الشاعرة والروائية اللبنانية دلال رسلان موسى…حاورتها جميلة محمد بندر
………………
في المشهد الأدبي اللبناني، ثمّة أصواتٌ لا تكتفي بأن تكتب، بل تجعل من الكتابة مساحةً لاكتشاف الذات، ومرآةً للإنسان، وذاكرةً للمكان. ومن جرود بعلبك، حيث تتكئ القصيدة على صلابة الأرض ودفء الحكاية، جاءت تجربة الشاعرة والروائية اللبنانية دلال رسلان موسى، حاملةً معها شغفًا قديمًا بالحرف، بدأ منذ سنواتها الأولى، ثم اتسع عبر الشعر والنثر والرواية والعمل الثقافي والإعلامي.
تجربةٌ تتنقّل بين القصيدة والرواية، وبين الفصحى والمحكية، وتراكمت فيها الإصدارات والمشاركات والجوائز، لتشكّل ملامح صوتٍ أدبيّ يواصل البحث عن مساحته الخاصة في المشهد الثقافي اللبناني. ولم تقتصر تجربتها على الكتابة الإبداعية، بل امتدت إلى العمل الثقافي والتحرير والمقابلات والمقالات، لتكون الكلمة عندها فعلًا إبداعيًا وحضورًا ثقافيًا في آن.
من «برواز الضو» و«أرجوحة المعنى» إلى «الشرنقة» و«شاهزنان»، وصولًا إلى أعمالها المنتظرة، تبدو الكتابة عند دلال رسلان موسى رحلةً مفتوحة لا تتوقف عند كتاب، ولا تنتهي عند نص، بل تستمر في مساءلة المعنى والإنسان والحياة.
من هنا كان لمجلتنا،
“مجلة أزهار الحرف” معها هذا الحوار ، لنقترب أكثر من تجربتها، ونستعيد البدايات، ونتوقف عند محطات الكتابة، ونقرأ ما وراء النصوص، ونسألها عن الشعر والرواية، وعن المكان الذي تنتمي إليه، وعن المرأة التي تكتب، وعن مشاريعها القادمة، وما الذي تخبئه الأيام لحبرٍ ما زال يواصل طريقه.
حاورتها جميلة محمد بندر
…………………
1. من جرود بعلبك بدأت الحكاية، ومنذ المرحلة المتوسطة رافقك الشعر والنثر. ماذا تتذكرين من تلك البدايات؟ ومتى شعرتِ للمرة الأولى أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل طريقًا ستسلكينه طويلًا؟
بدأت الكتابة عندي قبل أن أعرف أن لها اسمًا، وقبل أن أفكر في أن أكون شاعرة أو روائية. كنت أكتب لأن في داخلي كلامًا أكبر من عمري، ولأنني كنت أجد في الورقة المساحة الوحيدة التي لا أحتاج فيها إلى أن أشرح نفسي. من جرود بعلبك أخذت صلابة المكان وذاكرته، ومن وحدتي الأولى مع الورق أخذت علاقتي بالحرف. ومع الوقت فهمت أنني لا أكتب لأنني أريد أن أكون كاتبة، وإنما لأنني لا أستطيع أن أكون أنا من دون الكتابة. عندها تحديدًا أدركت أن الأمر لم يعد هواية؛ صار قدرًا أدبيًا اخترته، واخترته بكامل إرادتي.
2. أنتِ خريجة إدارة أعمال، بينما اختارت روحك الأدب والشعر والرواية. كيف التقت لغة الأرقام والإدارة بلغة المجاز والخيال؟ وهل أفادتك دراستك الأكاديمية في تجربتك الأدبية والثقافية؟
أنا لا أؤمن بأن الإنسان يجب أن يُختصر في اختصاصه الجامعي. إدارة الأعمال أعطتني أدوات في التنظيم والتخطيط وإدارة المشاريع، والأدب أعطاني ما لا تستطيع الأرقام أن تمنحه: القدرة على رؤية الإنسان من الداخل. وربما لهذا أحب الجمع بين المجالين؛ لأن الكتابة بالنسبة إليّ ليست فوضى عاطفية، وإنما بناء يحتاج إلى هندسة دقيقة، حتى حين يبدو للقارئ عفويًا. أنا أكتب بإحساسي، لكنني أبني النص بعقل يعرف أين يضع كل كلمة ولماذا.
3. شاركتِ في أمسيات شعرية في بعلبك وبيروت وجبل لبنان. ماذا أضافت لكِ مواجهة النص بالجمهور؟ وهل يتغير النص الشعري حين ينتقل من الورق إلى صوت الشاعرة وإصغاء المتلقي؟
القصيدة التي تخاف من صوت صاحبها لا تزال ناقصة. مواجهة الجمهور علمتني أن النص لا يعيش في الورق وحده، وأن الشاعر حين يقف أمام الناس يختبر قوة ما كتب فعلًا. أنا لا أبحث عن التصفيق، بل عن تلك اللحظة التي أعرف فيها أن جملة ما وصلت إلى مكان عميق في أحدهم. بالنسبة إليّ، الجمهور ليس ميزانًا يقرر قيمة النص، لكنه مرآة تكشف لي أحيانًا ما لم أره وأنا أكتب.
4. من «برواز الضو» و«أرجوحة المعنى» عام 2022 إلى رواية «الشرنقة» عام 2023، ثم ديوان «شاهزنان» عن دار ميرزا؛ نلاحظ انتقالًا بين أجناس أدبية مختلفة. هل أنتِ التي تختارين الشكل الذي يليق بالفكرة، أم أن الفكرة نفسها تفرض عليكِ إن كانت قصيدة أم رواية؟
أنا لا أُدخل الفكرة إلى قالب جاهز. أتركها تنمو حتى تكشف لي شكلها. القصيدة عندي ليست رواية قصيرة، والرواية ليست قصيدة طويلة، ولكل جنس أدبي منطقه وأدواته. لذلك لا أحب أن أُحاصر نفسي في خانة واحدة. الكاتب الذي يخاف من الانتقال بين الأشكال قد يتحول مع الوقت إلى نسخة مكررة من نفسه، وأنا أكثر ما أخشاه أدبيًا أن أكتب النص نفسه بأسماء مختلفة.
5. عنوان «أرجوحة المعنى» يحمل مساحة واسعة من التأويل، بينما «الشرنقة» توحي بالتحول والانغلاق والولادة الجديدة، و«شاهزنان» يحمل نبرة مختلفة. إلى أي مدى يشغلكِ اختيار العنوان؟ وهل تعتبرينه عتبةً للنص أم جزءًا من بنيته الداخلية؟
أنا أتعامل مع العنوان كما أتعامل مع أول جملة في النص: لا أريده زائدًا. العنوان الجيد لا يشرح الكتاب، وإنما يفتح فيه نافذة. أحيانًا أختار عنوانًا يعرف القارئ معناه بعد أن ينتهي من العمل، لا قبله. لذلك العنوان عندي ليس زينة على الغلاف، وإنما طبقة أولى من طبقات النص، وقد يكون أحيانًا مفتاحًا لا يكتشف القارئ وظيفته إلا في الصفحة الأخيرة.
6. لديكِ مجموعتان قيد الطبع، إحداهما بالمحكية اللبنانية والأخرى بالفصحى. ماذا تمنحكِ المحكية لا تمنحكِ إياه الفصحى، وماذا تأخذين من الفصحى حين تريدين التعبير عن تجربة لا تحتمل إلا لغتها؟
أنا لا أضع الفصحى والمحكية في صراع، لأنني لا أكتب اللغة لأثبت انتصاري عليها؛ أكتبها لأصل إلى التجربة بأصدق صورة. المحكية اللبنانية تحمل حرارة المكان والشارع والبيت والذاكرة، وفيها نبض لا يمكن تقليده بالفصحى. والفصحى تمنحني اتساعًا لغويًا وجماليًا يسمح لي بالذهاب إلى مناطق أكثر تجريدًا وتأملًا. أحيانًا أعرف أن النص يجب أن يُكتب بالمحكية قبل أن أعرف ماذا سأقول، وأحيانًا تكون الفصحى هي اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تحمل ثقل الفكرة. اللغة عندي ليست قرارًا خارجيًا؛ هي جزء من هوية النص.
7. عملتِ سابقًا مدرّسة للغة العربية. كيف أثّرت مهنة التعليم في علاقتك باللغة وفي نظرتك إلى الجيل الجديد؟ وهل ترين أن المعلّم الذي يكتب يقرأ طلابه بطريقة مختلفة؟
التعليم جعلني أتعامل مع اللغة بوصفها كائنًا حيًا، لا مادة مدرسية فقط. علّمني أيضًا أن أستمع قبل أن أحكم، وأن أبحث عمّا وراء الكلمات. والكاتب الذي يعمل في التعليم يكتشف مبكرًا أن كل جيل يعيد تعريف اللغة بطريقته. أنا لا أخاف من تغيّر اللغة، لكنني أخاف من أن نفقد قدرتنا على استخدامها بوعي. التجديد جميل حين يكون معرفة، أما حين يكون عجزًا عن امتلاك اللغة فهو شيء آخر.
8. حصلتِ على الجائزة الأولى في مسابقة إلياس أبو شبكة لعامين متتاليين، 2022 و2023. ماذا تعني لكِ هذه الجائزة على المستوى الشخصي والأدبي؟ وهل تشعرين أن الجائزة تمنح الكاتب ثقة أكبر، أم أنها تضع أمامه مسؤولية المحافظة على المستوى نفسه؟
الجائزة أسعدتني، بالتأكيد، لكنني لا أسمح لأي جائزة أن تعرّفني. الفوز لحظة، أما المشروع الأدبي فهو سنوات. الجائزة يمكن أن تقول إن نصًا ما وصل إلى مكانه الصحيح، لكنها لا تستطيع أن تضمن للكاتب نصه التالي. لذلك أتعامل معها كتقدير جميل لمسار قطعته، لا كوسام أعلقه على كتفي وأتوقف بعده عن المشي. الكاتب الحقيقي لا يعيش على ما أنجزه؛ يعيش على ما لم يكتبه بعد.
9. إلى جانب الكتابة، لديكِ حضور في المقابلات والمقالات، واهتمام بالتحليل السياسي والعمل الثقافي. كيف توازنين بين صوت الشاعرة، الذي يحتمل التأويل، وصوت الكاتبة في المقال والتحليل، الذي يحتاج إلى وضوح وموقف ومعطيات؟
أنا أغيّر أدواتي، لكنني لا أغيّر جوهري. في الشعر أترك مساحة للظل، وفي المقال أضيء الفكرة. في التحليل لا أستطيع أن أختبئ خلف المجاز، لأن المعلومة مسؤولية، والموقف مسؤولية، والكلمة مسؤولية. ربما لهذا أحب العمل في المساحات المختلفة؛ لأنها تمنعني من أن أتحول إلى صوت واحد. الشاعرة في داخلي تحب السؤال، والكاتبة الصحافية تريد الإجابة، وأنا أحتاج الاثنين معًا.
10. تشغلين اليوم منصب رئيسة تحرير الصفحة الثقافية والفنية في مجلة «كواليس». كيف تنظرين إلى مسؤولية المحرر الثقافي في زمن تتسارع فيه وسائل النشر، وتختلط فيه القيمة الأدبية بسرعة الانتشار؟ وما الذي تبحثين عنه في النص قبل أن تمنحيه مساحة للنشر؟
أعتقد أن أخطر ما حدث للثقافة هو أن أصبح عدد المشاهدات يُعامل أحيانًا كأنه معيار للقيمة. الانتشار لا يعني الجودة، كما أن قلة الوصول لا تعني ضعف النص. في عملي التحريري أبحث عن شيء لا يمكن قياسه بالأرقام: هل لهذا النص صوت؟ هل وراءه تجربة؟ هل يضيف شيئًا أم يعيد تدوير ما قيل؟ لا أحب النصوص التي تتوسل الانتباه؛ أحب النص الذي يفرض حضوره لأنه يستحق أن يُقرأ. والمحرر الثقافي، في رأيي، ليس بوابًا يمنح الشهرة، وإنما مسؤول عن حماية مساحة الأدب من الاستسهال.
11. نصل إلى مشروعك الروائي الجديد «ما بين موتين»… ما الذي كان الشرارة الأولى التي جعلتك تكتبين هذه الرواية تحديدًا؟
بدأت الرواية من سؤال عن الإنسان حين يفقد القدرة على الوثوق بذاكرته، ثم أخذ السؤال يقودني إلى الحب والخداع والحقيقة. لم أكن أريد أن أكتب قصة حب تقليدية، ولا رواية غموض منفصلة عن الإنسان. أردت أن أضع الشخصيات أمام حقيقة لا يستطيعون الهروب منها، ثم أراقب ماذا يفعل الحب حين تتغير صورة الماضي. ومع الوقت، لم تعد الرواية مجرد حكاية أكتبها؛ أصبحت عالمًا كاملًا اضطررت أنا نفسي إلى الدخول فيه حتى النهاية.
12. في الرواية، تجمعين بين سراج وجوري، وبين علاقة معقدة تتداخل فيها الأخوّة والحب، والحقيقة بالخداع. لماذا اخترتِ هذه المنطقة النفسية والعاطفية الملتبسة؟
لأن العلاقات الإنسانية الحقيقية لا تأتي دائمًا بخطوط مستقيمة. أكثر ما يهمني في الشخصيات هو المنطقة التي تتناقض فيها مع نفسها. الحب حين يكون سهلًا لا يمنحني الكثير ككاتبة؛ ما يهمني هو الحب حين يُختبر، حين تصطدم العاطفة بالحقيقة، وحين يكتشف الإنسان أن الشخص الذي ظن أنه يعرفه يخفي عنه جزءًا من حياته. سراج وجوري لم يكونا بالنسبة إليّ مجرد عاشقين؛ كانا اختبارًا لفكرة: ماذا يبقى من الحب حين تتغير الحقيقة التي بُني عليها؟
13. سراج يحمل سرًا، ثم يفقد جزءًا من ذاكرته، وجوري تعيش حياة مبنية على «حقيقة ناقصة». هل الذاكرة في الرواية مجرد عنصر من عناصر الحبكة، أم أنها شخصية خفية تتحكم في مصائر الأبطال؟
الذاكرة واحدة من الشخصيات غير المرئية في الرواية. هي التي تعرف أكثر مما يعرفه الأبطال، لكنها لا تتكلم دفعة واحدة. كنت أتعامل معها كقوة تستطيع أن تمنح الشخصية هويتها، ثم تسلب منها جزءًا من تلك الهوية. لذلك فقدان الذاكرة عند سراج ليس حيلة روائية، وإنما سؤال وجودي: إذا فقد الإنسان ماضيه، فهل يبقى الشخص نفسه؟
14. في «ما بين موتين» تظهر لوحة تحمل الرقم «13»، ومافيا تبحث عن سر مجهول، وذكريات تتكسر تباعًا. كيف بنيتِ هذا الجانب الغامض والتشويقي؟
أحب الغموض الذي يُبنى، لا الغموض الذي يُفتعل. لذلك لم أضع الأسرار كي أُربك القارئ، وإنما جعلت لكل سر جذورًا في مكان آخر من الرواية. الرقم 13 واللوحة وما يرتبط بهما ليس مجرد لعبة تشويقية؛ هناك معنى أكبر يتكشف بالتدريج. أصعب ما في كتابة الغموض ليس أن تخفي المعلومة، وإنما أن تعرف متى تكشفها، وماذا سيحدث للقارئ بعد أن يعرفها.
15. عنوان الرواية «ما بين موتين» لافت ويحمل أكثر من احتمال. ماذا يعني العنوان لكِ أنتِ؟
العنوان عندي يحتمل الموت الحقيقي والموت الرمزي: موت إنسان، موت ذاكرة، موت علاقة، أو موت نسخة كاملة من الإنسان ليولد شخص آخر. نحن أحيانًا لا نعيش بين حياتين، وإنما بين موتين؛ بين شيء انتهى وشيء لم يبدأ بعد. ولهذا اخترت العنوان. أما المعنى الأخير، فأتركه للقارئ، لأنني لا أحب أن أصادر حقه في اكتشاف الرواية بطريقته.
16. تقولين إن الرواية تتحدث عن «الحب حين يصطدم بالذاكرة، وعن الحقيقة حين تصبح أثقل من أن تُقال». هل ترين أن بعض الحقائق يمكن أن تكون أكثر قسوة من الكذب؟
بالتأكيد. الحقيقة ليست فضيلة سهلة دائمًا. هناك حقائق لا تقتل الإنسان لحظة معرفتها فقط، وإنما تعيد تفسير سنوات كاملة عاشها بطريقة مختلفة. والكذب قد يبني وهمًا طويلًا، لكن الحقيقة حين تأتي قد تهدم الوهم وكل ما استند إليه. لهذا لا أتعامل مع الحقيقة في الرواية كشيء أبيض والكذب كشيء أسود؛ أحيانًا السؤال الأصعب هو: هل نحن مستعدون لمعرفة الحقيقة التي نطالب بها؟
17. يبدو أن جوري تبدأ كشخص يحاول فهم ما يحدث، ثم تتحول إلى مفتاح لقصة أكبر منها. هل أردتِ لها أن تكون مجرد شخصية داخل الأحداث؟
جوري ليست مجرد شخصية تمرّ في الرواية. هي واحدة من المفاتيح الأساسية لفهم ما يحدث، لكنها لا تمتلك الحقيقة كاملة منذ البداية. وهذا مهم بالنسبة إليّ؛ لأنني لا أريد بطلة تعرف كل شيء، وإنما امرأة تكتشف الحقيقة وهي تتغير معها. كل إجابة تحصل عليها جوري تفتح سؤالًا آخر، وكلما اقتربت من الحقيقة، اكتشفت أن عليها أن تعيد النظر في نفسها أيضًا.
18. وأنتِ تكتبين رواية تقوم على الذاكرة المفقودة والأسرار والوجوه القديمة، كيف تعاملتِ مع بناء الشخصيات نفسيًا؟
لا أستطيع كتابة شخصية لا أفهم دوافعها. حتى الشخصية التي ترتكب خطأً كبيرًا أحاول أن أعرف من أين جاء خطؤها. هذا لا يعني أنني أبرر أفعالها، وإنما أفهمها ككاتبة. وأحيانًا أتعلق بشخصية أعرف أنها تخفي شيئًا عن القارئ، لأنني أعرف ما لا يعرفه هو. وهذه واحدة من أكثر لحظات الكتابة قسوة ومتعة في الوقت نفسه: أن تعرف مصير الشخصية بينما هي ما زالت تظن أنها تملك خيارًا آخر.
19. بعد «ما بين موتين»، ومجموعتيك المرتقبتين بالمحكية والفصحى، ماذا بقي لديكِ من الحكايات التي لم تُكتب بعد؟
بقي الكثير، وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يطمئنني إلى أنني ما زلت في البداية. كل كتاب أنجزه يحرر في داخلي مساحة لكتاب آخر. لا أعتقد أنني أكتب اليوم النص الذي كنت أبحث عنه في بداياتي؛ أعتقد أنني أصبحت أبحث عن نص أصعب. الكاتب الذي يجد الإجابة النهائية يتوقف، وأنا لا أريد أن أتوقف. أريد أن تبقى الكتابة بالنسبة إليّ سؤالًا مفتوحًا، وأن يكون كل عمل جديد أكثر جرأة من السابق.
20. ما رأيكِ في الملتقيات الشعرية والثقافية اليوم؟ وماذا يمثّل لكِ ملتقى الشعراء العرب الذي يرأسه الأستاذ الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد؟
الملتقيات الثقافية مهمة حين تكون أكثر من صور جماعية وشهادات ومجاملات. قيمة أي ملتقى تُقاس بما يتركه في التجربة الأدبية بعد انتهاء اللقاء. نحن في زمن يستطيع فيه أي شخص أن ينشر نصه خلال دقائق، ولذلك أصبح الحوار الحقيقي بين الأدباء أكثر ضرورة، لا أقل.
أما ملتقى الشعراء العرب، فأراه مساحة للتواصل بين أصوات عربية مختلفة، وهذا بحد ذاته قيمة ثقافية مهمة. وأقدّر للأستاذ الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد جهده في جمع الشعراء وتوسيع مساحة اللقاء بينهم. وأؤمن أن الأدب العربي يحتاج إلى جسور بين تجاربه، لا إلى جزر منفصلة. فالكاتب لا يكبر بكثرة من يصفق له، وإنما بكثرة ما يقرأ، وما يختلف معه، وما يكتشفه خارج حدود تجربته.
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف













