“الرسالة الّتي لم تُكتب”
لم يكن آدم يؤمن بالصدف إلا بقدر ما تسمح به ذاكرته المرتبة بعناية. كان يرى أن لكل شيء تفسيراً، حتّى الأشياء التي تبدو غامضة للآخرين. لذلك، عندما وجد ظرفا أبيض تحت باب شقته في صباح شتوي هادئ، لم يشعر بالخوف بقدر ما شعر بالضيق من فكرة وجود أمر لا يستطيع تفسيره بسرعة.
حمل الظرف بين أصابعه. لم يكن عليه اسم مرسل، ولا طابع بريد، ولا أي علامة تدل على مصدره. فقط جملة صغيرة مكتوبة بخط دقيق:
“لا تفتح الرسالة قبل أن تتذكر.”
ابتسم بسخرية خفيفة، ووضع الظرف فوق الطاولة قرب النافذة. ظن أن أحدهم يحاول تقليد أفلام الغموض الرخيصة، أو ربما أراد أحد الجيران أن يصنع مزحة ثقيلة لا أكثر.
خرج إلى عمله، لكن الجملة بقيت عالقة في رأسه طوال الطريق.
قبل أن تتذكر.
تتذكر ماذا؟
كان يحاول التركيز في تفاصيل يومه المعتادة، في الملفات المكدسة على مكتبه، وفي الأحاديث العابرة بين الموظفين، لكن شيئا داخله كان يتحرك ببطء، كصوت بعيد يحاول الوصول إليه من مكان قديم جدًا.
عاد إلى شقته في المساء متعبا. فتح الباب، وأول ما رآه كان الظرف الأبيض في مكانه نفسه، كأنه انتظره طوال اليوم بصبر بارد.
جلس أمامه طويلا دون أن يلمسه. شعر أن فتحه سيغيّر شيئا لا يعرفه بعد. لهذا ظل يتردد، وكأنه يمنح نفسه فرصة أخيرة للبقاء كما هو.
في النهاية، نهض ليحضّر قهوة. وحين عاد، توقف فجأة.
الظّرف كان مفتوحا.
تراجع خطوة وحدق في الطاولة. كان متأكدا أنه لم يفتحه. مد يده ببطء، وأخرج الورقة الوحيدة بداخله.
قرأ السطر الأول:
“أخيرا تذكّرت.”
شعر ببرودة تسري في أطرافه. قلب الورقة فلم يجد شيئا آخر. أعاد قراءة الجملة مرات عدة، كأن الكلمات ستتغير إذا أطال النظر إليها.
ثم حدث الأمر فجأة.
رائحة معقّمات طبية مرت في ذاكرته. ضوء أبيض قاس. صوت جهاز إلكتروني متكرر. وامرأة تبكي بالقرب منه. رأى يدا تمسك بيده بقوة، وسمع صوتا يقول:
“إذا استيقظ، أعطوه الرسالة.”
وضع يده على رأسه بسرعة، كأن الذكرى أصابته بألم حقيقي. حاول أن يقنع نفسه أن ما يحدث مجرد تعب، لكن الصور كانت تزداد وضوحا.
اقترب من النافذة ليلتقط أنفاسه، فلاحظ انعكاسه على الزجاج. لم يكن وحده.
خلفه وقف رجل يشبهه تماما.
استدار بسرعة.
كان الرجل هناك فعلا، بهدوء غريب، وكأنه موجود في الغرفة منذ البداية.
قال آدم بصوت مرتبك: “من أنت؟”
ابتسم الرجل قليلا وقال: “أنا النسخة التي قررت أن تتذكر.”
شعر آدم أن الكلمات أثقل من أن يفهمها فورا.
سأل: “أتذكر ماذا؟”
اقترب الرجل خطوة، ثم قال: “أنك حين كنت بين الحياة والموت، خفت من العودة كما كنت. لذلك كتبت رسالة إلى نفسك، وطلبت أن تقرأها عندما تصبح مستعدا.”
نظر آدم إلى الورقة مجددا. كانت الجملة تتلاشى ببطء، كما لو أن الحبر يختفي أمام عينيه.
رفع رأسه بسرعة، لكن الرجل لم يعد موجودا.
عاد الصمت إلى الغرفة.
اقترب من الباب ليخرج، فلاحظ جملة جديدة مكتوبة على الخشب من الداخل:
“بعض الرسائل لا تصل إلا بعد أن يصبح صاحبها شخصا آخر.”
بقي واقفا أمام الباب دقائق طويلة، عاجزا عن الحركة. كانت شقته تبدو مألوفة، لكنها فقدت شكلها القديم فجأة، كأن الأشياء التي عاش بينها سنوات لم تعد تعرفه تماما. نظر إلى الصور المعلقة على الجدار. لاحظ أن بعضها يضم وجوها لم يعد يتذكر أسماءها، وأن بعضها الآخر التُقط في أماكن لا يتذكر زيارتها أصلا. شعر بأن حياته تشبه غرفة أعيد ترتيبها أثناء نومه. جلس قرب الطاولة وأعاد فتح الظرف الفارغ، فوجد في داخله أثر كتابة ممحوّة بالكاد يُرى تحت الضوء. قرّب الورقة من المصباح، وقرأ بصعوبة جملة قصيرة: “النسيان كان الطريقة الوحيدة لتنجو.” عندها فقط فهم لماذا بدا العالم حوله خفيفا وباردا طوال السنوات الماضية.
أغلق عينيه طويلا، ثم ابتسم للمرة الأولى منذ زمن. لم يكن متأكدا مما استعاد، لكنه أدرك أن الإنسان لا يفقد نفسه دفعة واحدة، بل يترك أجزاءها تختبئ داخله حتى يحين وقت العودة.
بقلمي : منال سلمان














