
بَعْلَبَك… حِينَ بَاحَتِ الحِجَارَةُ بِأَسْرَارِ الخُلُودِ، وَأَصْغَتْ زُبَيْدَةُ الفُولِ لِنَبْضِ الحَضَارَاتِ
1
1
1
1
1
بَعْلَبَك… حِينَ بَاحَتِ الحِجَارَةُ بِأَسْرَارِ الخُلُودِ، وَأَصْغَتْ زُبَيْدَةُ الفُولِ لِنَبْضِ الحَضَارَاتِ
لم أكن، وأنا أخطو نحو بعلبك، أدخل مدينةً من حجر، بل كنت أعبر عتبةً تفصل ضجيج الحاضر عن صمتٍ يختزن أصوات آلاف السنين. هناك، حيث تتكئ الشمس على كتف التاريخ، وحيث تتعانق السماء والأعمدة في صلاةٍ لا تنتهي، شعرتُ أنني لا أزور أثرًا، بل أستيقظ داخل حكايةٍ نسيت الزمنَ ولم ينسها.
وقفتُ أمام القلعة، أُحدّق في حجارتها المهيبة، وهمستُ:
— أيتها العجوز التي لا تشيخ، مَن أنتِ؟ وكيف استطعتِ أن تحملي هذا العمر كلَّه، ولا ينحني لكِ الزمن إلا إجلالًا؟
فاهتزّ الصمت في أعماقي، وخُيّل إليّ أن الحجارة فتحت شفتيها، وقالت:
— أنا بعلبك، مدينة الشمس، ابنة الحضارات التي مرّت من هنا وتركت في جبيني وشم الخلود. اختلفت الأيدي التي شيّدتني، وتبدّلت الرايات فوقي، لكنني بقيتُ كتابًا مفتوحًا، يقرأ فيه العابرون سيرة الإنسان حين يحاول أن يهزم الفناء بالجمال.
سألتُها:
— ولماذا سُمّيتِ مدينة الشمس؟ أهو اسمٌ منحكِ إياه التاريخ، أم سرٌّ أودعته السماء في ترابكِ؟
أجابتني:
— للشمس في اسمي حكاية، وللنور في روحي مقام. هنا تعاقبت الحضارات، وتداخلت الأساطير بالوقائع، وترك الرومان بصماتهم العظيمة في معابدي، حتى غدوتُ شاهدًا على عبقرية الإنسان حين يحوّل الحجر الأصمّ إلى قصيدةٍ تنطق، والعمارة الجامدة إلى نبضٍ يفيض بالحياة.
مضيتُ بين الأعمدة الشامخة، فإذا بها كأصابع جبّارة تشير إلى السماء، أو كأشجارٍ حجريةٍ نبتت جذورها في الأرض وامتدّت أحلامها إلى الأبدية. أمام معبد جوبيتر، أحسستُ بعظمة البناء وهيبة المكان؛ وفي معبد باخوس، رأيتُ كيف استطاع النحّات أن يُودع الحجرَ رهافةَ الروح، وأن يجعل الزخرفة لغةً تتجاوز حدود الكلام. أمّا معبد فينوس، فخيّل إليّ أن الجمال اتّخذ من الحجارة جسدًا، وأن الأنوثة حين تعانق الفنّ تتحوّل إلى سرٍّ عصيٍّ على الذبول. وبين هذه الشواهد، كان عطارد يمرّ في مخيّلتي رسولًا يحمل أخبار الحضارات من ضفّة الزمن إلى ضفّة الذاكرة.
قلتُ للقلعة:
— أكلُّ هذا الجمال صُنِع كي يبقى؟
فأجابتني، وفي صوتها رجعُ قرونٍ بعيدة:
— لم يُبنَ الإنسانُ ما يبقى من أجل الحجر وحده، بل من أجل المعنى الذي يختبئ فيه. فالحجارة لا تخلد بأحجامها، بل بما تودعه من أحلام، ولا تصير الآثار عظيمةً إلا حين تتحوّل إلى ذاكرةٍ مشتركة، تحفظ للأجيال ملامح الذين سبقوهم.
ثم قادتني الحكاية إلى التريليثون، تلك الكتل الحجرية العملاقة التي تقف كأنها ألغازٌ صاغتها يدُ العمالقة، وتعجز أمامها المقاييس عن تفسير الدهشة. حدّقتُ فيها طويلًا، وسألتُ:
— كيف استطاع الإنسان أن يرفع هذا الثقل، وأن يترك خلفه سؤالًا أثقل من الحجر نفسه؟
قالت بعلبك:
— حين يتّحد الفكر بالعزيمة، يصبح المستحيل بابًا لم يُطرَق بعد. انظري إلى هذه الكتل، وتأمّلي حجر الحبلى؛ فليست العظمة في ضخامة ما ترين فحسب، بل في الأسئلة التي يوقظها في عقلكِ. إن الحضارة لا تورّثنا الأجوبة وحدها، بل تترك لنا دهشةً تُعلّمنا التواضع أمام ما لم نعرفه بعد.
تأمّلتُ النقوش والزخارف، والأقواس التي نجت من عواصف الدهر، والجدران التي لامستها أيدي أزمنةٍ متباعدة. رأيتُ في الشقوق تجاعيدَ التاريخ، وفي كل حجرٍ ندبةَ حرب، وفي كل عمودٍ مقاومةً صامتةً للنسيان. كم من إمبراطورٍ ظنّ أن سلطانه أبديّ، ثم صار اسمه سطرًا في كتاب! وكم من يدٍ مجهولةٍ رفعت حجرًا، فخلّدت عملها أكثر مما خلّدت التيجان أصحابها!
قلتُ لها:
— لقد مرّت بكِ الحروب، وتبدّلت العصور، وتغيّرت وجوه المدن؛ فكيف بقيتِ قادرةً على استعادة صوتكِ؟
قالت:
— لأن الخراب قد يهدم الجدران، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يهدم الذاكرة. ولأن الإنسان، مهما ابتعد عن جذوره، يعود يومًا ليبحث في التراب عن اسمه الأول. وأنا لا أستعيد صوتي بالحجارة وحدها؛ بل بكل عينٍ تتأمّلني، وكل قلبٍ يصغي إليّ، وكل قلمٍ يعيدني إلى الحياة بالكلمة.
عندها أدركتُ أن بعلبك ليست أطلالًا تستجدي نظرة عابر، بل مرآةٌ نرى فيها عظمة الإنسان وهشاشته معًا؛ فكلما ارتفعت أعمدتها، تذكّرنا أن المجد لا يُقاس بما نملك، بل بما نترك، وأن الخلود ليس أن نبقى بأجسادنا، بل أن نزرع في الزمن أثرًا يعجز النسيان عن اقتلاعه.
وحين مالت الشمس نحو الغروب، انسابت خيوطها الذهبية على الأعمدة، كأنها تُعيد إلى الحجارة دماءها الأولى. ودّعتُ القلعة، لكنّها بدت لي كأنها تهمس:
— اذهبي يا ابنة الحرف، واحملي حكايتي إلى الذين لم يزوروني؛ فبعض الأماكن لا تُختصر في حدود الجغرافيا، بل تسكن الروح، وبعض الآثار لا تتكلّم إلا لمن يأتيها بقلبٍ يعرف كيف يُصغي.
غادرتُ بعلبك، وفي داخلي شيءٌ منها، أو لعلّ شيئًا منّي بقي فيها. أدركتُ أنني لم أكن أحاور الحجارة، بل كنتُ أحاور الزمنَ وهو يروي أسراره، وأصغي إلى الإنسان وهو يكتب على جبين الفناء وصيّته الخالدة: قد يرحل البنّاؤون، وقد تتهاوى الممالك، لكن الجمال الذي تصنعه الروح الصادقة يظلّ نافذةً مفتوحةً على الأبدية.
د. زبيدة الفول
من كتاب” لبنان ان حكى”












