إبهام في فم الياء المبحوحة
لم يوقظه كابوسٌ أو منبّه، بل شعوره بالذعر من أن يفقدها إلى الأبد. هجرته نعم، ولكن تلك كانت مسألة أخرى؛ ذلك كان بابًا مُغلقًا لا موصدًا. كان كتومًا كالمحيط، غامضًا لا يفصح عمّا في داخله، ولا يعتريه الفضول لمعرفة من يطفو فوقه.
حتى عندما ثُقِب قلبه وقت رحيلها، كانت مشاعر الحزن والغضب تتسرّب، بينما ظلّ حبّه محفوظًا كقطعة أثرية نادرة.
كان يعيش حزنًا كلاسيكيًا يُخفيه بالسفر والترحال والانتقال من مكانٍ إلى آخر، حتى باتت آلامه صاخبة تعصف به، كما في لوحات ويليام تيرنر.
أما هي، فكانت تنتظره خلف كل طرقة باب، وتسبق مشاعرها هربًا، مسرعةً كقطارٍ عملاقٍ يداهم ذكرياتها المبعثرة في كل زاوية ومكان. يتشبث خياله بذراعها، فتهوي ثماني سنوات، وكأن لحظة فراقهما لم تكن سوى رؤية أو تنبؤ.
كان حنينها يحبو داخل صناديق البريد، ويمشيان معًا يدًا بيد في الحلم والكابوس نفسه. وعندما يستيقظ أحدهما فزعًا، كانت لمحة من صورة الآخر كفيلة بأن تهدئه وتطمئنه.
أما الخيط الناتئ عن أصوات الذين حاولوا جاهدين التفريق بينهما ونجحوا في ذلك، فقد جعل ذاكرتهما صخرة صلبة محفورًا عليها كل التفاصيل. ربما ظنوا أن الحب الذي جمعهما لم يكن سوى قبسٍ من نارٍ وانطفأ، لكن حتى تلك اللحظة المتأخرة التي جمعتهما وجهًا لوجه، كشفت الخطأ الفادح الذي كانوا يظنونه منطقًا، وأن خيط الدخان الذي كان يتصاعد من قلبهما ما كان إلا شوقًا ينتظر أن يُطفأ معًا.















