حين يغادر النص ظله
حين أنشر نصًّا، لا أبحث عن التصفيق وحده؛ فالتصفيق أحيانًا يصفّق للكاتب، بينما النقد يحاور النص.
يسعدني أن يأتي المصحح اللغوي، فيوقظ حرفًا غفلت عنه، فأترك للحرف أن يستعيد موضعه، وأكمل مسيري. لا أشعر أن التصحيح ينتقص مني؛ فالكاتب الذي يخاف من ملاحظة صغيرة قد يخسر أمامها فرصةً كبيرة ليرى نصه بعينٍ لم تكن عينه.
لكنني أتساءل: لماذا يتحول التصحيح أحيانًا من إنقاذ الحرف إلى السخرية من صاحبه؟ صحّحوا النص كما تشاؤون، لكن لا تجعلوا من الخطأ منصةً للاستهزاء بالكاتب. فالكاتب ليس قاعدةً نحوية تمشي على قدمين، ولا ينبغي أن يُختزل عمر القلم في حركة إعراب.
ثم ماذا يبقى للنص إذا نزعنا منه كل عثرة قبل أن يصل إلى القارئ؟
أين فخامة التركيز، ولذّة الخطأ، وألم القلم، وتعثر الممحاة، وغفوة العين؟
أنا أحب أن أرى في النص أثر صاحبه؛ شيئًا من عجلته، شيئًا من غفلته، وربما حرفًا أفلت من الرقابة ونجا إلى الصفحة. ثم يأتي المصحح ليوقظه، فأبتسم وأتركه يأخذ مكانه؛ فقد تعلّمت أن الملاحظة لا تهدم النص، بل قد تفتح فيه نافذة.
ثم يأتي الناقد، فينقّب في طبقات الكلام، وقد يرى في الجملة ما لم أره لحظة كتابتها، ويأتي قارئ آخر فيفتح نافذةً جديدة على المعنى، وربما يختلف معي فيقرأ النص من جهة لم أقصدها أصلًا.
ولعل الأدب نفسه يذكّرنا بأن طريق الإبداع ليس طريقًا واحدًا. فكم من مبدع جاء إلى الأدب من باب التعلّم الذاتي، وكم من كاتب حمل معه تخصصًا علميًا أو معرفةً بعيدة عن الدراسات الأدبية، ثم وجد في اللغة فضاءه الخاص. فالشهادة قد تمنح صاحبها أدواتٍ معرفية، لكنها لا تمنح وحدها شرارة الإبداع؛ كما أن غياب التخصص الأدبي لا يعني غياب القراءة والتجربة والوعي.
أنا لا أقول إن القاعدة لا قيمة لها، ولا إن التخصص الأدبي لا أهمية له؛ بل أقول إن الأدب أوسع من أن يُغلق بابه على شهادة، وأعمق من أن يُختزل في تصحيح خطأ.
فأنا عصامي، وما تعلّمته لم تأتني به قاعة درس وحدها؛ قرأت، وجربت، وأخطأت، وعُدّلت لي أخطاء، وربما عدت إلى النص مرات. وفي كل مرة كنت أكتشف أن القلم مدرسةٌ لا تنتهي، وأن الحياة نفسها كتابٌ مفتوح.
لهذا لا أتعامل مع النص بعد نشره بوصفه ملكًا مغلقًا لصاحبه؛ فما إن يخرج من ظله حتى يصبح له ظلٌّ آخر في عين كل قارئ.
أنا لا أخشى الخطأ بقدر ما أخشى أن يمر النص بلا سؤال، ولا أخشى اختلاف القراءات بقدر ما أخشى قراءةً واحدة تدّعي امتلاك الحقيقة.
فالخطأ قد يُصحَّح، والعبارة قد تُهذَّب، والمعنى قد يُعاد اكتشافه، أما النص الذي لا يثير سؤالًا ولا يفتح بابًا للاختلاف، فربما لم يغادر الورق بعد.
أنا أكتب، ثم أترك النص يمشي وحده… فمن وجده صحّح حرفًا، ومن وجده فكك لغزًا، ومن وجده أضاف إليه معنى؛ وكلهم، بطريقة ما، أكملوا معي الطريق.
أما من صحّح ثم استهزأ، فقد رأى العثرة ولم يرَ الطريق؛ رأى الحرف ولم يرَ اليد التي كتبته.
فالخطأ عندي ليس عارًا، بل أثر قلمٍ بشري؛ والتصحيح ليس سيفًا على الكاتب، بل يدٌ توقظ ما غفا في النص.
بقلم الشاعر رضا بوقفة شاعر الظل العصامي
وادي الكبريت سوق أهراس
الجزائر













