الأديبة والقاصة والشاعرة والكاتبة المسرحية الكردية السورية كردستان يوسف.
ثمة كاتبات لا تأتي الكتابة إليهنّ من أبواب الرفاه، بل تولد من قلب الحياة، من الأمكنة التي تختبر أهلها، ومن الخسارات التي تتحول مع الوقت إلى لغة. هكذا تبدو تجربة الأديبة والقاصة والشاعرة والكاتبة المسرحية الكردية السورية كردستان يوسف؛ تجربة تشكلت بين قامشلو وسري كانية، وبين القراءة الحرة والنزوح والذاكرة، وجعلت من الكتابة مساحةً لمساءلة الإنسان والمكان والهوية والمرأة.
لم تسلك كردستان طريق الأدب عبر التعليم الأكاديمي، بل صنعت ثقافتها بنفسها، بالقراءة والمطالعة، وبانفتاحها على الأدب العربي والكردي والعالمي والفكر السياسي. وكانت والدتها، التي لم تتعلم، أول من آمن بموهبتها، فكانت تستمع إلى قصصها وتشجعها على الكتابة.
وحين جاء النزوح، فقدت بيتها ومخطوطة أولى تقارب مئتي صفحة، لكنها وجدت في الخسارة دافعًا جديدًا للعودة إلى الكتابة. فصار الشعر والقصة والرواية والمسرح عندها وسيلةً لقول ما يتركه النزوح والغياب والفقد والهوية والحب والوجع في الإنسان.
من «وشم على ذاكرة الغيم» إلى أعمالها المعدّة للطبع، وصولًا إلى روايتها الأولى «أثر امرأة»، تواصل كردستان يوسف بناء تجربتها بالعربية والكردية، حاملةً معها أسئلة المكان والمرأة والذاكرة والوطن.
في هذا الحوار الذي أجرته معها مجلة أزهار الحرف، نقترب من رحلتها الأدبية والإنسانية؛ من البدايات والأم والقراءة، إلى النزوح وفقد المخطوطة، وفلسفة الكتابة، وتجربتها الثقافية، وأعمالها المنشورة والمقبلة، لنكتشف كيف استطاعت أن تحوّل الجرح والذاكرة إلى نص، والخسارة إلى ضوء.
حاورتها جميلة محمد بندر
1. وُلدت في قامشلو عام 1973، ونشأت في بيئة عائلية واجتماعية قريبة من الحياة السياسية ومن القضايا التي تشغل المنطقة والعالم، ولا سيما القضية الكردية، كيف أسهمت تلك البيئة الأولى في تشكيل وعيي قبل أن تتشكّل هويتي الأدبية؟
الجواب: وُلدت في بيئة كردية كانت السياسة جزءاً من هواء اليوم، لا حديثاً عابراً، كان الكبار يتحدثون عن الحقوق القومية وحق اللغة الأم والوطن، وعن الأزمات الاقتصادية وفساد الدولة وموظفيها وعن تاريخ عريق لشعبي الكردي، لكنني لم أكن أفهم كل التفاصيل، لكنني فهمت مبكراً أن هناك ظلماً يجب أن يُقال، وأن هناك هوية يجب أن تُصان، تلك البيئة لم تصنع مني كاتبة بعد، لكنها صنعت وعياً بالانتماء والمسؤولية، لاحقاً جاء الأدب ليمنح ذلك الوعي لغةً وصوتاً.
2. انتقلت في سن مبكرة إلى سري كانية بعد الزواج، ولم تتح لي فرصة متابعة التعليم الرسمي، لكنني عوّضت ذلك بما يشبه مشروعاً تعليمياً ذاتياً طويل النفس، كيف صنعت ثقافتي بنفسي، وهل كان غياب التعليم الأكاديمي عائقاً شعرت به، أم أنه دفعني إلى بناء طريق معرفي أكثر حرية؟
الجواب: بقى موضوع عدم اكمالي بدراستي جرحاً يحز في قلبي بصمت، لكنني لم ادعه ينتصر علي، وهذا ما دفعني إلى أن أكون معلمة نفسي وانا اكون طالبة علم بنفس الوقت، صنعت ثقافتي بالقراءة المتواصلة ومتابعة الصحف والمجلات، وكتب إخوتي المدرسية والجامعية، ثم الكتب الأدبية والسياسية والفكرية، لم يكن لدي منهاج جامعي، لكن كان لدي شغف لا ينطفئ، وحرية أكبر في أن أختار ماذا اقرأ، وقرأت كل شيء كيف اعرف نفسي أولاً و مجتمعي و العالم من حولي ، لذلك قرأت الروايات كتب التاريخ والفلسفة و النقد والفن..وكانت تلك القراءات طريقي نحو الحياة وعالم الثقافة والكتابة لاحقاً.
3. كانت الصحف والمجلات بوابتي الأولى إلى القراءة، إلى جانب كتب إخوتي المدرسية والجامعية، ما الذي كانت تمنحني إياه الصحيفة أو المجلة آنذاك، ولا سيما في مرحلة لم تكن فيها المعرفة متاحة بالسهولة التي نعيشها اليوم؟
الجواب: كانت الصحف والمجلات في ذلك الزمن نافذة على العالم، وكانت حدثاً ننتظره، وشيئاً جميلاً يدخل البيت، كانت تمنحني أخباراً وأسماءً وأفكاراً ولغة، وتمنحني إحساساً بأنني جزء من عالم أوسع من قامشلو، في زمن لا إنترنت فيه..في زمن كان للراديو والتلفزيون و المجلات قيمتها وتأثيرها.ومازالت تلك الأيام بذاكرتي حية إلى اليوم.
4. قرأت غوركي وفيكتور هوغو، وقرأت الأدب الكردي لدى باڤي نازي وسليم بركات، وتأثرت بمحمود درويش وجكر خوين وجبران خليل جبران والماغوط والشعر العربي القديم، إلى جانب كتب السياسة والماركسية والمجلات الثقافية والمناشير الحزبية، كيف اجتمعت هذه القراءات المتنوعة في تكوين صوتي الأدبي، وأيّها ترك الأثر الأعمق فيّ؟
الجواب: اجتمعت هذه القراءات في داخلي مثل فسيفساء، غوركي وهوغو منحاني حسّ العدالة الإنسانية والانحياز للفقراء والمقهورين، والأدب الكردي، خاصة جكر خوين منحني جرح الهوية ودفء اللغة الكردية الأم، ومحمود درويش علّمني أن المنفى يمكن أن يصبح قصيدة، وأن الوطن يمكن أن يُكتب بجرحه وليس بشعاراته، وجبران منحني نزعة روحية وشاعرية، والماغوط علّمني السخرية والوجع، والشعر العربي القديم منحني اللغة والدهشة، أما الكتابات السياسية والماركسية فقد صقلت وعيي الاجتماعي، لكن الأثر الأعمق بقي لمحمود درويش وجكر خوين، لأن كليهما كتب الجرح الجماعي دون أن يفقد الشعرية.
5. قبل أن تكون الكتابة عالمي الأساسي، كان الرسم والألوان متنفسي الأول للتعبير عن مشاعري وآمالي، ماذا كان يمنحني الرسم ولم أجده لاحقاً إلا في الكتابة، ولماذا تخليت عنه تدريجياً لصالح الحرف؟
الجواب: كان الرسم يمنحني صمتاً جميلاً، لم أكن أحتاج إلى شرح، اللون كان يتكلم عني، كان يمنحني قدرة على تحويل الفوضى الداخلية إلى شكل، لاحقاً وجدت في الكتابة شيئاً مشابهاً، لكنه أكثر قدرة على حمل الذاكرة والوجع والأسئلة، تخليت عن الرسم تدريجياً لأن الحياة صارت أسرع من الألوان، وصار الحرف أكثر قدرة على مرافقة النزوح والفقد، لكن الرسم لم يختفِ تماماً، ما زال حاضراً في الصور الشعرية وفي علاقتي باللون داخل اللغة.
6. في قلب حكاية بداياتي تقف والدتي، التي لم تتعلم لكنها كانت تستمع إلى قصصي وتشجعني قائلة: «اكتبي عني وسوف أروي لكِ قصصاً جميلة»، ماذا بقي من تلك المرأة في ذاكرتي وفي كتابتي، وهل يمكن القول إن الأم كانت أول قارئة حقيقية لي، وأول من منح الكتابة شرعيتها في داخلي؟
الجواب: أمي هي أول قارئة حقيقية لي، وأول من منح الكتابة شرعيتها في داخلي، لم تكن تعرف القراءة، لكنها كانت تعرف الاستماع، كانت تجلس وتصغي إليّ وكأنني أكتب العالم، قولها لي: «اكتبي عني وسوف أروي لكِ قصصاً جميلة» بقي عهداً في داخلي، هي حاضرة في كتاباتي ليس فقط كموضوع، بل كضمير، منحني إيمانها بي ما لم يمنحني إياه أي شهادة أو لقب.
7. كتبت أولى قصائدي في الصف التاسع عن الأم والربيع، وكتبت أول قصة قصيرة عن الشتاء حين يزور بيوت الفقراء والأغنياء، إذا عدت اليوم إلى هذين النصين الأولين، ماذا أرى في تلك الطفلة التي كانت تحاول أن تكتب العالم من حولها؟
الجواب: أرى فيها طفلة كانت تحاول أن تفهم العالم قبل أن تكتبه، في قصيدة الأم والربيع كانت تبحث عن الحنان والجمال، وفي قصة الشتاء كانت ترى الفقر والعدالة الاجتماعية، لم تكن تعرف قواعد الكتابة، لكنها كانت تعرف الصدق، اليوم، بعد كل هذه السنوات، ما زلت أحترم تلك الطفلة، لأنها كتبت قبل أن تتعلم، وشعرت قبل أن تفلسف.
8. خلال الحرب السورية، ومع اشتداد المعارك والتدخل التركي واحتلال سري كانية، نزحت مع عائلتي من سري كانية إلى قامشلو، ثم إلى السليمانية في إقليم كردستان العراق، قبل العودة إلى قامشلو، كيف غيّرت تجربة النزوح علاقتي بالمكان، وهل يصبح الوطن، بالنسبة للكاتب النازح، مكاناً جغرافياً أم ذاكرةً يحملها أينما ذهب؟
الجواب: النزوح غيّر علاقتي بالمكان إلى الأبد، لم يعد المكان مجرد أرض أو بيت، بل صار ذاكرة نحملها في الجسد والروح، في البداية تظنين أنك تركتِ المكان، ثم تكتشفين أن المكان تركك، وأنك تحملينه أينما ذهبتِ..، والوطن بالنسبة للكاتبة النازحة ليس خريطة فقط، بل ذاكرة تعيش فيه، الكتابة كانت لي بمثابة خيمة لغوية نصبتها في المنفى.
9. تركت في بيتي أثناء النزوح مخطوطة أولى تقارب مئتي صفحة، وكانت خسارتها بالنسبة إليّ خسارة كبيرة، كيف عشت فقدان هذا العمل الذي حمل جزءاً من وقتي وذاكرتي، وهل حاولت يوماً إعادة كتابته، أم أن بعض النصوص لا يمكن استعادتها بعد أن تفقد أصلها؟
الجواب: كان فقدان المخطوطة مثل فقدان جزء من جسدي، لم تكن مجرد أوراق، بل كانت سنوات من الوقت والذاكرة والتعب، لم أحاول إعادة كتابتها كما كانت، لأن بعض النصوص لا يمكن استعادتها بعد أن تفقد أصلها، لكن الخسارة دفعتني إلى الكتابة من جديد، صارت المخطوطة المفقودة ظلاً يسير معي، وعلّمتني أن الكتابة ليست ملكية، بل أمانة عابرة.
10. في السليمانية، بعيداً عن بيتي وبلدي، ومع هجرة أولادي إلى أوروبا، واجهت الوحدة والفراغ، لكنهما أعادا الكتابة إليّ بقوة، كيف يمكن للوحدة، وهي تجربة مؤلمة، أن تتحول إلى طاقة إبداعية؟
الجواب: الوحدة موجعة، فلم تكن الوحدة هروباً، بل كانت مواجهة، حولت الفراغ إلى حوار مع الذات، ومع الذاكرة، ومع الغائبين، لهذا عادت الكتابة بقوة، لأنها كانت الطريقة الوحيدة لترتيب الفوضى، ولقول إنني ما زلت هنا.
11. تقولين إن الكتابة ليست مجرد موهبة، بل «ردة فعل داخلية على واقع يراه الكاتب مختلفاً»، وقد تكون ثورة على واقع سياسي أو هروباً من ضيق اجتماعي أو محاولة لفهم الذات والوجود، ما الذي كانت الكتابة تحاول أن تغيّره في واقعي أنا؟
الجواب: كانت الكتابة تحاول أن تغيّر الصمت، في مجتمع يريد للمرأة أن تصمت، وللكردي أن ينسى، وللنازح أن يشكر فقط، كانت الكتابة فعل رفض، لم أحاول تغيير العالم في كتاب واحد، لكنني حاولت تغيير علاقتي بالعالم، أن أنتقل من كوني موضوعاً يُكتب عنه إلى كائن يكتب، هذا التحول في داخلي كان ثورة صغيرة، وغير حياتي نحو الأفضل رغم التحديات والمصاعب.
12. كثيراً ما تُربط كتابات المرأة بالسيرة الذاتية، لكنك تؤكدين أن الكتابة ليست بالضرورة سيرة شخصية، وأن الشعر ليس توثيقاً لليوميات بل «موقف»، كيف تضعين الحدود بين التجربة الشخصية والموقف الإنساني أو السياسي في نصوصك؟
الجواب: التجربة الشخصية مادة خام، لكن النص ليس سيرة ذاتية، أنا لا أوثّق يومياتي، بل أحوّل الألم والفرح إلى سؤال إنساني، عندما أكتب عن النزوح، لا أكتب فقط عن بيتي، بل عن كل من فقد بيتاً، عندما أكتب عن المرأة، لا أكتب عن نفسي فقط، بل عن صوت مكتوم في كثير من النساء، الحد بين الشخصي والعام رقيق، لكن النية هي التي تحدد هل أكتب لأحكي عن نفسي فقط، أم لأشهد على زمن وجرح وذاكرة.
13. تقولين إن المرأة تكتب «لتؤرخ لتجربتها الخاصة، ولتخرج من دائرة الصمت المفروض عليها اجتماعياً»، كما تصفين الكاتبة بأنها «كائن مجروح في وجدانها، وكل ما تكتبه محاولة لتضميد هذا الجرح»، ما الذي تعنيه لي هذه الصورة، وهل أرى أن الكتابة قادرة فعلاً على تضميد الجرح، أم أنها تجعل الإنسان أكثر وعياً به؟
الجواب: الكتابة لا تمحو الجرح، لكنها تمنحه شكلاً، الكاتبة كائن مجروح، نعم، لكنها ليست ضحية فقط، هي أيضاً من يحاول أن يفهم جرحه ويكتبه، الكتابة قد لا تشفي تماماً، لكنها تجعل الألم أكثر قابلية للحياة، أحياناً تزيد الوعي بالجرح، لكنها في الوقت نفسه تمنع الجرح من أن يتحول إلى صمت قاتل، تضميد الجرح هنا ليس نسياناً، بل قدرة على العيش معه دون أن يسحقنا.
14. أميل إلى الكتابة العفوية، لكنني أميز بين العفوية والبساطة، وأرى أن العفوية هي الصدق والدفء والقدرة على حمل المشاعر والرؤى بلغة شعرية جميلة، كيف أبني نصي، وهل أترك النص يقودني، أم أنني أدخل إليه بخطة واضحة وبنية مسبقة؟
الجواب: أبدأ غالباً من دفعة داخلية.. صورة، جملة، وجع، سؤال، أو مشهد حياتي ربما يبدو للآخرين مشهداً عابراً الا انه يترك لدي حالة خاصة واكتبه لاحقاً وأترك النص يقودني قليلاً، لكنني لا أتركه عبثاً، العفوية عندي ليست ارتجالاً، بل صدق أولي، ثم يأتي الشغل على اللغة والإيقاع والبناء، أحياناً أدخل النص بخطة واضحة، وأحياناً يفاجئني النص ويأخذني إلى مكان لم أتوقعه، الكتابة عندي توازن بين الاندفاع والوعي.
15. تتناول كتاباتي قضايا المرأة والأسرة والحياة اليومية والذاكرة والمكان والهوية والوطن والهجرة والنزوح والغياب والفقد والحب والخيبة واليأس والفقر والعوز، وتحمل في بعضها نقداً للمجتمع والسلطة، كيف أختار موضوعاتي، وهل يأتي الموضوع أولاً أم تأتي اللغة ثم أكتشف إلى أين يقودني النص؟
الجواب: الموضوعات لا تأتي كما يختار الصحفي عنوان مقاله، هي تأتي من ضغط الحياة، أحياناً تكون اللغة أولاً، جملة تفتح باباً، ثم أكتشف أنني أكتب عن المرأة أو النزوح أو الفقد، وأحياناً يكون الموضوع حاضراً بقوة، لكنه لا يصبح نصاً إلا عندما أجد لغته، لذلك لا أقول إنني أختار الموضوع، بل إن الحياة تفرضه، والكتابة تمنحه شكلاً.
16. صدرت لي مجموعتي الشعرية «وشم على ذاكرة الغيم»، ماذا تختصر هذه التسمية بالنسبة إلى تجربتي، وهل كان «الوشم» عندي علامة على ذاكرة لا تُمحى، أم أن «الغيم» هو ما يجعل هذه الذاكرة متحركة ومفتوحة على التأويل؟
الجواب: «وشم على ذاكرة الغيم» هو عنوان يشبه تجربتي: الوشم علامة لا تُمحى، والغيم متحرك مفتوح، الذاكرة عندي ليست صندوقاً مغلقاً، بل شيء محفور في الجسد والروح، لكنه يتحرك مع الزمن، الجرح ثابت، لكن تأويله يتغير، لهذا جمعت بين الوشم والغيم: ثبات الألم وحرية الحلم.
17. لدي مجموعة قصصية معدّة للطبع بعنوان «حينما تزهر الخيام»، تدور حول النزوح والتهجير وتأثيرهما في الأسرة الكردية والمرأة، لماذا اخترت «الخيام» لتكون فضاءً للزهر، وهل أردت أن أقول إن الحياة تستطيع أن تنبت حتى في أكثر الأمكنة ارتباطاً بالفقد والاقتلاع؟
الجواب: اخترت الخيام لأنها رمز الاقتلاع، لكنها أيضاً رمز الصمود، الخيمة ليست بيتاً دائماً، لكنها مكان تُولد فيه الحياة رغم كل شيء، عندما تزهر الخيام، فهذا لا يعني إنكار الفقد، بل يعني أن الحياة عنيدة، المرأة الكردية في النزوح تحمل البيت على ظهرها، وتصنع من الخيمة مدرسة وذاكرة وطعاماً وحكاية، أردت أن أقول إن الحياة تستطيع أن تنبت حتى في أكثر الأمكنة ارتباطاً بالفقد.
18. لدي ثلاث مجموعات شعرية معدّة للطبع: «ممرات وعرة» و«وليمة الفراشات» و«خطوة نحو الضوء»، تبدو العناوين نفسها وكأنها ترسم مساراً من الوعورة إلى الضوء، هل هناك خيط داخلي يجمع هذه الأعمال، أم أن لكل مجموعة عالمها وتجربتها المستقلة؟
الجواب: هناك خيط داخلي يجمعها، لكنه ليس خطاً مستقيماً، «ممرات وعرة» هي البداية، التعب، الطريق الصعب، «وليمة الفراشات» هي لحظة جمال وهشاشة واحتفال رغم الجرح، «خطوة نحو الضوء» هي الرغبة في الخروج من العتمة، دون ادعاء أن الضوء مكتمل، لكل مجموعة عالمها، لكنها جميعاً تسير في مسار واحد: من الوعورة إلى محاولة الضوء.
19. أستعد أيضاً لإصدار روايتي الأولى «أثر امرأة»، ماذا يعني لي الانتقال إلى الرواية بعد الشعر والقصة، وهل جاءت الرواية لأن هناك حكاية شعرت أن القصيدة والقصة لم تعودا تتسعان لها؟
الجواب: الانتقال إلى الرواية لم يكن هجراً للشعر والقصة، بل حاجة إلى مساحة أوسع، هناك حكايات لا تكفيها القصيدة، ولا تستوعبها القصة القصيرة، «أثر امرأة» جاءت لأنني شعرت أن هناك حكاية تحتاج إلى زمن أطول، وإلى شخصيات تتحرك وتكبر وتتعب، الرواية تمنحني أن أرى أثر المرأة في المكان والذاكرة والناس، لا فقط لحظتها.
20. لدي مخطوطات شعرية وقصصية ومسرحية أخرى غير منشورة، ما الذي أخّر خروج هذه الأعمال إلى القارئ، وهل تختلف علاقتي بالنص بعد اكتماله، بحيث يصبح أحياناً بحاجة إلى مسافة زمنية قبل أن أقرر نشره؟
الجواب: ما أخّر بعض الأعمال هو الحرب والنزوح والفقد، وأيضاً حاجتي إلى مسافة، بعد اكتمال النص، تتغير علاقتي به، أحياناً أقرأه بعد سنوات فأرى ما لم أره، بعض النصوص تحتاج إلى وقت قبل النشر، ليس لأنها ناقصة، بل لأنها تحتاج إلى أن تبتعد عني قليلاً حتى أستطيع أن أراها بوضوح، النشر مسؤولية، ولا أحب أن أطلق نصاً قبل أن يشتد عوده.
21. أكتب بالعربية والكردية، وقد تُرجمت بعض نصوصي إلى الفرنسية والأمازيغية، كما تُرجمت ونُشرت نصوص لي عبر منظمة «مترجمون بلا حدود»، ماذا تعني لي الترجمة، وهل أشعر أن انتقال النص إلى لغة أخرى يوسّع تجربته، أم أن جزءاً من روحه يبقى مرتبطاً باللغة التي وُلد فيها؟
الجواب: الترجمة جسر، لكنها ليست نسخاً، عندما يُترجم النص، يوسّع تجربته ويصل إلى قراء لم يكونوا في حسباني، لكن جزءاً من روحه يبقى مرتبطاً باللغة الأم، بنكهتها، بإيقاعها، بذاكرتها، الترجمة تمنح النص حياة جديدة، لكن اللغة الأصلية تبقى بيته الأول، أنا سعيدة عندما يصل نصي إلى لغات أخرى، لكنني أعرف أن هناك شيئاً لا يُترجم، وهو رائحة الكلمة في لغتها.
22. نُشرت نصوصي في صحيفة «روناهي»، ومجلة «سيوان الثقافية»، ومجلة «شرمولا الأدبية»، وصحيفة «التقدمي»، ومجلة «الكاتب»، و«البنفسج»، و«حصاد الحبر»، و«مجلة الحرف»، إضافة إلى «أدباء بلا حدود»، ماذا يعني لي هذا الحضور المتنوع بين الصحافة الورقية والمنصات الإلكترونية، وهل ما زال النشر الدوري قادراً على صناعة علاقة حقيقية بين الكاتب والقارئ؟
الجواب: هذا الحضور يعني أن النص يبحث عن منافذ متعددة، الورقي يمنح النص ثقلاً وذاكرة، والإلكتروني يمنحه انتشاراً ووصولاً، لا أرى تعارضاً بينهما، بل تكاملاً، النشر الدوري ما زال قادراً على صناعة علاقة حقيقية إذا كان صادقاً ومنتظماً، عندما ينتظر القارئ نصك في صحيفة أو مجلة، فهذه علاقة حقيقية، المهم ألا يتحول النشر إلى مجرد ظهور عابر.
23. أنا عضو في اتحاد المثقفين في الجزيرة، ورابطة القصة القصيرة في روج آفا، واتحاد مثقفي روج آفايي كردستانHrrk، وأشارك في الأمسيات الشعرية والملتقيات الثقافية في الحسكة وقامشلو، ماذا أضاف لي هذا الحضور الجماعي، وهل أرى أن الملتقيات الثقافية اليوم قادرة على بناء حركة أدبية حقيقية، لا مجرد مناسبات للقراءة واللقاء؟
الجواب: الحضور الجماعي أضاف لي إحساساً بأنني لست وحدي، الكتابة فعل فردي، لكنها تحتاج إلى جماعة تؤمن بها، الاتحادات والملتقيات منحتني لقاءات وأصواتاً وصداقات ومسؤولية، لكن الحركة الأدبية الحقيقية لا تُبنى بالأمسيات وحدها، بل بالمؤسسات، والنقد، والترجمة، والنشر المستمر، والاهتمام ، الملتقيات يمكن أن تكون بذرة، لكنها تحتاج إلى رعاية طويلة.
24. حصلت عام 2026 على المركز الأول في مسابقة القصة القصيرة ضمن فعاليات «المهرجان الثقافي الثاني» في روج آفا، إلى جانب شهادات تقدير وتكريم عديدة، ماذا تعني لي هذه الجائزة بعد سنوات من الكتابة والعمل بعيداً عن المسار الأكاديمي التقليدي، وهل أنظر إلى التكريم بوصفه اعترافاً بما أنجزته، أم مسؤوليةً تدفعني إلى مواصلة الطريق؟
الجواب: هذه الجائزة تعني لي أن الطريق الطويل لم يذهب سدى، أنا كاتبة صنعت ثقافتها بنفسها، بعيداً عن المسار الأكاديمي، وبصمت ودون أي ظهور اعلامي، كنت على الدوام ابتعد عن الأضواء وبريق المهرجانات، لذلك عندما تحصل الكاتبة
على التكريم فهو اعتراف بالجهد وأنا لا أريد أن أتوقف عند الجائزة، بل أن أراها دفعاً إلى الأمام.
25. أخشى ابتعاد الجيل الجديد عن الكتاب والقراءة الجادة لصالح التصفح السريع، لكنني أؤكد أنني لست ضد التكنولوجيا، بل ضد «المحتوى وطريقة التعامل معه»، إذا طلبتم مني أن أوجه كلمة إلى هذا الجيل من موقعي ككاتبة صنعت ثقافتها بنفسها، وعاشت الحرب والنزوح والفقد، ثم حوّلت كل ذلك إلى كتابة، ماذا أقول له، وما الكتاب الذي أحلم أن أتركه كردستان يوسف وراءها، حين تصبح كل هذه النصوص ذاكرةً في حياة الأدب؟
الجواب: أقول لهذا الجيل.. لا تدعوا السرعة تسرق منكم العمق، التكنولوجيا أداة، لكنها ليست بديلاً عن الكتاب، اقرأوا ببطء، واسألوا، واكتبوا ما تؤمنون به، لا ما يطلبه الترند، الكتاب الذي أحلم أن أتركه وراءي هو كتاب يشبه ذاكرة امرأة كردية عاشت الحرب والنزوح والفقد، لكنها لم تكره الحياة، أريد أن أترك نصاً يقول: كنا هنا، أحببنا، تألمنا، قاومنا بالكلمة، وكتبنا كي لا يضيع الأثر.
26. كيف أنظر إلى دور الملتقيات الشعرية والثقافية في المشهد الأدبي العربي اليوم، خصوصاً في ظلّ اتساع فضاء النشر الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، وماذا رأيي بملتقى الشعراء العرب الذي يرأسه الشاعر والناقد ناصر رمضان عبد الحميد؟
الجواب: أرى أن الملتقيات الشعرية والثقافية ما زالت تشكّل رافداً مهماً للمشهد الأدبي، لكن دورها تغيّر في ظل اتساع النشر الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد المصدر الوحيد للقاء أو النشر، لكنها باتت أكثر حاجة إلى إعادة تعريف وظيفتها، فبدلاً من أن تكون مجرد مناسبات للقراءة والاحتفاء، يمكنها أن تصبح مساحات للحوار النقدي الجاد، وورشات للكتابة، وجسوراً بين الأجيال، في زمن الذكاء الاصطناعي ، تصبح الملتقيات فرصة لاستعادة المعيار الأدبي الحقيقي ..الذي يعتمد الابداع الإنساني وليس ذكاء ألياً بارداً، أما عن ملتقى الشعراء العرب الذي يرأسه الشاعر والناقد ناصر رمضان عبد الحميد، فهو تجربة جديرة بالتقدير، فهو ليس شاعراً فقط، بل هو ناقد وكاتب صحفي، وهذا الغنى المعرفي ينعكس على إدارة الملتقى، إذ لا يقتصر نشاطه على الأمسيات، بل يمتد إلى إصدار موسوعات شعرية، وتوثيق سير الشعراء، وكتابة دراسات نقدية عن التجارب الأدبية، وهذا النوع من العمل المؤسساتي الثقافي هو ما تحتاجه الساحة العربية اليوم، لا مجرد احتفالات موسمية، ما يميز هذا الملتقى أيضاً أنه تأسس عبر الفضاء الافتراضي ثم تحول إلى حضور ورقي وفعلي في أكثر من بلد، وهذا يعني أنه لم يقف ضد التكنولوجيا، بل استفاد منها لبناء شبكة علاقات أدبية عابرة للحدود، وأعتقد أن هذا هو الطريق لتحويل المنصات الإلكترونية إلى أدوات لخدمة الأدب، لا أن تلغيه، الملتقيات الثقافية لا تزال قادرة على صناعة فرق، بشرط أن تتحول من مناسبات للقراءة إلى مؤسسات للفعل الثقافي، وملتقى الشعراء يبدو في هذا السياق نموذجاً يستحق المتابعة، لأنه يحاول أن يجمع بين الشعر والنقد والنشر والتوثيق، وهذا مزيج نادر في المشهد الثقافي الادبي الراهن.
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف













