زمن الشعر
مالي وللشِّعرِ ينساني وأنساه
ويرقُصُ الحرفُ في كفِّي فأخشاهُ
ما كنتُ للعهدِ يوماً خائناً أبدا
والطَّيرُ يشهدُ كم بالحُبِّ غنَّاهُ
ولا كسَرتُ سهامَ الوجدِ عن عَمَدٍ
والشِّعرُ يعشقُ من بالرُّوحِ يلقاهُ
ولا صَحَوتُ بدون الضَّادِ أعشقُها
والضَّادُ تمنحُني ما كنتُ أهواهُ
وأنثُرُ الدُّرَّ بين النَّاسِ مكرُمةً
والحُرُّ يعشقُ من يبغونَ لُقياهُ
وأجملُ الشِّعرِ ما يأتي بلا عَنَتٍ
وأجملُ الحُبِّ من بالعقلِ نهواهُ
وفرحةُ المرءِ ﻻ تأتي بلا عملٍ
ودمعةُ العينِ للمحزونِ مأواهُ
لي فيكَ يا شِعرُ أبياتٌ أردِّدُها
فيضٌ من الحُبِّ بين الخلقِ مسعاهُ
وأجملُ الحرفِ ما يأتي على مَهَلٍ
وأجملُ الوصلِ من بالوصلِ نرعاهُ
عهدُ المحبَّةِ في الأشعارِ مَسكَنُهُ
وأجملُ الحُبِّ ما تُضنيكَ شكواهُ
وأجملُ الشِّعرِ حين الشَّوقَ يُلهبُهُ
حتَّى تغنَّى على مُضناهُ ذِكراهُ
لا تحسبوا الشِّعرَ أوزاناً نُردِّدُها
لكنَّما هو وحيٌ ما عرفناهُ
كم بالحروفِ وكم بالشِّعرِ من لغةٍ
وليسَ يُدركُ سِرَّ الحرفِ من شاهوا
كم بالحروفِ وكم بالشِّعرِ من شجنٍ
فليسَ للمرءِ فيه ما ترجَّاهُ
وآيةُ العِلمِ فيهِ أنَّهُ نغمٌ
وآيةُ السِّحرِ فيهِ ما جهِلناهُ
الشِّعرُ يعرفُ من بالحُبِّ يكتُبُهُ
وراهبُ الشِّعرِ صارَ الشِّعرُ موﻻهُ
وراهبُ الشِّعرِ ﻻ يبغي بهِ بدلاً
يكفيهِ بيتٌ من الأوزانِ يحياهُ
يكفيهِ حرفٌ من الأوجاعِ يُنشِدُهُ
إذا رأى طيفَهُ المحبوبَ واساهُ
وجمرةُ الضَّادِ في الثُّوارِ يُشعلُها.
من قلبِهِ وعيونُ النَّاسِ ترعاهُ
على العُتاةِ وحينَ البأسِ يُلهبُهُ
سوطاً من النَّارِ ﻻ تخفى شظاياهُ
عهدُ البلاغةِ في الأشعارِ ما نضُبتْ
وكيفَ ينضُبُ من بالنُّور مُحياهُ
فنُّ القلوبِ عظيمُ الشَّأنِ ما عظُمت
شمسٌ عليهِ ولا عِلمٌ تخطَّاهُ
فلا الرِّوايةُ رغمَ السَّردِ أخفَتْهُ
ولا الحِكايةُ رغمَ القَصَّ تنساهُ
لو تسألِ العِشقَ أينَ الآهُ غافيةٌ
يُجيبُك العِشقُ أنَّ الشِّعر مجراهُ
الشِّعرُ نورٌ حَبَاهُ اللهُ مكرُمةً
للمرءِ تُذكرُ من أحلى مزاياهُ
وأسعدُ النَّاسِ من يحيا بلا طمعٍ
ولا تغيبُ عن الأحبابِ ذِكراهُ
الشِّعرُ يسكُنُ من بالنُّورِ مَسكَنُهُ
والعاشقون وإن شَطُّوا ضحاياهُ
الشِّعرُ يملِكُ عرشَ القلبِ في دِعَةٍ
والعارفون وإن تاهوا رعاياهُ
بين يدي هذه المقطوعة الباذخة للشاعر الدكتور ناصر رمضان عبد الحميد، نحن لا نقرأ مجرد أبيات، بل نقف أمام “مانيفستو” شعري يحاول استعادة عرش الكلمة في زمن المادة.
في محراب الضاد:
قراءة نقدية لقصيدة “زمن الشعر”
للدكتور ناصر رمضان
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
المقدمة:
غبش الرؤيا واشتعال الحرف
حين تغفو الشمس في مآقي الصمت، ويستحيل المدى قفراً من نداء الروح، ينهضُ الشعرُ كالعنقاء من رماد الحيرة، لينفث في رئة الوجود أنفاس الضاد الخالدة. إن هذه القصيدة ليست رصفاً لآجرّ الكلمات، بل هي انزياحٌ صوفي من ضيق الواقع إلى رحابة الرؤيا، حيث يغدو الحرفُ “درّاً” يُنثر في فيافي القلوب العطشى. لقد استطاع الشاعر أن ينسج من خيوط “الوجْد” كفناً للعدم، معلناً صرخة “اللاهوت الشعري” في وجه مادية العصر؛ فكأنَّ القصيدة كنايةٌ عن بعثِ الهوية، ورمزٌ لجمرةٍ لا تنطفئ خلف قضبان الأوزان، ومحاولةٌ فلسفية لترميم تصدعات الذات الإنسانية عبر مِرآة القافية، حيث يتماهى “الراهب” مع “المولى” في حلولٍ شعريٍّ عجيب.
أولاً: بنية النص وفلسفة “الوعي الشعري”
تتمحور القصيدة حول ثنائية (الشاعر/ الشعر)، وهي علاقة جدلية تنطلق من العتاب وتنتهي بالخضوع التام لعرش القصيدة.
• عقدة البداية (التمرد والعودة): يبدأ الشاعر بأسلوب “تجاهل العارف” (مالي وللشعر ينساني وأنساه)، وهو استهلال ذكي يصور الشعر ككائن حي له إرادة، يغيب ويحضر، يرقص ويرهب.
• ماهية الشعر: يرفض الشاعر حصر الشعر في “الأوزان”، بل يرفعه لمصاف “الوحي” و**”السحر”** و**”النغم”**. هنا نجد رؤية فلسفية ترى أن الشعر جوهرٌ سابقٌ على القالب، وطاقةٌ لا يدرك كنهها إلا من “صفا قلبه”.
ثانياً: التحليل الجمالي واللغوي (سيمياء الحرف)
• الصور الفنية (التشخيص والتجسيد): استخدم الشاعر “التشخيص” بكثافة؛ فالشعر “يعشق”، و”ينسى”، و”يسكن”. وفي قوله (وجمرة الضاد في الثوار يشعلها)، نقل اللغة من حالتها الساكنة إلى حالة “الفعل الثوري”، حيث تصبح الكلمة “سوطاً من نار” في وجه الطغاة.
• المعجم الشعري:
تراوح المعجم بين (الوجد، الروح، الحب، النور) وبين (الأوجاع، الأنين، سوط النار). هذا التضاد يعكس دور الشعر المزدوج: كونه بلسماً للمحزون، وسلاحاً للمناضل.
• الانزياح والدلالة:
في قوله (راهب الشعر صار الشعر مولاه)، نجد انزياحاً دلالياً يعكس حالة “الفناء في القصيدة”، حيث تنقلب الأدوار ويصبح الشاعر عبداً لجماليات النص، وهي رؤية تذكرنا بمواقف المتصوفة في عشق الجمال المطلق.
ثالثاً: الشعر في مواجهة الفنون الأخرى (السيادة الفنية)
بذكاء نقدي، يعرج الشاعر على مقارنة بين الشعر والفنون السردية (فلا الرواية رغم السرد أخفته / ولا الحكاية رغم القص تنساه). هنا ينتصر الشاعر لـ “الومضة” على “التفصيل”، ولـ “الآه” على “الحكاية”، مؤكداً أن جوهر العشق يكمن في “المجرى الشعري” لا في الإسهاب النثري.
رابعاً: البعد الأخلاقي والاجتماعي
لم ينعزل الشاعر في برجه العاجي، بل جعل الشعر “مكرمة” و”عملاً”. إن ربطه بين الفرح والعمل، وبين الشعر والبلاغة التي لا تنضب، يعيد للقصيدة دورها التربوي والرسالي كـ “نور حاباه الله” للبشرية.
الخاتمة:
انصهار الحبر في أتون الأبدية
وختاماً، فإن هذه القصيدة هي معراجٌ ضوئي تسلكه الروح لتتحرر من قيد الطين، وهي استعارةٌ كبرى لحياةٍ لا تموت ما دام الحرف يسكبُ نبيذ الخلود في كؤوس السنين. لقد أبدع الشاعر في صهر “أنا” الشاعر بـ “هو” الشعر، حتى استحال النصُّ أيقونةً تتردد في محراب العارفين، وشمساً لا تغيب شطآنها وإن تاهت في ليل المادة رعاياها. إنها “جمرة الضاد” التي ستبقى تُلهبُ وجدان الثوار وتُطبطبُ على قلوب العشاق، في سيمفونيةٍ كونيةٍ تختزلُ الوجود في “بيتٍ من الأوزان”، ليبقى الشعرُ هو العرشُ الأسمى، والملكوتُ الذي لا يزول، مهما تبدلت الأزمانُ أو شطّت بالخلق المتاهات.















