تيهتُ… أم هي أقسمت ألّا تنسى؟
أنتِ، من تكونين؟
من أي بلد أتيتِ؟
وأيُّ سماءٍ احتضنتكِ؟
وأيَّ طريقٍ سلكتِ؟
كنتِ لدى السائل معروفةً، والآن أصبحتِ مهجورةً؛ لازمكِ الصمت، ولذعكِ الفراغ. كنتِ تحملين أعلى الدرجات، فوصفتكِ بأحسن الصفات، والآن، ما الذي جرى؟
بين عشيةٍ وضحاها، انعكس الجمال على شرايينكِ، ففجّرتِ صواريخ غضبكِ، وعانيتِ من فراق أحبّتكِ! استعملتِ اللفظ المعقّد، فلا يفهمه القريب ولا البعيد، ولم تعودي ترتدين أثواب الندى.
ركبتِ القطار دون معرفة نقطة الوصول، ولا هدف السفر، وأصبحتِ عقبةً في طريقي، لا يمكن تخطّيها إلا إذا تراجعتِ عن منهجكِ المشؤوم؟!
بحثتُ عنكِ في كل زمانٍ ومكان، وحسمتِ أمركِ دون استشارتي. ماذا فعلتُ بكِ يومًا؟
دقَّ جرس الزمن، ونادى فكرًا مستترًا، كان في غيبةٍ عن هذا الكون، غارقًا في النوم، لم يُبالِ بأي عاصفة، رغم حدّة السمع، في فترةٍ أوشك فيها على الانقراض. ولكن القدر نزل في فترة المطر.
ترى، من أنا؟
أنا شجرة الخريف، طافت بها الرياح من كل الجوانب، فجرّدَتني من كل ما يستر عورتي من أوراق، حتى الغصن الذي كان يخصبني فرَّ هاربًا، ليلازم مكانًا آخر، فما عليَّ الآن إلا الخضوع والاستسلام.
أصبحت زهرتي حبيسةً، تذرف دموع الندى. كانت الفراشة تمصُّ رحيقها في الربيع، والآن جعلني الخريف قصةً مكتوبةً على أوراقي الصفراء، فغادرني بستاني، وأفقدني جمالي!
فمن أكون؟
أنا تلك الطفلة الصغيرة، أمسك شمعةً بريئة، تهتُ عن مخدع أمي، وأصبحتُ في ظلمة الليل، يلفّني فتورٌ آخره، ومن حولي عالمٌ من الأشياء الغامضة. أقبلت أصواتٌ غريبة، لا أعرف لها أصلًا ولا اتجاهًا، فصاحَبني الخوف والاضطراب.
أسعى إلى المقاومة، ولكن دون جدوى، إذ فقدتُ جناحي. أسرعتُ بخطًى غريبة الأطوار، كأن شبحًا يطاردني، والريح تعيدني مرةً واثنتين إلى الوراء، حتى النوم لم يعد من ضرورياتي.
إذن، فمن أكون؟
أنا… لازمتني فترةٌ من فترات الدهر، فانقطعت أسلاك الضوء، وتحول نور مصباحي إلى بخارٍ سابحٍ في الفضاء، يطلب النجدة من قائد السماء، لعلّه يستجيب للنداء!
فلم أرَ إلا جهاز الاستقبال، تحمله أيدي أحد الأبطال، أراد فتح أبواب الديار، لكنه سرعان ما فقد حركة التحكّم، وتراجع عن خطاه.
فوقي سكونٌ قاتل، في مكانٍ مهجور، به شارعٌ بعيد عن أعين الناظرين، وأزقّةٌ ضيقة، وجدرانٌ متعالية، ومساكنٌ بها غرفٌ منزوية، تدفعها بوهجٍ جديد إلى حرية الفضاء والخروج من قيود البساط.
فهل عرفتموني؟ فمن أنا؟
وهذا جوابٌ عن سؤالٍ أتلقّاه دائمًا: ما أسباب الكتابة؟
لطيفة خجالي
المغرب












