حوار مع الأديب الشاعر والناقد السوري الأستاذ : فرحان الخطيب
عضو اتحاد الكتاب العرب
لمجلة أزهار الحرف المصرية الالكترونية
حاورَته من سورية الإعلامية : فوز أبو ترابي
مقدمة :
ـ الشاعر الأستاذ : فرحان الخطيب قامة وقيمة مهمة حاضرة بقوة على الساحة الثقافية في المشهد الثقافي المحلي و العربي نعتز به ونفتخر بتجربته الإبداعية الهامة المتنوعة الموسوعية .
أطلَّ علينا من تلة قريته شعف
شاعراً باذخاً بالجمال والعطاء مُجيداً مجدداً
يمزج الأصالة الشعرية بالحداثة ،رزيناً رصيناً كرصانة لغته الشعرية ، الشاعر المتفائل شعراً وحضوراً و إشراقاً
صوره الشعرية الفنية مفعمة بالحيوية و الحركة و الموسيقا واللون تنثر الفرح و الجمال والإبداع محبوكة بعناية فائقة كفسيفساء شعرية لونية موسيقية .
*شاعرنا أخضر العينين و اليد
شفيف الحرف و القلب و الروح
أنيس البوح والحضور ….
معطاء وارف العطاء ……
- يعشق اللون الأخضر كعشقه للأرض و أصالتها .
شاعر مجتهد متمكن من أدواته الفنية
كتب في كل صنوف الأدب والشعر و النقد
شعره مفعم بالحيوية والصور الناطقة باللون والجمال
حمَل في جعبته أصالة القرية وأخلاقها و جمالها وتفاصيلها الساحرة الزاخرة بالجمال
فمشاهدها الآسرة من ذهب شمس السنابل…
و ألوان الأزاهير المنوعة المعطرة الممتزجة بأغاني الحصادين والفلاحين ، حمل فرح الفلاح بجَني محصوله و ثمرة تعبه وألوان القرية المشرقة بكل مافيها من عبق وجمال و نغم وموسيقا ، سيمفونية أغاني الفلاح منذ بزوغ الفجر ..حتى غروب الشمس ..ورحلة عطاء وجهد وجمال لا تنتهي…. تماماً كسيمفونية شعره وفسيفساء قصائده المفعمة بكل هذا الغنى الجمالي اللغوي والفني والبصري …و قد عكسه في صوره و لوحاته المحبوكة بإتقان و عناية و المجدولة بذهب شمس الحصاد والعطاء
و نضار ذرات عرق الفلاح وفرحه بأرضه و تمسكه بها و صلابته مع صبره .بالإضافة إلى ثقافة موسوعية نعتز بها .
- لغته الشعرية جزلة و قصائده متينة الحبكة جيدة السبك .
*شاعرنا المبدع المتميز الأستاذ فرحان :
سنسافر معك عبر باقة أسئلة لونية في بحر الجمال ، و نغوص في أسرار شخصيتك و نسبر أغوارها منذ الطفولة حتى الآن !!
و نُعرٍّج على أهم ما كتبت ،
بالإضافة إلى بعض الآراء النقدية و الأدبية .
*أسئلة لونية من وحي كتابي * :
أولاً : كيف تقرأ الألوان بشكل عام في الطبيعة الخلابة حولنا بعين و بصيرة شاعر فنان مبدع ذواق للجمال باعتباره جزئية تغني الثقافة البصرية للمتلقي و جزئية هامة في الصورة الفنية الشعرية ؟
** بداية أرحب بك سفيرة لمجلة ” أزهار الحرف ” من بلد الجمال والحضارة والتاريخ مصر، وبعدها سندخل في الإجابات الملونة على أسئلتك اللونية الراهجة ، ولعل من أهم الأقانيم التي يشتمل عليها الشعر ” الصورة ” والصورة تجذب أبصارنا لاحتوائها على ألوان مختلفة، والطبيعة سخية بألوانها الأصيلة وتدرجاتها، وأينما يممت شطر عينيك ومشاعرك فإنك واجد اللون عنصراً حمّالاً للبهجة والجمال .
1- زاوية اللون الأخضر مرحلة الطفولة :
اللون الأخضر لون الحياة والعطاء و الاستمرارية
-كيف تقرأ اللون الأخضر ؟ و ما دلالاته بالنسبة إليك ؟
-حدثنا عن مرحلة الطفولة، بداياتك في الشعر و الكتابة ؟
ما أول قصيدة كتبتها ؟
- ما هو لونك المفضل وكيف جسدته في الشعر ؟
** الأخضر هو لوني المفضل، وأميل إليه كثيراً، لشعوري بأنه دليل نماء وولادة وحياة، وراحة نفس، قريتي ” شعف ” تلّة خضراء يعبق بالأريج سماؤها، تكللها أشجار اللوز والكرمة، هنا ولدت، هنا ما بين حقول القمح الخضراء المتماوجة توالدت مفردات القصيدة، على بساط أخضر سندسي ، وأنا أداورها محاولاً برعمتها ، فكان البيت والبيتان يتطلعان إلى أن يكونا قصيدة، وكانت فيما بعد، وقد حبانا الله اللون الأخضر ولادة، أسرتي كل عيونها خضراء، وحياتنا خضراء، وآمالنا خضراء.
نضجت قصيدتي نسبيا بعد البيت والبيتين في المرحلة الإعدادية ، وكان لي ديوان شعر مخطوط في المرحلة الثانوية، ما زلت محتفظاً به، وقصائده ما بين الوجداني والغزلي والوطني، وأول قصيدة نشرت لي ” الموت على بساط الخرافة ” ، أما أول قصيدة كتبت ، هي قصائد كثيرة وممزقة .
2- زاوية اللون الأحمر : لون القوة والطاقة و التمرد و الجاذبية في مرحلة الشباب و توقد الشخصية و نضج الموهبة الشعرية والإبداع .
ـ كيف تطورت موهبة الشعر لديك ؟
-كيف انعكست مشاهداتك منذ الطفولة على شعرك ؟
-ما أجمل مشهد طبيعي عالق في الذاكرة منذ الصغر ؟
هل جسدته في شعرك ؟
-هل حقّقتَ أحلام الشباب في الحياة والثقافة ؟
** لم أكن في سِنيْ مراهقتي مشاكساً، ولكنني كنت طموحاً، وأرسم طريق مستقبلي بصمت العارف إلى أين يمضي، كنت أخبىء أحلامي بجعبة مثابرتي، أمامي دائماً أسماء خالدة في التاريخ الأدبي أقرأ سيرتها بدهشة ورغبة، أفتش عن المحطات التي مرت بها، وغالباً ما أحفظها، أحاكيها وأناجيها في دروب حياتي التي سرت، كنت معجباً بهذه الشخصيات التي لم تمت بعد موتها، كنت شغوفا بقراءة أسباب حضورها الآن قادمة من التاريخ البعيد لتوقظ في الكلمة المدوية الآن، كل هذا منحني : أن من يجتهد ينجح، وبدأت أعرض على أساتذتي مُدرِّسي اللغة العربية ما أكتب، وألقى تشجيعهم دائماً، فصرت أصعد دراج الأدب بحذر، أستقي مادتي من بيئتي، وأجمل المشاهد ما كان من صباحات ندية مع والدي ووالدتي في الحقول والكروم وخيوط الشمس تنسل من ثوب الفجر لتغمر الدنيا ضياء مترافقاً مع صوت الحصادين وثغاء الماشية، وخشخشة سنابل القمح الصفراء، وقد تجسدت تلك المشاهد في العديد من قصائدي، وكتب النقاد حول تأثير البيئة والمحيط في شعري، كما في :
” .. أشتهي ما كانت الجدة تروي من حكايات الزمان ..!!
كيف مات الغول في بطن الفلاة ..!؟
كيف قامت دمعة السنبلة الخضراء تلهو ..!؟
فوق خدُ الصبح ..
يا الله ..ما أحلى الحياة !! ” .
وإذا كنت قد حققت أحلامي، الشاعر يموت وهو يحلم، ولكني حلمت أن أكون شاعراً منذ الطفولة، وأن أرى اسمي مكتوباً على صفحات الجرائد والكتب، وأن يقرأني الناس، فكان هذا، وما زال الحلم يبرعم في كل ربيع أزهار قصائد ذات عطر نفاذ ..
3-زاوية اللون الأصفر لون الفكر والتفاؤل والحيوية لون اتقاد الفكرة و توهج شعلة الإبداع .
*زاوية تجربتي الأدبية :
-حدثنا عن هذه التجربة ونتاجك الشعري والنقدي ؟
- كيف تتشكل الصورة الشعرية الفنية كبذرة في الخيال برأيكم شاعرنا ؟
- و كيف يرسم الشاعر صورته الشعرية المتخيلة على بياض الورقة و يجسدها لتتحول لمشهد شعري نتذوقه في القصيدة ؟
-ما أهمية الصورة الفنية الشعرية في القصيدة وما وظيفتها ٕ و كيف جسدتها في شعرك ؟
- ما تعريف الصورة الشعرية الفنية برأيكم ؟
** اللون الأصفر، جديلة الشمس، عنوان لإحدى قصائدي، والضحى عندي صعود الفكرة الشارقة، لم يكن شعري رمادياً أو غامقاً أو ملفوفاً بغلالة الإبهام الموصدة ، بل كان حدائق من أزهار وضوء ومطر كقولي :
” كنّا نُجدّل شعر الشمس حين ضحىً..
نزينُ غُرّتها فلّاً ونسرينا ..
كنـّا نُخضّرُ أياماً نقلـّمُها
حتى لتبدوَ للرائي بساتينا .. ” .
وهذا ناتج مسيري مع تجربتي في دروب حالمة تحت ضوء أقمار الكلمات، ولم تفك السنون عرى صداقتي معها، وما زلت أزرع أرض اللغة من غراس فكري ومشاهداتي حتى صارت بساتين شعر، تحلق بين أشجارها طيور القراء الأعزاء، وتنقر من ثمارها، بل وتبني أعشاش موهبتها للحالمين صعوداً إلى دوحة هذه التجربة، كتبت دواوين كثيرة، متنوعة الأغراض، الوطنية والوجدانية والاجتماعية والغزلية والإنسانية، جميعها متحت من معين مشاعري وجعاً وفرحاً وسعادةً وأحلاماً، وعبرت بها إلى القارئ عبر المفردة الرصينة والفكرة المحمولة علي جناحي الصورة التي تجسد ما يجول بخاطري، إذ أن الشعر بلا صورة تحمل المعنى، يكون كلاماً مباشراً لا يدخل إلى دائرة الفن الشعري، والعرب بدأت بحمل الشعر على لغة الخيال من تشبيه واستعارة وكناية إلى أن تطورت الصورة إلى تقابل وتماثل وانزياح فغدت صوراً مركبة داهشة فاتنة تغزل القارئ حتى يدخل في شباكها الملونة، ولأنني شغوف بتصريف أحوال الشعر بأشكاله الثلاثة، تقصيت تجارب شعراء وشاعرات، لأبحث عما يروي ذائقتي، فكان لي دراسات انطباعية حاك جبتها شاعر مفتون بالجمال جمعتها لتستريح بين دفتي كتابي ” بوابات المعنى ” .
4-زاوية اللون الأزرق لون العمق والسمو الروحي ولون السماء والبحر .
- ما هي فلسفتك في الحياة والشعر و الأدب ؟
-ما أهمية الكتابة بشكل عام ؟ وكيف تُعرِّفها ؟
-ماذا أعطاكَ الشعر وماذا أخذ منك؟
-ما تعريف الشعر برأيك ؟
** للمدى أجنحة زرقاء، وللبحر إغراءاته و جموحه ، وأسراره، ذهبت إليه ذات قصيدة في ديواني ” ظِلٌّ في الصحراء ” وسألته :
” يا بحر ..
تمشي صوب عمقك سيرتي ..
ويداي تعفر بالكدرْ ..
يا بحر ..
ألقي في جنونك رؤيتي ..
لتفضّ عنها ما استترْ ..
يا بحر قل لي ما الخبر ؟
ملأى جيوبك بالمطر ..
ما زال يلحقك المطر ..
ويغيب لمّا لهفتي ..
ترجو وتسأل يا مطر !!؟؟ .. ”
بعد ارتفاع مداميك سني العمر، و إن كنت بطبيعتي أحب الحياة، فلابد من حياة، لذا تراني أضع أمنياتي على شرفة القلب :
” أشتهي أن تولد الألوان في شعري شموساً..
يتمشى فوقها طفلٌ يغني ..
في بساتين المساء ..
أيهذا القلب هات الأمنيات ..
فتمنيت قليلاً ..
أو قليلاً من حياة .. ” .
والكتابة ذاتنا، نكتبها لنراها ، ولنبقي دائمي البحث عنها في الكتابة، لذا نقرأ حضاراتنا وتاريخنا وجمالنا وقبحنا وقيمنا وثقافتنا من خلال كتاباتنا، وأول ما بدأ الإنسان القديم به هو الكتابة ليكتب ذاته ويقرأها، ويترك بها صداه للأجيال اللاحقة، أما الشعر فهو الأسمى والأرقى جمالاً في مفردات الحياة، لأن الشعر يجمّل الحياة، ما جعله ينعكس علي رضا وسعادة وطمأنينة، الشعر كان ملاذي وأناي الأعلى وخيمتي التي أستريح بظلها من وعثاء الحياة، والشعر لم يأخذ مني وقتاً ، إلا وأعاده لي بهجة وسروراً وحضوراً جميلاً ..
5- زاوية اللون البنفسجي : لون الحب و العشق و الشغف الروحي
- كيف رسمتَ لوحات الحب في شعرك ؟
- كيف تعرِّف : الحب – السعادة ؟
مع أمثلة ( من صور الحب)
** وما أكثرها من لوحات، والبنفسجي كان واضحاً في عنوان ومضة في ديواني ” جراحات المطر ” بعنوان ” بنفسجة ” تعبيراً عن الحب كما ذكرت، أقول :
” أسير حيالها غيماً رخيماً..
وكيف أسير تجعلني أسيرُ..
ويسعفني إليها نبض قلبي ..
يحثّ خطاه فستان قصيرُ..
خريف أسقط الأوراق عنها..
وكادت من نسيمات تطير..
رميت لها ” بنفسجة ” اشتياقي
رمت لي ما يشفً وما يثير..
تَبعتُ عطورها عطراً فعطراً
إلى أن ضمنا كوخ صغيرُ .. ” .
سألتني فتاة حسناء ما هو الحب ذات حديث، فأجبت :
” وتسألني ما الحب ؟ قلت : فراشة
تحط على ثغر الحبيب وتهرب
فيصحو على طعم الزهور بثغرها
ويعدو وراها، لو تعود ، ويشرب
وتسألني ما الحب؟ قلت : حكاية
يخط سناها عاشق متوثب
يلمّ نجوم الليل في سلّة الهوى
وحتى طلوع الفجر يمحو ويكتب .. ”
وفي دواويني جميعها تتهادى صور الحب كقطعان غيوم صيفية، أو كغزالات تسرح وتتقافز على سهوب الحياة المزركشة بالألوان ..
6 – زاوية أنت والمرأة المُلهِمة :
- كيف رسمتَ وتوّجتَ المرأة في شعرك ؟
-ماذا مثَّلتْ المرأة في شعر الشاعر
فرحان الخطيب ؟
-ما تعريف المرأة الملهمة برأيك ؟
** ليجعل الله الدنيا جميلة، خلق المرأة. وعليه، رسمت المرأة في شعري أماً وأختاً وابنة وصديقة وحبيبة وزوجة، بثت المرأة ملاحتها وحسنها ودلالها وغنجها وأمومتها وعشقها في جميل قصائدي، حَضَرت المرأة عندي في الحزن والفرح والغزل والجمال والعذوبة والرقة والحنان، قلت لروح أمي :
” لماذا يطير البكاء إليك ..
وينساب بين جفون الرياحْ ..؟
إذا عدت للدار، أبكي عليك
وأغسل عيني بجمر النواحْ .. ” .
*لا تعريف للمرأة الملهمة، المرأة ملهمة بكل حالاتها، حتى عندما نريد أن نتحدث عن وطن وعن حياة وعن أمة وعن كثير من الموضوعات، نسبغ عليها صفة الأنوثة ليكون المعنى أكثر جمالاً و إشراقاً وحضوراً، ومن أجل عيون المرأة :
” لعينيك هلّ الصباح النديُّ..
وماست حقولٌ ورفَّ الغناءْ..
لعينيك أصبح طفلاّ جميلاً
يلوّن في الليل نجمَ السماءْ .. ” .
7- المبدع ابن بيئته .. دائماً ،
ماذا ألهمك جمال طبيعة سورية الرائعة الغالية بكل تفاصيلها : بحرها وأنهارها و سهولها وجبالها بشكل عام
و تدرجات ألوان الطبيعة في السويداء و ريفها ؟
و كيف انعكس هذا الجمال على أدبك و صورك الشعرية ؟
-كيف ينعكس سحر المدن و تأثيرها على الشاعر ؟
*عندما يتناثر عبق ياسمين دمشق العتيقة
في الوجدان فكيف تكون الصورة واللغة والوصف والقصيدة بقلم شاعر مفتون بدمشق ؟
- ماذا قلت لدمشق ؟ و ما رمزيتها بالنسبة إليك ؟
- ماذا قلت لسويداء القلب ؟ وغيرها من المدن ؟
** للمكان حضور وازن في قصائدي، وابتدأت بالمكان الذي ولدت به، شعف، تتربع على تلة عالية، وفي ليلة ثلجية عاصفة ، قلت :
” كعرائس رقصت بيوت الناس في كنف الغمام ..
يلفها برق وشحّ من عواءْ ..
ونوافذ عمياء تشهق ..
لا تنام ولا تفيق ..
أذلّ ضحكتها سعال الريح ..
تجهش بالبكاءْ .. ” .
وللسويداء ، سويداء القلب :
” قل للسويدا في رحيب مضافة
الله أعلى في البلاد كعابها ..
والفجر يصحو من صدى ” مهباجها ”
ويهبّ يوقظ سهلها وهضابها
تغلي دِلالُ الغانمين كأنها
دنيا تهيُّء للشتاء سَحابَها
وتفور فوق الجمر تفقد روعها
حتى يردَّ القهوجيُّ صوابها
وتُدار في جوّ أنيس خاشع
وتهزّ رأسك ما ألذّ خضابها .. ” .
وللشام ..
” للشام ليل ليس في لغة الزمان ..
وليس في وصف الحكايات القديمة ..
ليس في رهج المكان ..
في الليل تبزغ صورة لمّا تزل في القلب ..
شاهدة عيانْ ..
في صورة فوّارة اللمعان تسطع ..
في الأساطير القديمةِ ..
مثل أسراب الجُمانْ ..
فَارْقَ لقمّة قاسيون تلهّفاً ..
واشحذ خيالك بالبهي من القصائد ..
والخرائد والحسانْ ..
وامْلأْ رغابك من رحيق العشق..
من فيض الدنانْ ..
وانظرْ إذنْ ..
فالشام سيدة العرائس والمدائن والجنانْ ..
في الليل، ليل “الصالحية “..
تشرئب زنابق الكلمات ..
من روض المودة والحنان ..
في الليل ..
يندلق المساء على فساتين البنات..
كأنهنّ المهرجانْ ..
يتهامس العطر المحلق ..
عبر وشوشة اليدين ..
كأنه اللحن التـفرفط ..
من مقامات الكمـانْ .. الخ ..
وقلت لبغداد :
” بغداد وجهك ما يزال جميلاً
ويفيض ألف بطولة ونخيلاً
بغداد ترقصُ فوق كفّي طفلةً ..
عربية لا تقبل التأويلا .. ” .
وفي مصر قلت مخاطبا النيل :
” .. نحن يا مصر وردتان بغصنٍ ..
وهو غصن مخضوضر ونضيرُ ..
نحن اثنان ، جانحان لنسرٍ
يعربيّ ، بلاهما لا يطيرُ ..
نحن يا نيل شرفتان لقصر ..
والطريق ما بين بين قصيرُ.. ” .
8 – أنتَ و اللغة العربية :
- ما سر عشقك للغة العربية ؟
- ما أهمية اللغة الشعرية في الخطاب الشعري ؟
-و هل تتطور لغة الخطاب الشعري عند الشاعر تدريجياً مع الوقت ؟ برأيكم ؟
وهل تطورت اللغة لديك منذ الديوان الأول إلى الآن؟
** لا أدري سر عشقي للغة العربية، إلا أنني أدرك ماهية هذا العشق، وسؤالك كأنك قرأت قصيدتي ” يا للشذا يتضوّع ” خاطبت اللغة فيها بلغة عاشقة ، قلت :
” ..يا للشذا من ردنها يتضوع
حاورتها، نمشي معاً، أم أرجعُ !؟
فتلـفّـتـتْ والعشق في نظراتها
توحي بأن، لا شيء عندي يمنعُ ..”..
ووصفت لغتنا العربية بأكثر من قصيدة ومنها ما كتبته للأطفال في مجموعتي الشعرية الموجهة لهم :
” صباحُ الخيرِ يا لغتي
تطيرُ إليكِ أشواقي
فأنتِ الشّمسُ في كتبي
وأنتِ ضياءُ أحداقي
كأنّكِ والدُّنى ليلٌ
نجومٌ بين أوراقي ..”
9 – زاوية أنت والثقافة العربية :
- كيف تصف حال الثقافة العربية المعاصرة ؟
- حدثنا عن هموم و شجون المثقف العربي ؟
ومعوقات إبداعه ؟
- ما تعريف المثقف الحقيقي و المبدع الحقيقي ؟
** يحتاج المثقف العربي وفي هذه المرحلة التاريخية تحديداً حضوراً أكبر لمؤسساتنا الثقافية، من حيث تسهيل أمور النشر والانتشار والتداول، ومنح المثقف العربي الحرية الكاملة لأنه يعلم بكل تأكيد ما يتوجب عليه كتابته تجاه وطنه وأمته ..
وتراني في هذا المقام شاكراً لوسائل الاتصال الحديثة التي أتاحت لنا فرصة اللقاء مع إخوتنا وزملائنا المثقفين في العالم العربي، وبهذا يمكن أن نقول : ” أن المثقف من استطاع أن يملك أدواته الإبداعية في الجنس الذي يكتب به، ويمتلك جرأة البوح والتعبير” ..
10 – زاوية الأدب والنقد :
- هل واكب النقد الإبداع الأدبي برأيكم ؟
سؤال يطرح نفسه ويجب طرحه على الجميع برسم الإجابة من كل المبدعين والنقاد؟
- هل يوجد نظرية نقدية عربية حديثة ؟
- و ضمن التجربة الإبداعية هل الإبداع معضلة أم مشكلة قابلة للحل ؟
-ما مشاريعك الأدبية ؟ و حلمك الثقافي ؟
-ما رسالتك لجيل الشباب أدباء و شعراء و نقاد و مثقفين .
** المعادلة منذ قدم الأدب، هي وجود النقد لاحقاً للأدب، يشرح ويفند ويضع نقاط الارتكاز، ليأتي المبدع ويفيد من النقد، ليبدأ من جديد وهكذا، تكون العلاقة بينهما سببية وجدلية وبراغماتية أيضاً، والعرب ساهموا عبر التاريخ بمحطات نقدية هامة كالجاحظ والجرجاني وغيرهم، ولكنهم قديماً أو حديثاً لم يصلوا إلى نظرية نقدية كما حدث في الغرب.
والإبداع لا مشكلة ولا معضلة، الإبداع سيالة فكرية وتخييلية تولد مع المرء، وعليه رعايتها حتى تعطي المردود الإبداعي المشتهى، والإبداع سيرورة وصيرورة بكل أنواعه، وعندما يغدو الإبداع مشكلة أو معضلة، يلتقي مع أي شيء إلا الإبداع .
وأنا حتى الآن أملك الرغبة والاستعداد للكتابة، وفي هذا العمر يحلم الإنسان بأن يعطي الشيء الكثير، وقانون الحياة هو من له الحق ويقرر متى سأتوقف عن الكتابة ، ناصحاً الجيل الشاب أن يحمل مشعل الإبداع، ويتابع، وأنا متفائل بمواهب كثيرة وكبيرة، إلا أنها إذا لم تواكب بالجد والمثابرة والاطلاع ، تضمر وتضمحل .
11 – أيهما تفضل القصيدة الكلاسيكية التقليدية أم قصيدة التفعيلة ؟
وما خصوصية كتابة و نظم كلٍّ منهما ؟
-من هو شاعرك المفضل قديماً وحديثاً ؟ و لماذا ؟
** أكتب القصيدتين، ولكل منهما معمارها البنائي، وإن كانت قصيدة التفعيلة هي الابنة الشرعية لقصيدة العمود، إلا أنها شكّلت شخصيتها وحضورها، من حيث الشكل، والحكم يبقى في النهاية علو قامة الشعرية في هذه أو تلك .
ولم أكن ميالاً لشاعر بعينه، بقدر ما كنت ميالا إلى البيت الجميل، والقصيدة العالية الدهشة، وإن كنت لا أخفي إعجابي بالمعري الضرير، قديماً وعمر أبي ريشة حديثاً .
المعري رغم إحاطته بمحابسه الثلاثة، أطلق العنان لفكره وخياله معاً، فكان شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء، ويكمن ذلك في بحثه عناصر الخلق والتكوين عبر التخييل الشعري وبلاغاته، وهذا لعمري أمر فيه صعوبة من يستنبت الورد في وعورة من الأرض .
وبالنسبة لأبي ريشة فهو الشاعر الذي حدّث القصيدة العمودية، وجعلها تفيض بالأنس والرهافة والجمال، دون أن يخلّ بأصالتها.
ولتأكيد فكرتي، هذا أبو صخر الهذلي الشاعر الأموي، وليس له شهرة فحول الشعراء، له بيتان في غاية الجمال :
” ..تكاد يدي تندى إذا ما لمستُها
وتنبت في أطرافها الورق الخضرُ
وإني لتعروني لذكراك هزّةٌ
كما انتفض العصفور بلله القطرُ ..”
12 – تحوَّلت القصة حالياً من القصة الطويلة نسبياً إلى القصة القصيرة فالقصيرة جداً كما تحول الشعر من القصيدة إلى الومضة ، برأيكم شاعرنا هل تُعَد هذه الحالة مواكبة للعصر من خلال تطور الأدب و الشعر ؟..
** ديدنُ الأدب التجديد، وهذه سنة في التطور الأدبي قصة أو رواية أو شعراً، ومثالي على ذلك القصيدة التي انتقلت من العمودي إلى التفعيلة إلى قصيدة النثر إلى الومضة الشعرية، والأجمل في نظري ما واكب العصر ومزج ما بين الأصالة والحداثة ، وهذا ما أرغب .
13- سؤال لم يسأله لك أحد تحب أن نسألك إياه .
** على الرغم من عشرات الحوارات، لم يسألني أحد عن الموت، ولو سألتِني لأجبتُكِ :
” جميلٌ أن يموتَ المرءُ حيّاً..
وأجمل أن يعيشَ لبعدِ موتِ ..”
*فقرة وردتي :
لديكَ ثلاث وردات ملونة شفافة لمن تهدي : ( وردة الشعر ـ وردة الروح ـ وردة الأدب ) .
** وردة الشعر للمتنبي شاعر العرب الأكبر، ووردة الروح لأسرتي ، و وردة الأدب لنجيب محفوظ .
*كلمة أخيرة : ماذا تحب أن تقول في ختام الحوار ؟
** كنت سعيداً بهذه الأسئلة لفكرتها في مزج اللون بالكلمة، ما أخذني إلى لوحات فنية باذخة الصورة والتشكيل لأخي الفنان التشكيلي عامر الخطيب، حين وقفت أمام لوحاته، مغتبطاً، فكتبت قصيدتي ” غناء اللوحة ” فقلت له :
” من أينَ هذا اللحن في الألوانِ..
والتّشكيل يصدحْ ..!؟
أو كيف جاء الجلـّنارُ إلى خيالكَ ..
كيف قام الزهر يمرحْ..
إنّي رأيتكَ حينما خبأتَ عشقكَ..
في ثنايا اللوحة الخرساء ..
قام العشق يفضحْ..” .
وفي نهاية هذا الحوار اللوني الجميل أشكرك الإعلامية الراقية فوز التي رأت أن قصائدي تضج بالصور الملونة، ومجلتكم الغراء ” أزهار الحرف ” المصرية، ولمصر عندي المقام الكبير ثقافياً، وقد صدر لي عن دور نشر عدة في القاهرة عدد من كتبي، وأخر ما صدر عن دار الرضا كتاب نقدي عني للصديق الشاعر والناقد سامي ناصف بعنوان :
” مائية الشعر وفضاءات التأويل في شعر فرحان الخطيب ” وله مني تحيات عاطرات، ومتمنياً لكم دوام العطاء والنجاح .
_ مع خالص الشكر والتقدير لحضرتك على هذا الحوار الشائق الماتع و المفيد .
/ و تقبلوا مني أنا فوز أبوترابي فائق الاحترام و التقدير ، دمتم بألق و إبداع جمهورنا الكريم الراقي / .
* نبذة عن الأديب فرحان الخطيب :
-مواليد قرية شعف ، السويداء ، ١٩٦٠سورية م .
-إجازة في اللغة العربية ، جامعة دمشق .
- دبلوم تأهيل تربوي ، جامعة دمشق .
-عضو اتحاد الكتاب العرب ، جمعية الشعر .
-عضو مجلس إدارة صندوق التقاعد في اتحاد الكتاب ٢٠١٥ – ٢٠٢٠ م .
-عضو هيئة المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب في السويداء ٢٠٢١ – ٢٠٢٦ م
- عضو في لجنتي القراءة والتزكية في اتحاد الكتاب العرب .
-عضو في لجان تحكيم عدد من المسابقات الشعرية .
-رئيس مركز ثقافي أشرفية صحنايا / ريف دمشق 1998 – ٢٠١٢ م .
- رئيس ملتقى ( منبر أدباء الشام ) . في سورية .
- عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين .
-عضو في جمعيات ومنتديات أدبية متعددة .
- عضو هيئة الإشراف في الديوان السوري المفتوح الجزأين الأول والثاني .
- عضو هيئة الإشراف في مجلة ( الأدباء ) الالكترونية .
- عضو هيئة تحرير جريدة الأشرفية الرياضي ٢٠٠١ – ٢٠١٠ م .
-رئيس تحرير مجلة حروف الثقافية ٢٠١٣ م .
-يكتب في الصحف والمجلات المحلية السورية والعربية العراق ، لبنان ، الأردن ، الكويت ، الجزائر ، مصر ، اليمن ، ليبيا ، عُمان .
-تُرجمت بعض قصائده إلى اللغة الفارسية والإيطالية ، والبرتغالية والفرنسية والروسية والإسبانية و الانكليزية .
يكتب وينشر ويحاضر في مجال الدراسات والبحوث والنقد .
*حصل على العديد من الجوائز أهمها :
/جائزة الزّبّاء – جائزة القدس – جائزة ثقافة حلب –
جائزة فارس القصيد العربي في ( الشعر )- جائزة مجلة الثقافة بإسم د . عبد اللطيف يونس ( دراسة ) /.
- حاصل على العديد من شهادات التكريم والتقدير من
وزارة الثقافة السورية ومديرياتها .
-شارك في كل المحافظات السورية في أمسيات ومهرجانات شعرية و له العديد من الحوارات في صحف ومجلات محلية وعربية ودولية .
* صدر له الكثير من الدواوين في الشعر و في شعر الأطفال بالإضافة إلى الدراسات النقدية له و دراسات عن شعره لعدة نقاد .













