azharalharf – مجلة أزهار الحرف
  • أخبار
  • أدب
    • التراجم
    • الزجل
    • القصة
    • النقد
    • شعر
    • نصوص مترجمة
    • ومضة
  • اخترنا لك
  • الفن التشكيلي
  • حوارات
  • مقالات
No Result
View All Result
  • أخبار
  • أدب
    • التراجم
    • الزجل
    • القصة
    • النقد
    • شعر
    • نصوص مترجمة
    • ومضة
  • اخترنا لك
  • الفن التشكيلي
  • حوارات
  • مقالات
No Result
View All Result
azharalharf – مجلة أزهار الحرف
No Result
View All Result
مجلة أزهار الحرف الإلكترونية
Home أدب النقد

رواية (ما بين موتين) للأديبة اللبنانية دلال موسى بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

ناصر رمضان عبد الحميد by ناصر رمضان عبد الحميد
أكتوبر 3, 2026
in النقد
0
SHARES
0
VIEWS
Share on FacebookShare on Twitter

ما بين موتين: الذاكرة والانتقام والحب بين الرواية والواقع
دراسة نقدية في رواية «ما بين موتين» للروائية دلال موسى
بقلم ناصر رمضان عبد الحميد
مقدمة
تأتي رواية «ما بين موتين» للروائية دلال موسى بوصفها نصا سرديا يقوم على منطقة شديدة الالتباس بين الحياة والموت والذاكرة والنسيان والحب والذنب. ومنذ عتبتها الأولى، لا يبدو الموت في الرواية مجرد نهاية بيولوجية للإنسان، وإنما يتحول إلى حالة ممتدة تتعدد صورها داخل الشخصيات؛ فهناك موت الجسد، وموت الذاكرة، وموت العلاقات، وموت البيوت، وموت الأحلام، وموت النسخ القديمة من الإنسان.
وتبني دلال موسى عالمها الروائي على شخصية سراج التي تمر بتجارب متلاحقة تجعلها عالقة بين ماض لا ينتهي وحاضر لا يستطيع الاستقرار ومستقبل يبدو دائما مهددا بالانهيار. وفي مقابل سراج تقف جوري، الشخصية الأكثر تحولا وتعقيدا، إذ تنتقل من الفتاة التي تنتظر عودة سراج إلى المرأة التي تصنع لنفسها مشروعا للانتقام، ثم تتحول تدريجيا إلى شخصية تكتشف أن انتقامها من الآخر كان في جوهره صراعا مع ذاتها.
ولا تقف الرواية عند قصة علاقة عاطفية مضطربة، بل تفتح أسئلة أوسع حول معنى الانتماء، وحدود الذاكرة، وتأثير الفقد، وكيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى سجين للحظة قديمة مهما حاول أن يبدأ حياة جديدة. كما تمنح الرواية الكتابة نفسها دورا مركزيا؛ فالرواية التي تكتبها جوري داخل الرواية تتحول من وسيلة للتعبير عن الألم إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع والتحكم في مسارات الشخصيات.
ومن هنا تتشكل أهمية «ما بين موتين» في قدرتها على الجمع بين السرد النفسي والرؤية الرمزية والبعد التشويقي، بحيث يصبح القارئ أمام سؤال دائم: من الذي يكتب الحكاية فعلا؟ وهل تتحكم جوري في سراج، أم أن الماضي هو الذي يتحكم فيهما معا؟
أولا: دلالة العنوان «ما بين موتين»
يحمل العنوان طاقة دلالية واسعة، ولا يمكن اختزاله في الموت الجسدي وحده.
فالرواية تقدم أكثر من موت وأكثر من عودة. سراج يقترب من الموت فعليا ثم يعود منه، ويعيش بعد ذلك حياة مختلفة. وجوري تمر هي الأخرى بموت رمزي طويل؛ تموت الفتاة التي انتظرت سراج، وتموت صورة الحب القديم، وتموت صورة الأخ، ثم تولد داخلها امرأة أخرى أكثر قسوة وقدرة على التخطيط.
وهناك موت ثالث يتمثل في انهيار البيت والذاكرة والعائلة تحت وطأة الحرب والفقد.
ثم يأتي الموت الأخير لسراج، وهو الموت الذي يبدو في الظاهر نهاية الحكاية، لكنه في المستوى الرمزي يمثل نهاية المسار الذي بدأ يوم ترك جوري.
وهكذا يمكن النظر إلى «الموتين» بوصفهما موتين جسديين ورمزيين في آن واحد: موتا يمر به سراج في منتصف الرواية، وموتا نهائيا في خاتمتها، وبينهما حياة كاملة معلقة بين الماضي والحاضر.
كما أن جوري تعيش «بين موتين» نفسيين: موت المرأة التي كانتها، وموت المرأة التي أصبحتها بعد الانتقام.
ثانيا: بناء الرواية ومسارها السردي
تقوم الرواية على بناء متدرج يبدأ من الغموض وينتهي بكشف مأساوي.
في بدايتها، تضع الرواية القارئ أمام سراج المصاب والمعلق بين عالمين، ثم تعود إلى جذور حكايته العائلية، وموت الأب، والانتقال إلى بيت جواد، والعلاقة مع جوري وكريم.
بعد ذلك تتطور الأحداث من الحكاية العائلية إلى الصراع النفسي، ثم إلى الحب والغيرة، ثم إلى الحرب والفن، ثم إلى الموت والعودة، ثم إلى الذاكرة، والزواج الذي لم يتم، والرسالة التي كتبها سراج، واختفائه.
وفي القسم الأخير تتغير طبيعة الرواية مرة أخرى؛ إذ يعود سراج بعد سنوات، وتصبح جوري هي المحرك الأساسي للأحداث.
وهنا تنتقل الرواية من سرد الماضي إلى صناعة الماضي من جديد.
جوري لا تكتفي باستعادة ما حدث، بل تعيد تنظيمه وتوظيفه في مشروع انتقامي واع. وتتحول الرواية التي كتبتها إلى خريطة، وتتحول الشخصية الروائية إلى شخصية تكاد تخرج من النص لتعيد كتابة الواقع.
وهذه النقلة تمنح العمل بعدا ميتاسرديا *واضحا؛ فالكتابة لا تعود مجرد فعل فني، بل تصبح فعلا داخل الحدث.
ثالثا: جوري بوصفها الشخصية المحورية
إذا كان سراج هو مركز الأحداث في بدايات الرواية، فإن جوري تصبح في النصف الأخير مركز الثقل الحقيقي.
جوري من أكثر الشخصيات تطورا داخل النص. تبدأ طفلة فقدت أسرتها وتعلقت بسراج، ثم تصبح شابة تحمل حبا ملتبسا، ثم امرأة مجروحة بسبب رحيله، ثم كاتبة، ثم شخصية تخطط للانتقام، وأخيرا امرأة تكتشف أن مشروع الانتقام قد التهم جزءا منها.
أهمية جوري أنها ليست شخصية ثابتة.
إنها تتحول أمام القارئ.
وفي البداية يكون السؤال: ماذا فعل سراج بجوري؟
ثم يصبح السؤال: ماذا فعلت جوري بنفسها وهي تحاول الانتقام من سراج؟
وهنا ترتفع الشخصية من مستوى الضحية إلى مستوى الشخصية المأزومة أخلاقيا ونفسيا.
وتبلغ هذه الرحلة ذروتها في اعترافها:
«لكنني حين وصلت إلى النهاية… اكتشفت أنّها كانت تبني طريقا لتقتل المرأة التي كانتها يوم أحبته.»
هذه الجملة تلخص التحول الداخلي للشخصية، وتكشف أن الانتقام لم يعالج الجرح، بل أعاد إنتاجه.
رابعا: سراج بين الذنب والبحث عن الذات
سراج شخصية مأزومة بالذاكرة.
فهو لا يستطيع أن يهرب من الماضي، حتى عندما يحاول أن يبني حياة جديدة مع ليان.
تتكرر في الرواية جملة «لا أعرف» على نحو لافت، وتتحول من مجرد إجابة إلى علامة نفسية على شخصية فقدت قدرتها على تفسير ذاتها.
«لا أعرف» عند سراج تعني في مستويات مختلفة:
لا أعرف لماذا عدت.
لا أعرف ماذا أريد.
لا أعرف هل أحب جوري أم أفتقد الماضي.
لا أعرف هل أبحث عن الاعتذار أم الغفران.
لا أعرف أين قلبي.
وهذا يجعل سراج شخصية لا تعاني من غياب الإجابة فقط، وإنما من غياب القدرة على صياغة السؤال الداخلي.
وحين تقول له ليان: «أنت لا تعرف أين قلبك»، فإنها تختصر أزمته كلها.
سراج لا يعيش بين امرأتين فقط، بل بين صورتين لنفسه: الإنسان الذي كانه، والإنسان الذي أصبحه.
خامسا: ليان ووظيفة الشخصية الثالثة
ليان ليست شخصية هامشية، رغم أنها تدخل الرواية في مرحلة متأخرة.
وظيفتها الأساسية أنها تمثل الحياة التي حاول سراج أن يبنيها بعيدا عن الماضي.
هي المرأة التي أحبته دون أن تعرف الجرح القديم، ولذلك فإن اكتشافها للحقيقة لا يأتي بوصفه اكتشافا لخيانة عاطفية فقط، وإنما اكتشاف لحياة ناقصة من المعلومات.
تتميز ليان بأنها لا تكتفي بالغيرة، بل تتحول إلى شخصية قارئة ومحللة.
الرواية التي ترسلها جوري إليها تصبح مفتاحا لقراءة سراج.
وتدرك ليان تدريجيا أن المشكلة ليست أن سراج يحب جوري، بل أن هناك شيئا لم يحسمه في داخله.
ولهذا تصبح ليان مرآة أخرى لسراج، مثلما كانت جوري مرآته الأولى.
سادسا: كريم ودوره في تشكيل المأساة
يمثل كريم أحد المحاور التي تكشف تعقيد العلاقات في الرواية.
ففي البداية يظهر بوصفه شخصا يشعر بالغيرة من سراج، ثم تتطور علاقتهما، ويصبح صديقا له، قبل أن تتكشف علاقته بجوري وتورطه في السر المرتبط بها.
وتكمن أهمية كريم في أنه يمثل الجانب الآخر من الصراع على جوري، لكنه لا يبقى مجرد منافس عاطفي.
فهو يدخل في شبكة الأسرار التي تحيط بها، ويصبح جزءا من المسار الذي يقود سراج إلى الموت الأول ثم العودة.
وهكذا تتحول الغيرة الفردية إلى جزء من منظومة أكبر من الأسرار والخوف والهوية.
سابعا: الأب والأم والبيت
الأب في الرواية ليس شخصية عابرة، بل يمثل الأصل والذاكرة والبيت.
مشهد قراءة الشعر للأطفال، وإرسالهم بالزهرة إلى قبر الأم، ثم موت الأب بعد ذلك، يجعل الأب مرتبطا منذ البداية بفكرة الذاكرة.
وحين ينهار البيت، لا ينهار مكان مادي فقط، وإنما تنهار معه بنية كاملة من الأمان والانتماء.
ولهذا يعود البيت في ذاكرة سراج مرارا.
إنه بيت الطفولة، وبيت الأب، وبيت جوري، وبيت الذاكرة.
واللافت أن الرواية تستخدم البيت أيضا بوصفه فضاء للسر.
كلما ظن الشخصيات أنها خرجت من البيت، ظل البيت حاضرا في داخلها.
ثامنا: الفن والكتابة في مواجهة الموت
من أجمل المحاور الدلالية في الرواية علاقة الفن بالموت.
يتعلم سراج الرسم، ويقول:
«ليس كل قتال يحتاج إلى بندقية.»
هذه العبارة تلخص موقفا فنيا وإنسانيا مهما داخل الرواية.
فالفن يصبح وسيلة لمقاومة النسيان.
حين يرسم سراج الوجوه التي غابت، والبيوت التي تهدمت، والأب الذي مات، فإنه يحاول استعادة ما أخذه الموت.
ولهذا يقول:
«هم يستطيعون هدم البيوت… لكنهم لن يستطيعوا قتل الذاكرة إذا تحولت إلى لوحة.»
وهنا تتجاور اللوحة مع الرواية التي تكتبها جوري.
سراج يحارب النسيان بالرسم، وجوري تحارب النسيان بالكتابة.
لكن المفارقة أن جوري تنتقل من استخدام الكتابة لحفظ الذاكرة إلى استخدامها لصناعة الانتقام.
وهذه من أهم التحولات الفنية في الرواية.
تاسعا: الرواية داخل الرواية
تقوم دلال موسى على تقنية سردية مهمة، هي وجود رواية تكتبها جوري داخل الرواية الأصلية.
هذه التقنية تجعل الحدود بين الواقع والتخييل قابلة للاهتزاز.
فجوري لا تكتب عن الماضي فقط، بل تبدأ في استخدام ما كتبته لتحريك الشخصيات في الواقع.
تصبح الرواية التي كتبتها بمثابة مخطط للأحداث.
ومن هنا ينشأ سؤال ميتاسردي:
هل كانت جوري تكتب حياتها، أم كانت حياتها تتحول تدريجيا إلى تنفيذ لما كتبته؟
وتزداد المفارقة حين تبدأ جوري نفسها في فقدان السيطرة على الأحداث، فتقول الرواية إن اللعبة التي بدأت بها «بدأت تكتبها بدلًا منها».
وهذه واحدة من أكثر الأفكار الفنية إثارة في النص؛ فالكاتب حين يصنع عالما متخيلا قد يكتشف أن هذا العالم بدأ يفرض منطقه عليه.
عاشرا: المرآة والباب والنافذة
تتكرر في الرواية مجموعة من الرموز المكانية والبصرية.
المرآة ترمز إلى مواجهة الذات.
سراج يرى نفسه من خلال جوري، وجوري ترى نفسها من خلال سراج، وليان ترى الحقيقة من خلال الاثنين.
أما الباب فيمثل العبور والقرار.
باب البيت، وباب الذاكرة، والباب الذي لا يستطيع الإنسان فتحه إلا إذا واجه الحقيقة.
أما النافذة فهي مساحة بين الداخل والخارج، بين الماضي والحاضر، وبين المراقبة والمشاركة.
وتتكرر هذه العناصر بما يجعلها جزءا من المعجم الرمزي للرواية.
حادي عشر: الرقم «ثلاثة عشر»
الرقم ثلاثة عشر من أكثر العلامات غموضا في الرواية.
يظهر في اللوحة الغامضة، وفي الساعة، وفي الرمز، ثم يعود في الخاتمة من خلال عبارة:
«إنها المرة الأولى التي تثبتين فيها أنك ابنة ثلاثة عشر.»
وبذلك يتحول الرقم من مجرد علامة غامضة إلى مفتاح سردي.
لكن الرواية تترك دلالته النهائية مفتوحة.
وهذا الغموض يخدم الجانب التشويقي، لكنه في الوقت نفسه يترك القارئ أمام سؤال لم يحصل على إجابة كاملة داخل الأحداث المرسلة.
ويمكن اعتبار الرقم علامة على منظومة أكبر من الأسرار أو على هوية جوري وعلاقتها بالماضي، لكن قيمته الأساسية داخل النص تكمن في كونه رمزا يتكرر قبل أن يحصل القارئ على دلالته النهائية.
ثاني عشر: المرأة الغامضة
المرأة التي تظهر لسراج بين الموت والحياة تؤدي وظيفة رمزية واضحة.
إنها ليست شخصية واقعية بالمعنى التقليدي، وإنما تأتي من منطقة تقع بين الحلم والرؤيا والموت.
تقول له:
«لم يحن وقتك بعد.»
وتؤكد له أن مهمته لم تنته.
وظيفتها الأساسية ربط الرواية منذ بدايتها بنهايتها، وجعل الموت حالة عبور لا نهاية.
كما أن ظهورها يمنح الرواية بعدا عجائبيا وصوفيا، ويجعل القارئ غير متأكد دائما من الحدود الفاصلة بين الواقع والميتافيزيقا.
ثالث عشر: الزمن والذاكرة
الزمن في «ما بين موتين» ليس خطيا تماما.
الرواية تنتقل بين الطفولة والحرب والموت والعودة والحاضر والسنوات اللاحقة.
لكن الأهم أن الذاكرة نفسها تصبح وسيلة سرد.
فما لا يتذكره سراج يعود إليه لاحقا، وما تحاول جوري نسيانه تستعيده في كتاباتها، وما تحاول ليان فهمه تبحث عنه في الرواية.
وبذلك تصبح الذاكرة شخصية خفية من شخصيات العمل.
إنها قوة تدفع الشخصيات إلى العودة مهما حاولت الرحيل.
رابع عشر: المكان
تتنوع الأمكنة بين ميرافيل، البيت، المقبرة، الاستوديو، المستشفى، الفندق، المقهى، وبيت جوري في النهاية.
ولا تأتي هذه الأماكن للزينة.
فالمقبرة ترتبط بالموت والذاكرة.
والاستوديو يرتبط بالفن وكشف الأسرار.
والمقهى يرتبط بالمواجهة.
والبيت الأخير يرتبط بالنهاية.
وهذا يمنح المكان وظيفة نفسية؛ فكل مكان يستدعي حالة داخلية محددة.
خامس عشر: اللغة والأسلوب
تكتب دلال موسى بلغة تجمع بين السرد الروائي واللغة الشعرية.
وتكثر الجمل القصيرة، والفواصل، والحوار المكثف، والجمل التي تقوم على المفارقة.
كما تعتمد الرواية على التكرار المقصود، خصوصا في مفردات:
الموت
العودة
الرحيل
الانتظار
الذاكرة
الذنب
الخوف
الباب
السر
الحقيقة
ولا يبدو هذا التكرار مجرد حشو، بل يتحول إلى شبكة دلالية تربط أجزاء الرواية.
كما تستخدم الكاتبة الحوار القصير لإظهار التوتر النفسي.
فالكثير من الحوارات لا يقدم معلومات جديدة فقط، وإنما يكشف ما تعجز الشخصيات عن قوله بصورة مباشرة.
سادس عشر: البعد النفسي
البعد النفسي هو من أكثر مستويات الرواية حضورا.
سراج يعاني من الذنب والارتباك والبحث عن الذات.
جوري تعاني من جرح الهجر، ثم يتحول الجرح إلى مشروع انتقام.
ليان تعاني من صدمة اكتشاف أن الرجل الذي تحبه أخفى عنها جزءا جوهريا من حياته.
وهنا تظهر الفكرة المركزية للرواية:
الإنسان قد ينجو من الحدث، لكنه لا ينجو بالضرورة من أثره.
سراج نجا من الموت، لكنه لم ينج من ماضيه.
وجوري نجت من لحظة الهجر، لكنها لم تنج من الرجل الذي تركها.
وليان نجت من الجهل بالحقيقة، لكنها حين عرفتها لم تستطع العودة إلى البراءة الأولى.
سابع عشر: الحب والذنب
الحب في الرواية ليس حالة رومانسية مستقرة، بل قوة مرتبطة بالذنب والذاكرة.
جوري تحب سراج، لكن العلاقة تنكشف لاحقا بوصفها علاقة أخوة، فيتحول الحب إلى مأساة داخلية.
وسراج لا يعرف في بعض مراحل الرواية هل ما يشعر به تجاه جوري حب أم حنين أم ذنب أم تعلق بالماضي.
وهذا الالتباس هو أحد مصادر التوتر في النص.
أما في النهاية، فإن سؤال جوري:
«هل أحببتني حقا؟»
وردها:
«أكثر مما كان يجب.»
يكشف أن الحب في الرواية لا يختفي، لكنه يتحول من وعد بالحياة إلى سبب في الموت.
ثامن عشر: الانتقام بوصفه موتا آخر
الانتقام هو المحور الأكثر حضورا في القسم الأخير.
لكن الرواية لا تقدمه باعتباره انتصارا بسيطا.
جوري تنجح في خطتها، لكنها لا تشعر بالانتصار.
وحين يموت سراج، لا تجد الراحة التي توقعتها.
وهنا تأتي الجملة:
«أخيرا… لم تهرب.»
إنها جملة تختصر سنوات من الألم.
فجوري لم تكن تريد الموت في ذاته بقدر ما كانت تريد أن يتوقف سراج عن الهرب.
لكن المفارقة الكبرى أن وصوله أخيرا إلى اللحظة التي لم يعد فيها قادرا على الهرب لم يمنحها السلام.
وبذلك يتحول الانتقام إلى موت معنوي لمنفذه أيضا.
تاسع عشر: ليان بوصفها ضحية غير مباشرة
تكتسب ليان أهمية أخلاقية خاصة لأنها لا تكون طرفا أصليا في الجرح القديم، ومع ذلك تتحمل جانبا من نتائجه.
جوري تقول إنها لا تريد إيذاء ليان، لكن الخطة التي وضعتها تجعل إيذاءها أمرا شبه حتمي.
وهنا تبرز مفارقة مهمة:
حين يدخل الإنسان في دائرة الانتقام، قد يفقد القدرة على التحكم في حدود الضرر.
فالانتقام من شخص واحد قد يمتد إلى أشخاص لم يكونوا جزءا من الجريمة الأصلية.
وهذا يوسع البعد الإنساني للرواية من علاقة جوري وسراج إلى سؤال أكبر حول الثمن الذي يدفعه الآخرون عندما تستمر جراح الماضي في الحاضر.
عشرون: النهاية
تأتي النهاية في مكان مغلق، أمام طاولة، وشمعتين، وطعام لشخصين، وامرأة ترتدي الأسود.
وهذا التشكيل البصري يحمل طاقة مسرحية واضحة.
كل شيء هادئ، لكن القارئ يعرف أن الهدوء يخفي النهاية.
ويصبح العشاء صورة مقلوبة عن الزواج الذي لم يحدث.
في السابق كان هناك فستان أبيض وزفاف لم يبدأ.
وفي النهاية هناك فستان أسود وعشاء ينتهي بالموت.
الأبيض في البداية يمثل الحياة التي لم تكتمل.
والأسود في النهاية يمثل النهاية التي اكتملت.
وبذلك تربط الرواية بين مشهدين متباعدين زمنيا، وتمنحهما بنية انعكاسية واضحة.
أما السطر الأخير:
«إنها المرة الأولى التي تثبتين فيها أنك ابنة ثلاثة عشر.»
فلا يغلق جميع الأبواب، وإنما يفتح بابا جديدا على سر أكبر.
وهنا تنتهي الرواية وهي تمنح القارئ إحساسا بأن وراء الأحداث منظومة لم تكشف كل أسرارها.
واحد وعشرون: المفارقة المركزية في الرواية
المفارقة الكبرى أن الشخصيات تحاول الهروب من الموت، لكنها في الوقت نفسه تصنع الطرق المؤدية إليه.
سراج يهرب من الماضي فيعود إليه.
جوري تحاول التخلص من سراج، فتظل سنوات أسيرة له.
ليان تحاول حماية حبها، فتكتشف أن علاقتها قامت فوق جزء مخفي من الحقيقة.
والكتابة التي تمنح جوري القدرة على التحكم في الأحداث تتحول في النهاية إلى مرآة تكشف أنها فقدت السيطرة على نفسها.
ومن هنا فإن الرواية لا تقدم الموت بوصفه الحدث الوحيد المأساوي، بل تقدم أيضا الحياة التي يعيشها الإنسان وهو أسير لما لم يحسمه.
اثنان وعشرون: القيمة الفنية للرواية
تتميز «ما بين موتين» بعدد من العناصر الفنية اللافتة، من أهمها:
بناء التشويق عبر الأسرار المؤجلة.
تعدد مستويات الحكاية.
توظيف الرواية داخل الرواية.
الانتقال بين الواقعي والرمزي والميتافيزيقي.
حضور الذاكرة بوصفها محركا للأحداث.
توظيف الفن والكتابة في مواجهة النسيان.
بناء شخصية جوري على مراحل متصاعدة.
استخدام المرآة والباب والنافذة واللوحة والكتاب والفستان بوصفها رموزا متكررة.
بناء النهاية على مفارقة بين الزفاف الذي لم يبدأ والعشاء الذي انتهى بالموت.
المحافظة على السؤال المركزي حول سبب العودة ودوافع الرحيل.
ثلاثة وعشرون: الدلالة الإنسانية العامة
في العمق، لا تتحدث «ما بين موتين» عن سراج وجوري وحدهما.
إنها تتحدث عن الإنسان الذي يظن أن بإمكانه مغادرة ماضيه بمجرد أن يبتعد عن المكان.
وتقول الرواية بصورة غير مباشرة إن الرحيل الجسدي لا يعني الرحيل النفسي.
فالإنسان يحمل معه ما لم يحسمه.
وقد يستطيع أن يبني بيتا جديدا، وأن يحب امرأة أخرى، وأن يبدأ حياة مختلفة، لكن الباب القديم يظل موجودا في داخله.
وفي المقابل، تكشف جوري الوجه الآخر للمشكلة: محاولة الانتقام من الماضي قد تجعل الإنسان يعيش فيه أكثر مما عاشه حين كان ضحية له.
ومن هنا تبدو الرواية رحلة بين سؤالين:
كيف نعيش بعد الفقد؟
وكيف نتحرر ممن ترك أثرا لا يريد أن يرحل؟
خاتمة
«ما بين موتين» رواية تقوم على ثنائية الموت والحياة، لكنها في جوهرها رواية عن الذاكرة أكثر مما هي رواية عن الموت.
الموت فيها ليس نهاية فقط، بل حالة من حالات التحول.
والرحيل ليس ابتعادا مكانيا، بل محاولة مستمرة للهروب من الذات.
والحب ليس خلاصا دائما، بل قد يتحول إلى جرح حين تختلط به الذاكرة والذنب والخوف.
أما الانتقام، فلا تمنحه الرواية صورة المنتصر، بل تكشف ثمنه الداخلي.
لقد ظنت جوري أنها تكتب خطة للانتقام من سراج، لكنها في النهاية اكتشفت أنها كانت تكتب سيرتها الذاتية مع الألم، وأن الرجل الذي أرادت قتله لم يكن وحده من مات.
لقد مات سراج جسدا، لكن جوري ماتت رمزا وهي تدرك أن انتقامها لم يعيد إليها السنوات التي فقدتها.
ومن هنا تأتي قوة النهاية؛ إذ لا تقدم الموت باعتباره انتصارا لأحد، وإنما باعتباره النتيجة القصوى لمسار طويل من الهروب والصمت والذنب والذاكرة.
وتبقى عبارة جوري:
«كتبت هذه الحكاية لأقتل الرجل الذي تركني. وحين قتلته… اكتشفت أنني كنت أكتب عن موتي أنا.»
المفتاح الأكثر اختصارا لقراءة الرواية كلها.
فبين موت سراج الأول وموته الأخير، وبين الفتاة التي كانتها جوري والمرأة التي أصبحتها، وبين الرواية التي كتبتها والواقع الذي صنعته، تتحرك «ما بين موتين» في منطقة سردية تقول إن بعض الجراح لا تنتهي حين ننتقم، وإنما تبدأ لحظة نكتشف أننا أصبحنا جزءا من الجرح الذي أردنا التخلص منه
***
ناصر رمضان عبد الحميد
عضو اتحاد كتاب مصر
رئيس ملتقى الشعراء العرب
—
الميتاسردي هو السرد الذي يتحدث عن نفسه وعن عملية بناء الحكاية وكتابتها.
يظهر عندما تكشف الرواية للمتلقي أنها رواية، أو تجعل الكتابة والكاتب والشخصيات موضوعًا داخلها.
بمعنى بسيط: الرواية التي تلتفت إلى ذاتها وتناقش طريقة تشكّلها.

Post Views: 8

اقرأ أيضاً

حين يغادر النص ظله/دراسات نقدية
النقد

حين يغادر النص ظله/دراسات نقدية

أكتوبر 3, 2026
حين يغادر النص ظله /رضا بوقفة
النقد

حين يغادر النص ظله /رضا بوقفة

أكتوبر 1, 2026
عطلة رسمية الدكتورة مهى جرجور بقلم غادة الحسيني
النقد

عطلة رسمية الدكتورة مهى جرجور بقلم غادة الحسيني

سبتمبر 30, 2026
قراءة نقدية أدبية لنص “حسيس الحجر” للشاعر مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن  قدمها الدكتور الناقد/ محمد مهنا| ليبيا
النقد

قراءة نقدية أدبية لنص “حسيس الحجر” للشاعر مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن قدمها الدكتور الناقد/ محمد مهنا| ليبيا

سبتمبر 27, 2026
قراءة في قصيدة ليس لي بحر للشاعر رضا بوقفة بقلم المستشار محمد فادي زين العابدين
النقد

قراءة في قصيدة ليس لي بحر للشاعر رضا بوقفة بقلم المستشار محمد فادي زين العابدين

سبتمبر 22, 2026
المكان حين يفقد زمنه قراءة تأويلية في قصيدة المكان من ديوان آلهة الغسق بقلم : أ.روان شقورة
النقد

المكان حين يفقد زمنه قراءة تأويلية في قصيدة المكان من ديوان آلهة الغسق بقلم : أ.روان شقورة

سبتمبر 22, 2026

آخر ما نشرنا

أسد: ملحمة الحرية والهوية وصراع الإنسان مع العبودية قراءة فنية ونقدية في فيلم «أسد» د. زبيدة الفول

أسد: ملحمة الحرية والهوية وصراع الإنسان مع العبودية قراءة فنية ونقدية في فيلم «أسد» د. زبيدة الفول

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 29, 2026
0

” في حضرة الضوء المتوَّج ”  حوار في متحف المجوهرات الملكية د. زبيدة الفول

” في حضرة الضوء المتوَّج ” حوار في متحف المجوهرات الملكية د. زبيدة الفول

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 29, 2026
0

السيرة الذاتية والأدبية للدكتورة اللبنانية هدى عيد

السيرة الذاتية والأدبية للدكتورة اللبنانية هدى عيد

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 29, 2026
0

روح تشبه السلام /سمية عمر عكاشة

روح تشبه السلام /سمية عمر عكاشة

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 29, 2026
0

عزلة المقعد/مروان مكرم

خمرة النور /مروان مكرم

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 28, 2026
0

الكاتب والناقد المسرحي السوري جوان جان لمجلة أزهار الحرف حاورته من سوريا الإعلامية فوز أبو ترابي

الكاتب والناقد المسرحي السوري جوان جان لمجلة أزهار الحرف حاورته من سوريا الإعلامية فوز أبو ترابي

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 28, 2026
0

الأكثر قراءة اليوم

روح تشبه السلام /سمية عمر عكاشة

روح تشبه السلام /سمية عمر عكاشة

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 29, 2026
0

السيرة الذاتية والأدبية للدكتورة اللبنانية هدى عيد

السيرة الذاتية والأدبية للدكتورة اللبنانية هدى عيد

by ناصر رمضان عبد الحميد
سبتمبر 29, 2026
0

الشيخ محمد السنرواي وتواضع الكبار بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

الشيخ محمد السنرواي وتواضع الكبار بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

by ناصر رمضان عبد الحميد
أكتوبر 11, 2025
0

جميع المقالات في هذا الموقع تعبّر عن رأي وفكر كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن سياسة وتوجهات الموقع

حقوق النشر محفوظة لموقع أزهار الحرف © لعام 2026
BY : RefSam

No Result
View All Result
  • أخبار
  • أدب
    • التراجم
    • الزجل
    • القصة
    • النقد
    • شعر
    • نصوص مترجمة
    • ومضة
  • اخترنا لك
  • الفن التشكيلي
  • حوارات
  • مقالات