#تزييف
ليس أخطر ما في الكذبة أنها تُقال…
بل أنها تُكتب حتى تصبح ذاكرة.
ليس الزيف أن تُقال الكذبة،
بل أن تُعاد صياغتها حتى تبدو كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
هناك من لا يكتفي بتغيير الوقائع،
بل يعيد ترتيب الذاكرة ذاتها،
يقتطع من الزمن ما يشاء،
ويُلصق ما لا ينتمي،
ثم يقف بثقة من يملك التاريخ،
ليقول: “هكذا كان… وهكذا يجب أن يُروى.”
الزيف لا يعيش في الظل كما نظن،
بل يزدهر في الضوء حين يصفّق له الجمع،
ويكبر كلما وجد من يردده دون أن يسأل،
أو من يصدّقه لأنه أسهل من الحقيقة.
في الأزمنة المرتبكة،
لا تُقتل الحقيقة دفعة واحدة،
بل تُستبدل تدريجيًا،
يُخفَّف وزنها،
تُشوَّه ملامحها،
حتى تصبح غريبة على أهلها،
وكأنها دخيلة على المكان الذي وُلدت فيه.
ثم يظهر المزيفون…
لا ككذّابين،
بل كحرّاس رواية،
يحملون نسخًا مُنقّحة من الماضي،
يمحون منها ما لا يخدمهم،
ويُضخّمون ما يبرّر وجودهم،
حتى يبدو الخراب وكأنه قدر،
ويُعاد تعريف النهوض كخطأ تاريخي.
هم لا يسرقون الحقيقة فقط،
بل يسرقون حق الناس في تذكّرها.
وفي لحظة ما،
يصبح من عاش الوقائع متهمًا،
ومن لم يرَ شيئًا شاهدًا،
وتتحول الذاكرة إلى ساحة نزاع
بين ما حدث…
وما يُراد له أن يكون قد حدث.
لكن الحقيقة، مهما طال تزييفها،
لا تموت.
قد تُؤجَّل، تُهمَّش، تُحاصر،
لكنها تبقى كامنة
في تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها المزيفون،
في ذاكرة طفل،
في صمت عجوز،
في حنينٍ لا يجد تفسيرًا.
لأن الزيف، مهما أتقن أصحابه صناعته،
يبقى هشًّا…
يخاف من سؤال بسيط،
ومن ذاكرة لم تُباع،
ومن إنسان قرر أن يرى
لا أن يُرى له.
أخيرا….
” لا ينهار الزّيف حين يُفضَح،
بل حين يتعب النّاس من تصديقه ”
بقلمي : منال سلمان













