
غيمتان على نفس الحافةبين الأمل والأمان للإنسان قراءة نقدية لرواية الروائي الجزائري عليبقلم روان شقورة
16
16
16
16
16
غيمتان على نفس الحافة: بين الأمل والأمان والإنسان
قراءة نقدية في رواية للروائي الجزائري علي
بقلم: أ. روان شقورة
في لحظات الموت المُعاش، حين تضيق المسافة بين الإنسان وهاجس الفناء، لا يعود السؤال عن الحياة ترفًا فكريًا، بل يتحول إلى سؤال وجودي: ماذا نريد حقًا؟
في مخيم جباليا، وسط مشاهد قصف البيوت، احتضنني ذات مرة صوت طفل لا يطلب أكثر من حقه الطبيعي في الحياة؛ أن يمشي في الشارع من غير صواريخ. ومنذ ذلك الحين، ظلت كلمة واحدة تتردد في داخلي: نريد الأمان.
ومن هنا وجدتُ نفسي، وأنا أقرأ رواية «غيمتان على نفس الحافة» للروائي الجزائري علي، أمام صوت آخر يبحث عن المشترك الإنساني بيننا؛ صوت لا ينظر إلى غزة بوصفها خبرًا عابرًا أو مشهدًا من مشاهد المأساة، بل يحاول الاقتراب من إنسانها: من معلمها وطفلها وامرأتها، ومن أحلامها الصغيرة. فالرواية، منذ صفحاتها الأولى، لا تجعل غزة مجرد مكان للألم، بل تجعلها مكانًا للحياة أيضًا، وللحلم الذي يصرّ على البقاء.
العنوان: حين تصبح الحافة مساحة للقاء
يحمل عنوان الرواية كثافة رمزية لافتة؛ فـ«الغيمتان» تحيلان إلى غالية ونادية، امرأتين تفصل بينهما الجغرافيا، وتجمعهما أسئلة الإنسان وهمومه.
الغيمة بطبيعتها عابرة ومتحركة، لا تعترف بالحدود، وقد تحمل المطر أو تمرّ دون أن تمطر. ومن هنا يمكن قراءة الغيمتين بوصفهما صورتين لعلاقتين إنسانيتين تتجاوزان المكان: غالية في غزة، ونادية في الجزائر، وبينهما مسافة جغرافية لم تمنع تشكّل مساحة مشتركة من الوعي والتعاطف.
أما «الحافة»، فلا تبدو مجرد مكان رمزي للوقوف، وإنما منطقة فاصلة بين حالتين: الخوف والأمل، الفقد والاستمرار، الواقع والمستقبل، الموت والحياة. ولذلك يتحول العنوان إلى مفتاح تأويلي للرواية؛ فالشخصيات تقف على حافة عالم يتداعى، لكنها تحاول في الوقت نفسه أن تنظر إلى ما يمكن بناؤه بعده.
الشخصيات: الإنسان قبل القضية
من أبرز ما يُحسب للرواية أنها لا تختزل الشخصية الفلسطينية في صورة الضحية، ولا تجعل القضية مجرد خلفية سياسية للأحداث. فغالية، المعلمة الفلسطينية، تظهر بوصفها إنسانة لها أحلامها وذاكرتها ومهنتها وعلاقاتها، وتريد أن يرى الآخرون في الفلسطيني أكثر من عدد في إحصائية أو صورة تحت الركام.
في المقابل، تأتي نادية من الجزائر، في البداية، من موقع المشاهدة البعيدة، قبل أن تتحول غزة بالنسبة إليها من مكان على الخريطة إلى تجربة إنسانية حاضرة. وتتطور العلاقة بين الشخصيتين من خلال التواصل والأسئلة والاهتمام بالتفاصيل اليومية، حتى تصبح الصداقة وسيلة لاكتشاف الآخر، لا مجرد وسيلة لسرد القضية.
وتسهم شخصيات حمزة ووالديه والأطفال ومريم في توسيع الدائرة الإنسانية للرواية، بحيث لا يبقى أثر الحرب محصورًا في الشخصية الرئيسية.
ويحضر غياب الوالدين، خصوصًا، بوصفه حضورًا من نوع آخر؛ حضورًا يتجسد في القيم والمسؤولية والذاكرة. فالأب الذي يترك مهنته القانونية، والأم التي تغادر حلمًا أو أملًا، لا يختفيان تمامًا من البناء السردي، بل يتحول أثرهما إلى إرث معنوي ينتقل إلى الأبناء.
ومع ذلك، فإن وضوح الوظيفة الدلالية للشخصيات يمثل في الوقت نفسه إحدى النقاط التي يمكن الوقوف عندها نقديًا؛ إذ تقترب بعض الشخصيات أحيانًا من أن تكون حاملة لفكرة أكثر من كونها كائنات سردية ذات تعقيد نفسي كامل. وغالية، على سبيل المثال، تحمل موقفًا إنسانيًا واضحًا، غير أن منحها مساحة أوسع من التردد والانكسار والصراع الداخلي كان يمكن أن يزيد من عمقها الروائي، ويجعل مقاومتها أكثر إنسانية لأنها ستظهر بوصفها مقاومة لشخص يتألم، لا لشخصية تعرف دائمًا كيف تتجاوز ألمها.
الحدث: من الشاشة إلى الحياة
لا تقوم الرواية على حدث واحد ضخم بقدر ما تقوم على تراكم أحداث صغيرة تتسع دلالاتها تدريجيًا. يبدأ التواصل من خلال الشاشة، ثم يتحول إلى معرفة، فصداقة، ثم إلى إحساس بالمسؤولية.
وهنا تؤدي وسائل الاتصال الحديثة وظيفة سردية تتجاوز كونها مجرد وسيلة للتواصل؛ فهي الجسر الذي يعيد تشكيل المسافة بين غزة والجزائر. لكن الرواية لا تقدم العالم الافتراضي بوصفه بديلًا عن الواقع، وإنما بوصفه طريقًا للوصول إليه.
فغالية تريد أن تعرف نادية تفاصيل الحياة اليومية: الطقس، المدرسة، الأطفال، الشارع، الضحكة، الكتاب. وهذه التفاصيل، على بساطتها، تؤدي وظيفة مهمة؛ لأنها تؤكد أن الحياة لا تتوقف بالكامل حتى في أكثر اللحظات قسوة.
ومن هنا يمكن القول إن الرواية تقترح معنى مهمًا: مقاومة الموت لا تكون بتعداد الموتى فقط، وإنما أيضًا بحماية ما يجعل الإنسان حيًا؛ ذاكرته، تعليمه، علاقاته، قدرته على الحلم، وإحساسه بأن الغد لم يُغلق نهائيًا.
التعليم: من وظيفة إلى فعل مقاومة
يحتل التعليم مساحة مركزية في الرواية، ولا يظهر بوصفه وظيفة مهنية فحسب، بل باعتباره فعلًا من أفعال حماية المستقبل.
فالمدرسة ليست جدرانًا وسبورة وكتبًا فقط؛ إنها المكان الذي يتعلم فيه الطفل أن العالم، رغم الفوضى، يمكن أن يحتفظ بشيء من النظام والمعنى.
وتبدو المعلمة هنا أكثر من ناقلة للمعلومة؛ إنها تساعد الطفل على اكتشاف ذاته، وعلى تصور مستقبل لم يولد بعد. لذلك يصبح استمرار التعليم، في سياق الحرب، شكلًا من أشكال مقاومة الانهيار النفسي والمعرفي.
غير أن قوة هذه الفكرة تفرض ملاحظة نقدية مهمة: التعليم لا ينبغي أن يتحول في الرواية إلى بديل عن السلام أو الأمان. فالمدرسة لا تستطيع إيقاف الحرب، لكنها تستطيع أن تمنع الحرب من أن تصبح المعلم الوحيد للطفل.
وهنا تكتسب الفكرة قوتها الحقيقية: حماية التعليم ليست حلًا للحرب، لكنها حماية للإنسان من أن تختزل حياته في آثار الحرب.
الزمن والسرد: بين الاسترجاع والاستشراف
تتحرك الرواية بين التسلسل الزمني والاسترجاع والاستشراف، فتعود إلى ماضي بعض الشخصيات، ثم تستشرف نتائج وعلاقات ستتضح لاحقًا.
كما يعتمد السرد على راوٍ يمتلك معرفة واسعة بالمسارات الداخلية والخارجية للشخصيات، وينتقل بين غزة والجزائر، وبين غالية ونادية وحمزة وغيرهم.
ويمنح هذا الأسلوب الرواية وضوحًا في متابعة الأحداث وربط عناصرها، لكنه يؤدي أحيانًا إلى توجيه القارئ نحو المعنى بدل تركه يكتشفه من خلال الحدث. فبعض الأفكار الإنسانية، ولا سيما المتعلقة بالأمل والتعليم والعمل الإنساني، تُقال بصورة مباشرة في مواضع كان يمكن للمشهد أو الحوار أن يحملها وحده.
وهذه ليست ملاحظة على الفكرة نفسها، وإنما على درجة حضورها في السرد؛ إذ إن مساحة أكبر للإيحاء كانت ستمنح النص تعددًا تأويليًا أوسع، وتترك للقارئ دورًا أكبر في إنتاج المعنى.
المكان: حين تصبح الجغرافيا فكرة
تقوم الرواية على فضاءين أساسيين: غزة والجزائر.
غير أن المكان لا يظهر باعتباره جغرافيا محايدة. فغزة، رغم حضور القصف والدمار، ليست مكانًا للموت وحده؛ إنها المدرسة، والطفل، والأم، والشارع، والذاكرة، والضحكة، والحياة اليومية.
وهذا الجانب مهم فنيًا وإنسانيًا، لأنه يستعيد صورة غزة من اختزالها في الحرب. فأن ترى المدينة وهي تتألم شيء، وأن تراها وهي تحاول أن تعيش وسط الألم شيء آخر.
أما الجزائر، فتظهر بوصفها فضاءً للتضامن والاحتضان، ومنه تبدأ نادية رحلتها من التعاطف البعيد إلى الحضور الإنساني الفاعل.
وهكذا تصبح الجغرافيا نفسها جزءًا من فكرة الرواية: قد تفصل الحدود بين الأجساد، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تفصل المشاعر أو الأسئلة الإنسانية.
الحرب: من خلفية للأحداث إلى أثر في الداخل
تحضر الحرب في الرواية بوصفها قوة تحيط بالشخصيات وتعيد تشكيل تفاصيل حياتها. غير أن إمكان تعميق هذا الجانب يظل قائمًا، خصوصًا في الكشف عن أثر الحرب في البنية النفسية للشخصيات.
فالحرب لا تغيّر المكان فقط، وإنما تغيّر طريقة الإنسان في الاختيار، وفي الحب، وفي الخوف، وفي النظر إلى المستقبل.
ومن هنا كان يمكن للرواية، في بعض المواضع، أن تمنح هذا الأثر الداخلي مساحة أكبر؛ بحيث لا تبقى الحرب قوة خارجية تحرك الأحداث، بل تصبح تجربة تتسلل إلى وعي الشخصيات وتعيد تشكيلها.
ومع ذلك، فإن اختيار الرواية التركيز على قدرة الإنسان على الاستمرار يمنحها خصوصيتها؛ فهي لا تسعى إلى إعادة إنتاج مشهد الحرب بقدر ما تسأل: ماذا يبقى من الإنسان حين تهدم الحرب كثيرًا مما حوله؟
اللغة: البساطة بوصفها اختيارًا
تتميز لغة الرواية بالوضوح والسلاسة، وتبتعد عن التعقيد اللغوي الذي قد يحجب الفكرة عن القارئ.
وتناسب هذه اللغة طبيعة الموضوع؛ فالرواية تتوجه إلى مساحة إنسانية واسعة، وتتعامل مع قضايا يمكن أن تصل إلى القارئ العربي، وربما إلى القارئ خارج السياق العربي أيضًا.
كما تؤدي التفاصيل اليومية الصغيرة، مثل الكتب والقهوة والمطر والأطفال والرسائل والمدرسة، دورًا دلاليًا يتجاوز حضورها الواقعي؛ إذ تتحول إلى إشارات على استمرار الحياة في مواجهة الفقد.
وهنا تكمن إحدى جماليات الرواية: أنها لا تبحث عن البطولة دائمًا في الأحداث الكبرى، وإنما تجدها أحيانًا في القدرة على الحفاظ على تفصيل صغير من تفاصيل الحياة.
الصراع والعقدة والحل: هل ينتصر الأمل؟
يتصاعد الصراع مع فقدان غالية لمدرستها وبيتها وأجزاء من حياتها، ومع ما يعيشه حمزة من فقد، بينما تحاول نادية الانتقال من دور المتابعة عبر الشاشة إلى دور أكثر حضورًا وفاعلية.
ولا تقدم الرواية حلًا واقعيًا مكتملًا للحرب، وهو أمر منطقي؛ فالحرب ليست عقدة روائية يمكن حلها بجملة أخيرة.
لذلك يأتي الحل في صورة أخرى: إعادة إنتاج الحياة من داخل الخسارة.
بناء المدرسة، استمرار الأطفال، كتابة الرسائل إلى المستقبل، وتمسك الشخصيات بأدوارها؛ كلها محاولات صغيرة لا تمحو الفقد، لكنها تمنع الفقد من أن تكون له الكلمة الأخيرة.
وهنا يصبح الأمل موقفًا، لا نتيجة جاهزة.
ملاحظات في البناء الفني والدلالي
تجمع الرواية بين وضوح الرسالة الإنسانية وبساطة البناء، وهو ما يجعلها قادرة على الوصول إلى قارئ واسع. غير أن هذا الوضوح نفسه يفتح بابًا لمزيد من الاشتغال الفني.
فالشخصيات، كما سبق، تؤدي وظائف دلالية واضحة، لكن بعضًا منها كان يمكن أن يستفيد من مساحة أكبر للتناقض النفسي، بما يجعل الشخصية أقل اقترابًا من «الفكرة» وأكثر اقترابًا من الإنسان بتعقيداته.
كذلك، فإن بعض المقاطع تميل إلى تفسير الفكرة بدل تركها تتولد من الحدث. وفي الرواية التي تمتلك مثل هذه الحمولة الإنسانية، قد يكون الإيحاء أحيانًا أكثر تأثيرًا من التصريح؛ لأن ما يكتشفه القارئ بنفسه يظل أكثر قابلية للتأويل.
أما الحرب، فوجودها قوي بوصفها محركًا للأحداث، وكان يمكن تعميقها أكثر بوصفها أثرًا داخليًا يعيد تشكيل العلاقات والاختيارات والخوف والذاكرة.
وفي المقابل، تُحسب للرواية قدرتها على ألا تجعل التعليم شعارًا مجردًا؛ بل تربطه بالطفل والمستقبل واستعادة القدرة على بناء الحياة. وتزداد الفكرة قوة حين تُفهم المدرسة باعتبارها حماية للمستقبل، لا بديلًا عن السلام.
حتى العنوان نفسه يحتمل قراءة أوسع؛ فالغيمة قد تحجب الضوء، لكنها قد تحمل المطر، وقد تمر دون أن تمطر. وهذا التعدد يجعل رمز الغيمة غير مغلق على معنى واحد، فيما تمنح «الحافة» الرمز توتره الأساسي: الوقوف بين الخوف والرجاء، وبين الفقد وإمكان الاستمرار.
أما النهاية، فقيمتها لا تكمن في أن الأمل حلٌّ للحرب أو الخسارة، وإنما في أن الأمل يتحول إلى موقف إنساني يرفض أن تكون الخسارة خاتمة كل شيء.
وبذلك لا تتعارض قوة الفكرة في الرواية مع الملاحظات الفنية عليها؛ بل إن هذه الملاحظات تفتح مجالًا لقراءات أخرى يمكن أن ترى في النص طبقات جديدة، خصوصًا على مستوى البناء النفسي والإيحاء السردي.
غيمتان… لكن السماء واحدة
في النهاية، تتجاوز الرواية حكاية غالية ونادية إلى سؤال إنساني أوسع: هل يكفي الإنسان أن يتعلم كيف يستمر رغم الخوف، أم أن من حقه أولًا أن يعيش آمنًا؟
الإجابة تبدو واضحة: نحن بحاجة إلى الأمل كي نستمر، لكننا بحاجة إلى الأمان كي نعيش. فالأمان هو الذي يمنح الإنسان سلامه الداخلي وقدرته على التعليم والعمل والحلم، وعلى المشاركة في بناء مجتمعه ودولته.
وهنا تتخذ الغيمتان معناهما الأخير؛ واحدة فوق غزة، وأخرى فوق الجزائر، لكن السماء واحدة.
فالوطن ليس أن نبقى أحياء فيه فحسب، بل أن نعيش فيه آمنين، ونرى في سمائه غدًا يتسع لأحلام أبنائه.
غيمتان على نفس الحافة؛ حافة الألم والأمل، لكن السماء واحدة، والوطن الذي نحلم به واحد.












