الفنانة لطيفة مهراوي هي قامة من قامات المحترف التشكيلي والبحث البصري المعاصر، وتجربتها الفنية تتميز بخصوصية لافتة تنعكس بوضوح في لوحة “حلم”.
هذه اللوحة تقدم تجربة بصرية غنية ومثيرة للاهتمام، حيث تمتزج فيها العناصر الطبيعية بالأسلوب التجريدي والتعبيري، لتخلق فضاء مشحونا بالعاطفة والرمزية.
الإطار داخل الإطار: أول ما يلفت الانتباه هو اختيار رسم إطار برتقالي/أصفر دافئ يحيط بالمشهد الداخلي. هذا الأسلوب يعزز فكرة “اللوحة داخل اللوحة” أو النظر من خلال نافذة، مما يمنح المشاهد شعورا بأنه يراقب عالما داخليا حميميا أو حلميا، ويفصل عالم اللوحة عن الواقع الخارجي.
الحركة والعمق: التكوين يعتمد على حركة عمودية قوية مدفوعة بجذوع الأشجار الممتدة نحو الأعلى. الأشكال البيضاء الانسيابية الملتفة حول الجذوع تخلق خطوطا منحنية تكسر حدة الخطوط العمودية، وتمنح اللوحة ديناميكية وحركية مستمرة تشبه تصاعد الدخان أو تدفق السوائل.
التضاد اللوني الحار والبارد( اللون والضوء): هناك حوار ذكي بين الألوان الحارة (الأصفر، البرتقالي، ولمسات الأحمر المرجاني في الأسفل) والألوان الباردة والخلفية (الأخضر الباهت، التيركواز، والأبيض الحليبي). هذا التناقض يمنح اللوحة طاقة بصرية متوازنة؛ فالألوان الحارة تمنح الدفء والحيوية، بينما الألوان الباردة تضفي الغموض والعمق.
الضوء الداخلي: الضوء لا يأتي من مصدر خارجي محدد (كالشمس مثلا)، بل يبدو منبعثا من المساحات البيضاء والصفراء في عمق اللوحة، مما يعزز الطابع الروحاني أو الميتافيزيقي للمشهد.
تنوع الملامح البصرية: تبرز في اللوحة ضربات فرشاة عفوية وسريعة تشكل جذوع الأشجار وفروعها العارية، مما يمنحها طابعا تعبيريا.
الأنماط النقطية : يظهر استخدام لافت لتقنية التنقيط أو الأنماط الشبيهة بخلايا النحل أو المنسوجات باللون الأحمر والبرتقالي في الأجزاء السفلية والوسطى. هذا العنصر الزخرفي يضفي بعدا ملموسا يذكرنا بالفنون الحرفية أو الأنسجة الطبيعية، ويخلق تباينا جميلا مع المساحات الناعمة والمنسابة للأشكال البيضاء.
القراءة السيميائية والرمزية
الغابة كرمز للداخل الإنساني: الأشجار العارية والبيئة الشبيهة بالغابة غالبا ما ترمز في علم النفس التحليلي إلى اللاوعي، أو المتاهة الداخلية، أو رحلة البحث عن الذات.
التحول والسيولة: الأشكال البيضاء الشفافة التي تخترق الأشجار يمكن تأويلها كأرواح، أو ضباب، أو قوى غير مرئية تعبر عن التحول والصيرورة . إنها تمنح الغابة حياة موازية، حيث تلتف حول الجذوع كأنها تحميها أو تنبثق منها.
الجذور والتربة: التركيز اللوني والنقوش الحيوية في أسفل اللوحة تشير إلى ارتباط قوي بالأرض، بالمنشأ، وبالجذور، حيث تنطلق الطاقة من الأسفل (التربة المشبعة بالأحمر والنقوش) لتتسامى نحو الأعلى عبر الجذوع والخطوط الزرقاء/الخضراء الرفيعة.
بصفة عامة، العمل يمثل توازنا جميلا بين العفوية التعبيرية والتحكم الحسي في توزيع المساحات والأنماط. إنها لوحة لا تنقل الطبيعة كما هي، بل تنقل “الحالة الشعورية” للطبيعة وللإنسان في آن واحد، وتترك للمشاهد مساحة واسعة للتأويل البصري والوجداني.
فوزية جعيدي













