“آمال” و”مالك”.
كانت هناك قبل الفجر، قبل أول قطار، وقبل أول صرخة نوارس. كرسيان قديمان من البلاستيك الأبيض، نال منهما الملح والزمن، يتشبثان بالرمل كأنهما مرساة في بحر الوقت. بالنسبة للمارة المستعجلين في ظهيرة اليوم، لم تكن سوى بقايا مهملة، لكن لمن يعرف قصتهما، كانت بمثابة عرشين يواجهان الأبدية.
كان هذان كرسيي “آمال” و”مالك”.
جلسا عليهما لأول مرة في أمسية من عام 1974، كانت حينها مجرد كراسي تخييم بسيطة. كانا شابين، وأحلامهما شاسعة كالمحيط الممتد أمامهما. أرادت آمال أن تصبح مهندسة معمارية لـ “تبني جسورا بين الشعوب”، وأراد مالك أن يكون شاعرا لـ “يجعلهم يعبرونها بالكلمات”.
على مر العقود، توالت مسيرتهما المهنية، غزا الشيب شعريهما، لكن طقسهما ظل ثابتا لا يتغير. كل مساء، ومهما كان الفصل، يحملان كرسيهما إلى نفس الشاطئ. كان مالك يسمي المحيط “صفحة الله البيضاء”، بينما كانت آمال تدرسه كأنه المخطط الهندسي الأكثر كمالا
تغيرت الكراسي مع الوقت، بطبيعة الحال. الموديلات المعدنية الأولى صدأت. أما هذه الكراسي البلاستيكية، الأكثر صمودا، فقد اشتريت منذ قرابة خمسة عشر عاما. كانت تحمل آثار حياتهما المشتركة: بقعة صغيرة من الحبر الأحمر على مسند الظهر الأيمن لكرسي مالك، وخدش عميق في القائمة اليسرى لكرسي آمال، حيث اتكأت بقوة ذات ليلة مليئة بالقلق.
لم تعد أحاديثهما تلك الخطابات الكبرى كما في السابق، بل تحولت إلى همسات، وتبادل للصمت المريح. لم يعودا بحاجة للحديث ليفهم أحدهما الآخر. كان مالك يحب أن يقول إن الأمواج تحمل صدى ذكرياتهما، بينما كانت آمال تحسب أن المد والجزر هو مقياس لما تبقى لهما من وقت.
في المساء الذي التقطت فيه هذه الصورة، كانت السماء بلون أزرق فولاذي، بارد وعميق. لم يكن مالك هناك. كان في المستشفى، يصارع مرضا بلا وجه يسرق منه أنفاسه. جاءت آمال وحدها.
لم تحضر كرسيها معها. جلست على كرسيه هو، كأنها تحرس مكانه الشاغر، لكن ثقل وجودها بدا لها لا يطاق. لذا، نهضت ومشت نحو الماء. كانت الأمواج تكسر برتابة دقيقة، غير مبالية بوجعها.
حينها التفتت ورأت الكرسيين. كانا يواجهان المحيط، بانتظام مثالي، كحارسين لا ينعسان. رغم غياب مالك، لم يكن الكرسي الأيمن فارغا. كان ممتلئا بأربعين عاما من الضحك، والنقاشات، والمخاوف المشتركة، وحب أعمق من هذا الماء المثلج.
أخذت آمال نفسا مرتجفا. لم تبك. كان حزنها صلبا كالرمل المبلل تحت قدميها. لم تحرك الكرسيين من مكانهما. وعدت نفسها أنها في مساء الغد، إذا لم يستطع المجيء، ستأتي هي مرة أخرى، وستجلس، ليس لتنتظره، بل لتكرم مكانه.
تجسد هذه الصورة لحظة “الحضور في الغياب”. البحر يواصل عمله، والسماء تظل ثقيلة، لكن الكرسيين صامدان، وفيان لبعضهما وللأفق، يثبتان أنه حتى عندما يكون المقعد فارغا، فإن صاحبه لا يرحل أبدا.
فوزية جعيدي
الصورة بعدسة حاتم حام












