ثمة أشخاص لا يمكن اختزالهم في مهنة واحدة؛ لأن مسيرتهم تتجاوز حدود التعريف التقليدي. وحين يلتقي الطب بالأدب، لا يكون اللقاء مصادفة، بل امتدادًا لرؤيةٍ تؤمن بأن الإنسان هو جوهر كل رسالة، سواء أكانت تُلامس جسده أم روحه.
ضيف هذا الحوار مع مجلة أزهار الحرف، اختار أن يحمل المشرط بيد، والقلم بالأخرى، فكان في الأولى طبيبًا يداوي الألم، وفي الثانية روائيًا يفتش عن أسبابه ومعانيه. لم يكتب عن الإنسان من خارج تجربته، بل اقترب من هشاشته وأسئلته وصراعاته، فبدت شخصياته نابضة بالحياة، لا تُقرأ بوصفها حكايات عابرة، بل بوصفها مرايا لواقعٍ يزداد تعقيدًا.
في رواياته، يحضر الإنسان قبل الفكرة، وتسبق الحقيقةُ الأحكامَ، لذلك جاءت أعماله محمّلةً بالأسئلة أكثر من الأجوبة، ومفتوحةً على قضايا اجتماعية وفكرية وإنسانية شائكة، تناولها بجرأةٍ هادئة، بعيدًا عن الإثارة المجانية، وقريبًا من نبض الواقع وتعقيداته.
في هذا الحوار، نقترب من الدكتور أشرف المسمار، الطبيب الذي وجد في الأدب امتدادًا لرسالته الإنسانية، والروائي الذي لم يفصل يومًا بين العلم والإبداع، لنتحدث معه عن رحلته بين غرف المستشفيات وصفحات الرواية، وعن رؤيته للكتابة، وللإنسان الذي ظلّ، في النهاية، بطل الحكاية الأولى والأخيرة.
حاورته جميلة بندر
………………………..
1.عرفك الجمهور طبيبًا جرّاحًا للعظام، ثم عرفك روائيًا يحمل مشروعًا إنسانيًا واضحًا. كيف يعرّف أشرف المسمار نفسه بعيدًا عن الألقاب والمناصب؟
-بداية كل الشكر لك ولازهار الحرف والمتابعين والقراء.
أنا إنسان بسيط أسعى للسلام النفسي أولًا، الطب مهنتي التى أحب رغم صعوباتها، والكتابة ربما أسلوب حياة تترجم الكثير من التفاصيل اليومية والهواجس النفسية للمرء والمجتمع.
2.جمعت بين مهنة الطب والعمل البلدي والنشاط الثقافي، إلى جانب الكتابة الروائية. كيف استطعت أن تحافظ على هذا التوازن دون أن يطغى جانب على آخر؟
-عكس ما يعتقد ويصرح الكثيرون، جميعنا لدينا الوقت لنفعل الكثير مما نسعى إليه، ينقصنا فقط التنظيم وحسن أدارته. ومن هنا يبدأ التوازن بين الطب والكتابة ولا شك أنهما متداخلان بشكل كبير، او لنقل لا شك ان الطب وشخصيتي كطبيب حاضرة في جميع كتاباتي.
3.هل كانت الكتابة حلمًا مؤجلًا منذ سنوات الدراسة، أم أنها وُلدت من احتكاكك اليومي بالناس وتجاربهم في العيادة والمستشفى؟
-لا اعتقد انها كانت حلمّا مؤجلًا، لم يخطر لي يومًا أن أُصدر كتابًا رغم كثرة قراءاتي منذ الطفولة. ربما كانت نتيجة صدمة ايجابية لحدث خاص، ودعم وتشجيع خاص. هكذا كانت البداية وبعدها كان إغراء الكتابة ولذتها. وهكذا ولدت “مدى قبلة”
4.بصفتك جرّاح عظام، أنت تتعامل يوميًا مع الألم الجسدي، بينما تتعامل في الرواية مع الألم النفسي والوجودي. أيهما أكثر تعقيدًا من وجهة نظرك؟
-للأسف الألم ألم، بغض النظر عن كونه جسديًا أو نفسيًا، الأول أكثر ظهورًا والثاني أكثر تأثيرًا وديمومة. ويقينًا هذا الاخير هو الاصعب.
5.شاركت في مؤتمرات علمية دولية، وفي الوقت نفسه حضرت في المشهد الثقافي العربي روائيًا. ماذا أضاف كل عالم إلى الآخر؟ وهل أغنى الطبيبُ الكاتبَ، أم العكس؟
-نبدأ من النهاية، بالنسبة لي الطب أغنى الكتابة، أظن أشرف الطبيب حاضر في الرواية أكثر من العكس. حضر كأحد شخصيات الرواية أيضًا، في “مدى قبلة” و”سرير الغواية”.
عادة ما يكون الطب والطبيب أكثر جديّة وواقعية، والأدب والرواية أكثر خيالًا واتساعًا.
هذا المزج بينهما يصنع للتوازن.
6.صدرت لك أربع روايات، تناولت الحب، والخيانة، والهوية، والتحولات الاجتماعية، ثم التوحّد. ما الذي يجمع هذه الأعمال رغم اختلاف موضوعاتها؟
-يجمع بينها الصراعات النفسية المعقدة للذات البشرية. المرأة في “سرير الغواية”، التحول الجنسي في “ثالث ثلاثة”، والتوحد في “مختلف”
ورغبتي في اختيار مواضيع غير مطروقة ومستهلكة في الأدب الروائي.
7.في «مختلف» لا يبدو حيّان مجرد بطل روائي، بل كأنه رؤية فلسفية للاختلاف. هل أردتَ أن تكتب عن اضطراب طيف التوحّد، أم عن المجتمع الذي ما زال يعجز عن استيعاب المختلف؟
-النية كانت تناول هذا الاضطراب، وتعريف الناس بتفاصيله وخصوصيته. وتحصيل حاصل المجتمع وإن كان هو المشكلة الرئيسية إذا صح التعبير. المختلف، أو المصاب بالتوحد لا مشكلة لديه مع المجتمع. له عالمه الخاص الذي يعجبه ربما، ولكن المجتمع من يجد مشكلة مع المختلف وحتى مع عائلته.
8.يبدأ العمل من ذروة النجاح، من منتدى دافوس، ثم يعود إلى الطفولة. لماذا اخترت أن تكشف النهاية أولًا، ثم تجعل القارئ يكتشف الطريق إليها؟
-لا أعتقد أني كشفت النهاية، بل ربما كانت مدخلًا غامضًا يترك أسئلة كثيرة عند القارئ. ناهيك عن بعض الرمزية في اختيار دافوس، ومجتمع النافذين، والنجاح.
يتشابه أسلوب “مختلف” بأسلوب “ثالث ثلاثة”، حبكة دائرية، بمعنى تنتهي الرواية من حيث بدأت بعد أن تتضح كل الأمور الغامضة ويجاب عن الاسئلة التي قد يطرحها القارئ.
9.حيّان لا ينتصر على التوحّد بقدر ما يتصالح معه. هل تؤمن أن الإنسان لا يصبح استثنائيًا عندما يتخلّى عن اختلافه، بل عندما يحسن توظيفه؟.
-حيّان كان مصابًا بالتوحد، وهذا ما جعله مختلفًا.
وكما بدأت في الاهداء. كلنا مختلفون يقينًا. التميز في الاختلاف. لا في التشابه والتساوي.
10.الرواية لا تطلب من حيّان أن يشبه الآخرين، بل تدعو المجتمع إلى مراجعة نظرته للمختلف. هل يمكن اعتبار «مختلف» دعوة لإعادة تعريف مفهوم “الطبيعي”؟
-دون شك، هذا صحيح.
لي عبارة في رواية سرير الغواية، أو لنقل فكرة ولدت عندي نتيجة حادث شخصي معين. وهي التالية:
ماذا لو كان من يحدد الصح والخطأ ، أصلا هو خطأ!
ماذا لو كان ما نعتبره “صح” هو وجة نظر أحدهم!
ماذا لو كان “الصح” يختلف حسب الزمان والمكان! وربما الأشخاص!
11.يحتل الفن مساحة لافتة في الرواية؛ فالأب نحّات، والأم فنانة تشكيلية، وحيّان يجد في الرسم والعمارة لغته الخاصة. ماذا أردت أن تقول من خلال هذا الحضور الفني؟
-اولًا أنا أحب هذا الفن، ولي تجارب متواضعة مع الرسم. ولا شك أن الفن يهذب ذوق الانسان، ويحسن المزاج. والكتابة نفسها، أو الرواية هي فن. إذا فهذا الحضور الفني هو تكامل في جمالية الكتابة.
في “سرير الغواية” لوحة ورسم، حتى في روايتي “ثالث ثلاثة”، كان الرسم حاضرًا، ومشهد الرسم كان مؤثرًا جدا في سياق الرواية، وأحد نقاط الذروة والتحول فيها.
إن حضر الفن في رواياتي، فلكل حضور سياق مختلف. وتأثير مُرجى، وتوظيف مقصود.
12.وصفت برشلونة وكنيسة ساغرادا فاميليا ومنتدى دافوس بتفاصيل دقيقة. هل تؤمن بأن المكان في الرواية يؤدي دور الشخصية، وليس مجرد خلفية للأحداث؟
-أنا أحب الأماكن، والسفر، وتقريبًا كل الأماكن في رواياتي أعرفها وقد زرتها ولي فيها صور أو ذكريات. ولا شك أن المكان له دور كالشخصيات وليس مجرد خلفية للأحداث.
ففي روايتي السابقة ثالث ثلاثة، سوريا وبرلين، لا شك هما مؤثران بمستوى تأثير الشخصيات.
وبرشلونة. غاودي وبيكاسو، لا تنفصلان عن حيان المهندس وعائلته الفنية.
13.خبرتك الطبية تمنحك معرفة دقيقة بالنفس البشرية من زاوية علمية. إلى أي مدى تتدخل هذه الخبرة في بناء شخصياتك الروائية؟
-هذه الفكرة كثيرًا ما انتقدت عليها، وبشكل سلبي. فبدت بعض فصول الرواية باسلوب تقريري أو طبي، ومن جهتي الشخصية لا يزعجني ذلك. أحب الرواية التي تقدم معلومة أو ثقافة أكثر من الرواية التي تكون أشبه بالقص الحكائي.
14.لم تعتمد في «مختلف» على إثارة عاطفة القارئ فحسب، بل قدمت معرفةً وإنسانيةً في آنٍ معًا. هل ترى أن الرواية تستطيع أن تؤدي دورًا توعويًا دون أن تفقد قيمتها الفنية؟
-للرواية دور تثقيفي، وتعليمي، وربما علاجي أيضًا، ذكرت شيءً من ذلك.
أكثر من كونها حكاية أو قصة تقدم حبكة وأحداث.
15.في أعمالك السابقة اقتربت من قضايا شائكة مثل الهوية والتحولات الاجتماعية، وفي «مختلف» تناولت التوحّد. ما الذي يدفعك إلى اختيار هذه المساحات الحساسة تحديدًا؟
-أسعى لاختيار مواضيع أجدها مهمة ولا بد.من طرحها. ومن جهة أخرى لا بد من الخروج عن المكرر. أو أسعى لأكون “مختلف”.
16.بعد أن يغلق القارئ الصفحة الأخيرة من «مختلف»، ما الفكرة أو السؤال الذي تتمنى أن يرافقه طويلًا؟
-المختلف ليس متخلف، ولعل في هذا التجانس اللفظي عمق. والفكرة الأخرى هل يجب أن يدخل هذا المختلف إلى عالمنا أو نذهب نحن إلى عالمه؟
17.بعد هذه الرحلة التي جمعت بين الطب والإبداع، ما المشروع الذي يشغل الدكتور أشرف المسمار اليوم؟ وهل ثمة رواية جديدة تُكتب في صمت؟
-ثمة رواية جديدة، بدأت في وضع قالب لكتابتها، وحتى بدأت بالفعل في الكتابة.
تتحدث عن الشر عند الإنسان، وهل هو أصيل في النفس البشرية؟ أو يحرضه ويظهره المجتمع والظروف و و و…
18.سبق أن حللت ضيفًا على صفحات مجلة «أزهار الحرف» في حوار ثقافي، وهي مجلة تُعنى بالأدب والفكر وتحتفي بتجارب المبدعين العرب. من واقع تجربتك، ما أهمية هذا النوع من المجلات الثقافية في دعم الكاتب الجاد، وحفظ مساحة للنقد والحوار في زمنٍ باتت فيه القراءة تواجه تحديات متزايدة؟
-في هذا المجتمع المبني على “نظام التفاهة” وليس هذا صدفة، تبقى الثقافة الجادة الهادفة القيمة هي الركيزة التي يجب أن يستند عليها المجتمع والإنسان للمضي قدمًا نحو الإنسان الإنسان.
19.تشارك في العديد من الندوات والفعاليات الثقافية، فما رأيك بملتقى الشعراء العرب برئاسة الشاعر والأديب ناصر رمضان عبد الحميد. وكيف تنظر إلى دور هذه الملتقيات في بناء جسور الحوار بين المبدعين العرب؟ وهل ما زالت قادرة على صناعة مشهد ثقافي مؤثر في ظل التحولات الرقمية المتسارعة؟
-أستعير شعر هشام الجخ: سئمنا من تشتتنا وكلُّ الناسِ تتكتّلُ
أتجمعنا يدُ اللهِ… وتُبعدُنا يدُ الفيفا؟ وغير الفيفا.
هذه الملتقيات. هي من مصاديق الأيدي التي تجمع وتبني جسور الحوار والود، وتصنع مشهد مؤثر فاعل يُبنى عليه.
——————
حاورته من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف













