالرمز الوجداني، حيث تتماهى الريشة مع الحرف لتصنعا روحاً واحدةً.

9.لو طلبنا منكِ أن تلخصي مشروعكِ الإبداعي والإنساني برسالة واحدة، فماذا تقولين؟ وكيف ترين أثر تجاربكِ الحياتية على ما تكتبين وترسمين؟

الإجابة:
الإنسانُ في جوهرهِ عبارةٌ عن فتراتٍ زمنيةٍ ومحطاتٍ؛ فكلُّ فترةٍ أو عقدٍ من العمر يُمثِّل نقلةً جديدةً تختلف عمَّا قبلها، وتصقل وعيَ الإنسان ووجودَهُ. لقد مررتُ بعدةِ تجاربَ عميقةٍ جعلتني أؤمنُ بأنَّ رسالتي الإنسانيةَ والفنيةَ تكمنُ في نقلِ صوتِ الإنسانِ السوريِّ والعربيِّ، والتعبيرِ عن واقعِ حياتِهِ اليوميةِ ومشاكلِهِ وقضاياهُ، لنكتشفَ معاً إلى أين تمضي بنا هذه الحياةُ.
وللأسف، لا ينعمُ الإنسانُ العربيُّ بالكثيرِ من الهدوءِ النفسيِّ أو الفكريِّ؛ فحياتُهُ غيرُ مستقرةٍ، وهمومُهُ كبيرةٌ، وفيه كمٌّ هائلٌ من الحزنِ الذي أستقيهِ من قسوةِ هذا الواقعِ المريرِ لأترجمَهُ كتابةً ونثراً. فالكتابةُ النثريةُ والرسومُ عندي ليستا سوى أبعادٍ وأطيافٍ تعكسُ الفكرَ والوجودَ الإنسانيَّ في دلالاتِهِ الباطنةِ والظاهرةِ.
وحتى على صعيدِ المستقبلِ، لديَّ فكرةٌ أعملُ على إنضاجها تدريجياً لتتجلّى في عقلي شيئاً فشيئاً، وهي مرتبطةٌ بعمقِ التاريخِ السوريِّ؛ عسى أن أتمكَّنَ يوماً من صياغتها لتكون بصمةً حقيقيةً ومساهمةً فاعلةً في الفنِّ التشكيليِّ. لا أبحثُ عن الألقابِ الكبيرةِ، بل جُلُّ ما أطمحُ إليه هو أن أصلَ إلى تقديمِ شيءٍ إيجابيٍّ ينبضُ باللمسةِ الفكريةِ والفنيةِ والإبداعيةِ، لأتركَهُ أثراً طيِّباً وبصمةً صغيرةً تلامسُ قلوبَ الآخرينَ وأرواحَهُم.

10.في ظل الانتشار الهائل للـمنصات والمنتديات الأدبية والثقافية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كيف تنظرين إلى دور هذه المنصات؟ وكيف ينتقي الكاتب أو الفنان منصته لضمان وصول رسالته بوعي وجودة؟

الإجابة:
تنتشر اليوم منتدياتٌ وملتقياتٌ أدبيةٌ وثقافيةٌ عديدةٌ؛ فمنها ما يقيم الفكر الأدبيَّ حقَّ قدرِهِ ويعطيهِ حقيقته وعمقه، ومنها ما هو مجرد تجميعٍ للمقالات والأفكار لا غير. إن هذه المنتديات الكثيرة تفتح آفاقاً وأبعاداً جديدة للكتاب والفنانين لتقديم نتاجاتهم وتعريف الجمهور بإبداعاتهم، بغض النظر عن تفاوت مستوياتها بين ما يهدف فقط إلى حشد عدد معين من الكتاب، وبين كونها ملتقىً حقيقياً للأدباء يزخر بالعمق الفني والأدبي.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة لأن يبحث الكاتب أو الفنان ويدقق في اختيار المواقع الأدبية التي تعتني بالأدب والثقافة بجدية، وتبحث عن أصحاب الزخم والعمق الفكري الحقيقي. ومع هذا الكم الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي -التي لا زالت في تطور مستمر نحو آفاق غير مسبوقة- لا ينبغي للمبدع أن ينشر عمله في أي موقع عشوائي، بل عليه أن ينتقي المنصات الهادفة التي تخدم الفن والكتاب وكل الأطياف الثقافية، لترتقي بالعمل المطروح وتصل إلى نتائج تُعنى بالرقي بالعقل الإنساني والفكر العربي.
وللأسف، فإن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي قد مال أحياناً نحو الجانب السلبي أكثر من الإيجابي على مستوى العالم لا عند الإنسان العربي وحده؛ ولذلك تصبح عملية الانتقاء والبحث الواعي عن المنصات الهادفة واجباً حتمياً لكل مبدع يريد لأثره أن يبقى ويصل بنقاء.

11.تُمثّل الملتقيات والمهرجانات الثقافية والأدبية -ولا سيما العربية منها- فضاءً للتواصل والتمازج الفكري. كيف ترين دور هذه الملتقيات في إثراء المشهد الإبداعي؟ وما رسالتكِ تجاهها؟

الإجابة:
الملتقياتُ الشعريةُ والأدبيةُ العربيةُ تجربةٌ جميلةٌ جداً؛ فهي تحتضن المبدعين من مختلف الدول العربية لترسم معاً هذه “الفسيفساء” الثقافية الغنية بالعمق الفكري والثقافي. في هذه الملتقيات، تجد كل مبدع يحمل ثقافةً وأطيافاً مختلفة، وتجربةً فريدةً تختلف عن الآخر، ليحدث هذا التمازج الفكري الذي يمنح كل إنسان فرصة لتقديم تجربته الاجتماعية والواقعية والخيالية والإبداعية للآخرين بجمال وعمق.
هذه الملتقيات الأدبية والثقافية التي تجمع شعراء وكتاباً وفنانين من مختلف البلدان، صنعت بوجودها -لا سيما عبر الفضاء الرقمي- أبعاداً واسعة جداً مكنت المبدعين من مشاركة أفكارهم وإبداعاتهم مباشرة، متجاوزين بذلك حدود الإطار الجغرافي الضيق الذي كان يحصر العمل في بلد الأديب أو الفنان وحده سابقاً.
ولا يسعني هنا إلا أن أخصَّ بالذكر بعض النماذج البارزة ذات البصمة الأثرية الإيجابية في الثقافة الراقية، مثل “ملتقى الشعراء العرب” الذي يرأسه الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد، إلى جانب العديد من الملتقيات الثقافية والأدبية الأخرى التي تعمل على نهوض الفكر العربي من حالة الاضمحلال الذي يمر بها، وتمنحه بصمة راقية وممتعة تعيد للطاقة الإيجابية حضورها.
إنني أحيي هذه الجهود المباركة، وأتمنى لها دائماً مزيداً من التقدم والازدهار لترك بصمة إبداعية حقيقية تفاعل التجارب الثقافية العربية، وعسى أن أكون يوماً واحدةً من أولئك الذين يسهمون بهذا الأثر الطيب.
خاتمة الحوار:
وفي ختام هذا اللقاء، لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى مجلة “أزهار الحرف”، وإلى العزيزة الأستاذة جميلة بندر على هذا الحوار اللطيف والراقي الذي أتاح لي مساحة للبوح وعرض الفكر والأعمال التي أقوم بها. كما أشكر الشاعر الفاضل ناصر رمضان عبد الحميد على إتاحة هذه الفسحة الطيبة ليكون هذا اللقاء الجميل الذي جمعنا. لقد كان حواراً ممتعاً للغاية، وأتمنى دوماً أن تظل هذه المنصات منارةً تثري الفكر والإبداع.

حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x