من كونفوشيوس إلى موراكامي
رحلة الادب الأسيوي وخلوده عبر الزمن ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
ثمة آداب تقرأ لتمتع العقل وأخرى تقرأ لتوقظ الوجدان ، غير أن ” الأدب الآسيوي ” ولا سيما في ” الصين واليابان ” لم يكن يوما مجرد أثر لغوي أو ترف ثقافي بل كان منذ فجر الحضارات مشروعا روحيا عظيما سعى إلى تفسير الإنسان قبل تفسير العالم وإلى تهذيب النفس قبل تشييد المدن ، فهناك لم تكن الكلمة ابنة اللحظة بل وريثة آلاف السنين من التأمل والصمت ، حتى غدت القصيدة شجرة تضرب جذورها في الأرض فيما تعانق أغصانها السماء ، ولعل السر الكامن في خلود هذا الأدب أنه لم يولد من صخب الإمبراطوريات بل من هدوء الحكماء ، ففي الصين لم تنفصل الكتابة عن الفلسفة يوما إذ صاغ ” كونفوشيوس ” مفهوم الفضيلة بوصفها جوهر العمران الإنساني ، بينما فتح ” لاو تسي ” في كتابه ” طاو تي تشينغ ” أبواب الحكمة على مصاريعها ، مؤمنا بذلك بأن أعظم القوى هي تلك التي لا تستعرض سلطانها ، وأن الماء، بلينه قادر على هزيمة الصخر بفضل صبره ، ومن هذه الرؤية ولد أدب يرى في النهر حكمة وفي الجبل ذاكرة وفي الصمت لغة أبلغ من الضجيج
أما اليابان فقد منحت الأدب بعدا أكثر شفافية ، حيث امتزجت الكلمة بروح ” الزن والبوذية ” فأصبحت التفاصيل الصغيرة مرآة للكون بأسره ، فزهرة كرز تتساقط في ربيع عابر هناك أعمق دلالة من ملحمة كاملة ، لأن الجمال في المخيلة اليابانية لا يقاس بطول بقائه بل بقدرته على تذكير الإنسان بفناء الأشياء وخلود المعنى ، وعلى الرغم من أن الحداثة الغربية فرضت حضورها الكاسح عبر مؤسسات النشر والإعلام والترجمة ، الا ان الأدب الآسيوي لم يذب في هذا المد الثقافي ، لأنه لم يكن أدبا يبحث عن الانتشار بقدر ما كان يبحث عن الحقيقة ، حيث لم يقاوم بالصدام وإنما بالرسوخ ، فالثقافات التي تستند إلى جذور ضاربة في التاريخ لا تهزها رياح العولمة بل تتحول إلى منارات تهتدي بها الأجيال كلما أرهقها ضجيج العصر
ومن بين الأسماء التي صنعت هذا المجد الأدبي ، يبرز الشاعر ” لي باي ” شاعر الحرية والطبيعة الذي جعل من القصيدة فضاء للتحليق الروحي ، إلى جانب ” لو شون ” الذي أيقظ الوعي الصيني الحديث بقلمه مؤمنا بأن الكلمة الصادقة قادرة على تحرير العقول قبل الأوطان ، وفي اليابان تقف ” موراساكي شيكيبو ” شامخة برائعتها حكاية ” غينجي ” التي عدها كثير من النقاد أول رواية مكتملة في التاريخ ، ثم يأتي ” ياسوناري كاواباتا ” الحائز على جائزة نوبل بقوله البليغ : الجمال لا يولد من الكمال بل من هشاشة الأشياء ، بينما جسد ” هاروكي موراكامي ” في أدبه الحديث اغتراب الإنسان المعاصر ، كاشفا أن أكثر الرحلات عمقا هي تلك التي يخوضها المرء داخل ذاته ، ليورث بذلك الأدب الآسيوي اعظم فلسفة لحياة كاملة ، لانه يعلم الإنسان أن الحكمة قد تسكن كلمة وأن الصمت قد يكون أبلغ من الخطب وأن الطبيعة ليست مشهدا خارج الإنسان بل امتدادا لروحه ، وهذا هو السر الذي أبقاه حاضرا في ذاكرة الإنسانية رغم اكتظاظ العالم بالآداب والتيارات والمدارس ، لأنه لم يكتب عن الإنسان كما هو بمعناه الخارجي بل كما ينبغي أن يكون روحا وفكرا ، ليثبت لنا بذلك ” الأدب الآسيوي ” أن الحضارات لا تقاس بما تبنيه من أسوار بل بما تتركه من أفكار ، وأن الأمم التي تحفظ حكمة أسلافها في الكتب إنما تحفظ مستقبلها في الوقت ذاته ، فالكلمات العظيمة لا تهزمها الأزمنة لأنها لا تعيش في الأوراق بل في ضمير الإنسان ، حيث لا سلطان للزوال .













