الخلود الخفي للأمكنة بين الذاكرة والزمن
حين تحفظ الاماكن بأرواحنا القديمة ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري – اليمن
ثمة أماكن في حياتنا لا تمر عليها السنوات كما تمر على سائر الأشياء ، أماكن تبدو وكأنها عقدت سرا خفيا مع الزمن ، فلا يقدر على محوِ روحها مهما أثقلها بالغبار والغياب ، لإنها لا تعيش في الخرائط وحدها بل في الذاكرة الإنسانية العميقة ، حيث تختبئ تفاصيلها بين طبقات الحنين كما تختبئ الرسائل القديمة بين صفحات الكتب المنسية ، حيث كل مكان أحببناه يوما يظل محتفظا بشيءٍ منا ، بصوت عبر منه ، أو حلم ولد في أحد أركانه ، أو دمعة سقطت بصمت على جدرانه ، ولذلك لا تكون الأمكنة مجرد فضاءات نعبرها بل أرواحا خالدة تسير معنا خفية عبر الزمن ، وتعود إلينا كلما لامس القلب حنين قديم أو أعادت الذاكرة فتح أبواب الماضي من جديد
فليست الأماكن حجارة صامتة كما نظن ، ولا شوارع تقاسُ بطولها واتساعها ، بل كائنات خفية تمتلكُ ذاكرة تشبه ذاكرة البشر ، تتألم ، تشتاق ، وتحفظ في أعماقها أصوات الذين مروا بها ذات يوم ثم اختفوا داخل المدى ، فبعض المدن لا تموت مهما تغيرت خرائط العالم ، وبعض البيوت تبقى عامرة رغم الخراب ، لأن الأرواح التي عبرتها تركت شيئا من نبضها عالقا في الجدران ، وكأن الزمن نفسه عجز عن اقتلاعها ، لأن هناك أماكن لا ندخلها بأقدامنا فقط ، بل ندخلها بأعمارنا كلها ب : مكان قديم ، ونافذة نصف مفتوحة ، درج حجري تآكل من كثرة العابرين ، ورائحة قهوة بعيدة ، أو حتى ظل شجرة هرمة ، كل ذلك قد يعيد إلينا حياة بأكملها كنا نظن أنها انتهت ، فالأماكن الحقيقية لا تسكن الجغرافيا بل تسكننا نحن ، وتبقى مختبئة بنا في أعماق الروح حتى تأتي الحظة التي تنهض دفعة واحدة كذكرى أبدية لا تشيخ
ولهذا يبدو الزمن عاجزا أمام بعض الأمكنة ، لإنه يستطيع أن يُسقط الإمبراطوريات ويطفئ وجوه البشر ويبدل ملامح المدن ، لكنه لا يستطيع أن يقتل الروح التي استقرت في مكان ما أحببناه بصدق ، لأن الحب حين يمر على الأشياء يمنحها نوعا من الخلود الخفي ، فتتحول الأزقة إلى ذاكرة والنوافذ إلى حنين والأبواب القديمة إلى شهود صامتين على أعمار كاملة عبرت من هناك ، ولهذا السبب نبكي أحيانا عند العودة إلى مكان قديم ونسترجع تفاصيله المتصلة بنا ، على الرغم من أنه لم يقل لنا شيئا ، الا إننا نعيش ذلك تفصيلا معه ، لأن المكان لا يتحدث بالكلمات بل بما يوقظه بداخلنا ، فكل ركن يحمل نسخة قديمة من أرواحنا ، الطفل الذي كناه يوما ، الضحكة التي ضاعت بين اروقة الزمن ، الوجوه التي رحلت ولم تعد ، والأحلام التي كانت تمشي معنا تحت ضوء قديم على اطراف مدينة ، لتحفظ بذلك الأمكنة ما يعجز البشر عن الاحتفاظ به ، وتخبئه داخل أروقتها حتى لا يضيع بالكامل في زحام الحياة
أن الأماكن الخالدة ليست دائما عظيمة أو مشهورة ، فقد تكون مقعدا مهملا في حديقة ، أو غرفة صغيرة في بيت قديم ، أو شارعا لا يعرفه أحد سوى قلب واحد ، لكن قيمتها لا تأتي من شكلها بل من الأرواح التي مرت بها وتركت فيها شيئا من دفئها الإنساني ، فالروح البشرية حين تحب مكانا ما تمنحه عمرا إضافيا لا يراه الآخرون ، ليبقى العالم بذلك ممتلئا بأماكن مختبئة بين أروقة الزمن ، تبدو للغرباء مجرد حجارة عادية لكنها بالنسبة لأصحابها أوطان كاملة من الشعور ، أماكن لا يراها القلب بعينيه فقط بل يسمعها أيضا ، يسمع ضحكات الأمس ، وقع الأقدام القديمة ، والأصوات التي ابتلعها الغياب منذ سنوات طويلة ، لذلك فالأماكن لاتموت ، إنها فقط تختبئ داخل الزمن ، وتنتظر لحظة حنين واحدة كي تعود حية بكامل روحها وكأنها لم تغادرنا أبدا ، لأنها تبقى بداخلنا حية حتى بعد أن يبتلعها الزمن وتغيب ملامحها عن العالم ، فكم من مدينة ما زالت تسكننا رغم أننا غادرناها منذ أعوام ، وكم من نافذة قديمة ما زالت تفتح في أرواحنا ليلا دون أن نراها ، نعم هي تختبئ في أكثر الزوايا هشاشة داخل القلب ، وتنتظر لحظة حنين واحدة كي تعود بكامل دفئها وصوتها القديم ، لكن يبقى السؤال الحاضر دائما : هل نحن الذين نشتاق إلى الأماكن ، أم أن الأماكن هي الأخرى تشتاق إلينا بصمت لا يسمعه سوى الذين تركوا جزءا من أرواحهم هناك ؟ .













