
لا اغتراب لمن لا يملكون اوطانا /سمية عمر عكاشة
4
4
4
4
4
لا اغترابَ لمن لا يملكون أوطانا
أتسكّع في مدينة العشق وحيدا كأنني آخر المنفيّين من مملكةٍ لم تكن لي يوما وأمضي بين الوجوه الغريبة كمن يبحث عن ملامح نسيها الزمن في ذاكرته أو عن نافذةٍ تطلّ على قلب طالما ظنّ أنّه يعرف الطريق إليه
كلّما لمحتُ تلويحة من يدٍ عابرة أو أبصرت في عينين شرارة هيام خيّل إليّ أنّك هناك أنك جئت أخيرا من غيابك وأنّ هذا العالم على اتّساعه قرّر أن يردّ إليّ شيئا منّي
فأُسرع نحو الوهم وأتعلّق بالتفاصيل الصغيرة بارتباكةِ نظرة وبابتسامة لم تُخلق لي وبظلّ امرأةٍ تشبهك من بعيد… ثم أعود كعادتي مثقلًا بحقيقةٍ لا ترحم أنّ الشبه ليس لقاء وأنّ الأمل قد يكون أحيانا أقسى وجوه الفقد
يا امرأةً تركتني في منتصف الطريق ومضتي كيف استطعتِ أن تجعلي من مدينةٍ كاملةٍ مجرّد مكانٍ للبحث عنكِ وكيف صار كلُّ وجهٍ احتمالًا لعودتكِ وكلُّ شارعٍ حكايةً لم تكتمل وكلُّ مساءٍ رسالةً أكتبها إليكِ في سرّي ثم أمزّقها قبل أن يراها أحد
يقولون إنّ الغريب هو من ابتعد عن وطنه وما عرفوا أنّ الغربة الحقيقية أن يبقى المرء في المدن التي يعرفها بين الناس الذين يألفهم بينما يسكن قلبه مكانٌ واحد لا يستطيع بلوغه
ولعلّ أشدّ أنواع الاغتراب قسوةً أن تفقد وطنًا لم يكن لك فيه بيت بل كان لك فيه قلبٌ واحد… وحين يرحل ذلك القلب لا تعود المسافات تُقاس بالبلدان بل بما يفصل الروح عن طمأنينتها
أنا لا أبحث عنكِ في هذه المدينة لأنني أجهل أنّكِ غائبة بل لأنّ شيئًا في داخلي لم يتعلّم بعد كيف يصدّق الغياب كأنّ قلبي ذلك الطفل العنيد لا يزال يظنّ أنّ الحبّ وعدٌ لا يُخلف وأنّ الذين يسكنون أعماقنا لا يمكنهم أن يصيروا غرباء إلى هذا الحد
لهذا أمضي… أتسكّع في مدينة العشق منفردا أوزّع انتظاري على العابرين وأمنح الغرباء ملامحك وأسرق من عيونهم ما يكفي لأعيش ليلةً أخرى على أملٍ قديم
فأنا يا أنت لا أخشى أن أكون بلا وطن…
إنّما أخشى أن أجدكِ يومًا فلا تعرفيني أو أن أعرف بعد كلّ هذا التيه أنّ الوطن الذي قضيتُ عمري أبحث عنه… لم يكن يومًا ينتظر عودتي بقلم سمية عمر عكاشة الجزائر












