العصفور الذي لم يغادر ق.ق.
غادة الحسيني
حين تركتُ البيت، لم أحمل معي شيئًا سوى ارتباكي. نسيتُ المفتاح عمدًا، أو ربما تركته لأنني لم أصدق أن الرحيل نهائي. البيوت التي نغادرها خوفًا لا تُغلق، تظل مواربة كجفنٍ ينتظر حلمًا يعود.
في الفناء، كانت شجرة الليمون التي غرستها أمي تكبر معنا. قالت يومًا وهي تغرسها: “حين تثمر، يكون العمر أطول”. أثمرت، وكبرنا، وكبر معها عصفور صغير اتخذ من أغصانها بيتًا. كنت أراقبه كل صباح، يخرج ويعود، كأنه يعلمني أن الوطن قد يكون غصنًا واحدًا، لكنه يكفي.
في يوم الرحيل، نظرتُ خلفي طويلًا. لم أبكِ على الجدران ولا على النوافذ، بل بكيت عليه هو. كان العصفور في مكانه، ثابتًا، يراقبني بصمت. لم يرفرف، لم يهرب، كأنه قرر أن يبقى حارسًا لذاكرة لن تعود بسهولة.
قالوا لي لاحقًا: “ستجدين بيتًا آخر”.
سألتهم: “والليمون؟ والعصفور؟”
لم يجب أحد، لأنهم يعرفون أن البيوت قد تتشابه، أما الأوطان فلا.
في المنفى، كلما هبّت ريح، أحمل في أنفاسي رائحة ليمون غامضة. أحيانًا، في عمق الليل، أسمع زقزقة خافتة، فأدرك أنه ما زال هناك، في مكانه، يحرس بيتًا تركناه، ويؤمن أكثر منا أننا سنعود.
أما أنا، فلم أعد أعرف أين أسكن. لكنني أعلم يقينًا أن قلبي لم يرحل… لقد بقي معلقًا هناك، على غصن، بجوار عصفور لم يغادر.












