على هامش “سيرة الشعر والمنفى”.. في رحاب “الناصر”
بقلم: نهى عودة
هناك رجال لا تنتهي حكايتهم برحيلهم، لأنهم يتحولون من أشخاص إلى فكرة، ومن سيرة إلى ذاكرة، ومن حضور إلى أثر يسكن فينا. وفي ذاكرتي، كانت هناك دائمًا شخصيات تركت أثرًا خاصًا، وكان لها حضور مختلف في تكوين هذا الحب للثورة والوطن والمبدأ، وفي مقدمتهم الحبيب الغالي “أبو عمار” (ياسر عرفات)، بما يمثله من ذاكرة وانتماء وحكاية لا تنفصل عن وجداننا.
ومن هذا الباب أيضًا أحببت “جمال عبد الناصر”؛ رجلًا ارتبطت سيرته لديّ بمعانٍ كثيرة: الوطن، العروبة، المبدأ، الإيمان بالفكرة والعمل من أجلها حتى النهاية.
لم يكن الناصر بالنسبة لي مجرد رئيس لبلاد عربية كبيرة، ولا رجلًا عابرًا في تاريخ مصر والعروبة؛ كان حكاية وطن كامل، حكاية أصول لا تنفصل عن الأرض، وحكاية مبدأ لا يتبدل، ورجلًا آمن بما يؤمن به ومضى في طريقه.
وخلال زيارتي الأخيرة إلى مصر، لحضور احتفالية أقامها الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية (فرع مصر – اللجنة الثقافية) بالتعاون مع ملتقى الشعراء العرب، للاحتفاء بالكتاب الذي أنجزه الأديب الشاعر “ناصر رمضان عبد الحميد”، تحت عنوان “ياسمينة عكّا… الشاعرة الفلسطينية نهى عودة: سيرة الشعر والمنفى”، وأصدرته دار رنة للنشر والتوزيع، وهو يوثّق سيرتي الأدبية والإنسانية.. خلال زيارتي كان لا بد لي من زيارة متحف الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر”، لأنشق عبق التاريخ العربي المجيد في مرحلة عرفت كثيرا من الأحداث والتحولات.. ولعل أكثر ما شدني في هذه الزيارة لم يكن المكان وحده، بل ذلك الشعور الغريب بأنني أقترب من تفاصيل رجل أحببته من خلال سيرته. أن أنظر إلى كرسيه وأتخيل أنه جلس هنا، أن أمرّ في ركن وأقول: ربما وقف هنا، أو دخّن هنا، أو اتخذ قرارًا هنا، أو نظر من هذه النافذة إلى هذه الحديقة. تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها بالنسبة لمن يحمل محبة حقيقية ليست بسيطة أبدا.
ومع كل مقتنى، وكل صورة، وكل زاوية، كانت سيرته تقترب مني أكثر. وربما كان أجمل ما في الأمر أن هذا الحب لم يبدأ معي وحدي؛ فقد زرع أبي فينا منذ سنوات هذا الحب، وترك في وجداننا شيئًا من التعلق بالوطن والفكرة وبأولئك الذين جعلوا من المبدأ طريقًا لحياتهم.
لهذا، تجمعت الدموع في عيني دون أن أستطيع منعها. خرجت وكأنني في تلك اللحظة أفقد رجلًا عظيمًا من جديد، رغم أنه رحل منذ عقود. وهو الشعور ذاته الذي انتابني عندما زرت قبره للمرة الأولى، قبل سنتين أو أكثر؛ شعور بأنك تقف أمام غياب حاضر، وأمام رجل لم تعرفه شخصيا، لكنه ترك فيك من الأثر ما يجعلك تشعر أنك فقدته.
“ناصر” لم يكن رجلًا عاديا؛ كان رجلًا استثنائيًا في زمن استثنائي، ولهذا بقي حاضرًا رغم الغياب، وبقيت سيرته قادرة على تحريك المشاعر بعد كل هذه العقود من رحيله، رغم كل محاولات التشويه التي طالته.
في بيته وحديقته ومقتنياته، لم أشعر أنني أمام مكان للتاريخ فحسب؛ شعرت أنني أمام جزء من الذاكرة، وأمام أثر إنسان لا بزال قادرًا على أن يجعلنا نحب، ونحزن، ونبكي، ونستعيد معنى الوطن والمبدأ والانتماء.
رحم الله “ناصر” القلب.. ورحم أبي الذي زرع فينا هذا الحب، وحفظ فينا دائمًا قيمة الوطن والفكرة والمبدأ.













