
حين يصبح العطاء فلسفة بقلم د .زبيدة الفول
7
7
7
7
7
الدكتور ناصر رمضان عبد الحميد… حين يصبح العطاء فلسفةً، والأدب رسالةً، والإنسان وطنًا
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
أيُّ كلماتٍ تستطيع أن تلامس مقامك الأدبي والإنساني، يا دكتور ناصر رمضان عبد الحميد؟ وأيُّ حروفٍ تتّسع لرجلٍ جعل من قلمه جسرًا تعبر عليه أحلام الآخرين، ومن وقته نافذةً يطلّ منها المبدعون على آفاقٍ أرحب؟ وهل تكفي اللغة، مهما استحضرت من مجازاتٍ واستعارات، لتصف إنسانًا لم يحبس النور في مصباحه، بل مضى يشعل به مصابيح الآخرين؟
كيف يمكن أن نختصر دورك الثقافي الرائد في كلمات، وأنت الذي جعلت من مساندة أصحاب الأقلام رسالةً لا تعرف الحدود، ومن دعم المبدعين فلسفةً تقوم على الإيمان بأنّ الثقافة لا تزدهر حين يتصدّر فردٌ المشهد، بل حين يفتح الطريق لغيره كي يتقدّم؟ أليس المثقّف الحقيقي هو الذي لا يكتفي بأن يكتب التاريخ، بل يمنح الآخرين أقلامًا ليكتبوا فصوله؟ وأليست عظمة الأديب في ما يتركه من أثرٍ في العقول والقلوب، لا في عدد الصفحات التي تحمل اسمه وحده؟
لقد قدّمتَ نموذجًا أدبيًّا وإنسانيًّا متفرّدًا؛ فكم من كتابٍ استهلّ رحلته بمقدمةٍ من قلمك، وكم من صاحب تجربةٍ وجد فيك يدًا تمتدّ إليه، وصوتًا يؤمن به، ونافذةً تُفتح أمام نصّه! لقد أسهمتَ في كتابة مقدمات مئات الكتب، وكأنّك حارسٌ أمين على أبواب المكتبة العربية، تستقبل الحروف الوافدة إليها، وتمنحها مفاتيح العبور إلى القارئ. فهل ثمة عطاءٌ أبلغ من أن تمنح الآخرين من وقتك وفكرك وخبرتك، دون أن تنتقص من حضورك، بل تزيده رسوخًا في ذاكرة الثقافة؟
إنّ كتبك غنيّةٌ عن التعريف، ومسيرتك الأدبية تشهد على قلمٍ عرف كيف يجعل للكلمة مقامًا، وللفكرة أفقًا، وللثقافة حضورًا يتجاوز حدود المكان. غير أنّ ما يستوقفني في تجربتك ليس إنتاجك الأدبي وحده، بل تلك الروح التي تجعل من الأدب مسؤوليةً، ومن المعرفة أمانةً، ومن النجاح الشخصي نافذةً يطلّ منها نجاح الآخرين. فأيُّ فلسفةٍ أسمى من أن ترى في ازدهار قلمٍ آخر امتدادًا لرسالتك، لا منافسةً لمكانتك؟ وأيُّ نبلٍ أرفع من أن تزرع البذور في حدائق الآخرين، وأنت تعلم أنّ بعض الأزهار ستتفتّح بعيدًا عن عينيك، لكنها ستظلّ تحمل شيئًا من أثر يدك؟
وأنا، إذ أتوجّه إليك بالشكر والامتنان، لا أفعل ذلك مجاملةً عابرة، بل اعترافًا بجميلٍ تجسّد فعلًا وموقفًا. لقد أكرمتني بكتبك، وكتبت مقدمات جميع كتبي، وتولّيت طباعتها في مصر، ثم أرسلتها إليّ في لبنان. فكيف أشكرك على عطاءٍ لم يقف عند حدود الكلمة، بل عبر البحار والحدود، متحوّلًا إلى كتبٍ بين يديّ، وإلى ذكرى مضيئةٍ في وجداني؟ وكيف أردّ جميل من جعل المسافة بين مصر ولبنان مجرّد فاصلةٍ صغيرة في جملةٍ كبيرة عنوانها المحبة والوفاء؟
يا دكتور ناصر، لقد جعلتني أرى في الكتاب أكثر من أوراق، وفي المقدمة أكثر من نصّ، وفي العطاء أكثر من فعل؛ رأيتُ فيها جميعًا فلسفةً إنسانيةً تقول إنّ الإنسان لا يكبر بما يحتفظ به لنفسه، بل بما يمنحه للآخرين. فالنهر لا يفقد عظمته حين يسقي الضفاف، والشجرة لا تخسر مجدها حين تمنح العابرين ظلّها، والشمس لا ينقص نورها حين توقظ ألف نافذة. أليست هذه هي الحكمة التي تجسّدها في مسيرتك، حين تجعل من نجاح الآخرين امتدادًا لرسالتك الثقافية؟
وأنت بالنسبة إليّ لست شاعرًا وأديبًا فحسب؛ أنت أخٌ وصديقٌ وإنسانٌ نادر، أثبتت المواقف أنّ الأخوّة ليست دائمًا رابطة دم، وأنّ الصداقة ليست كثرة لقاءات، بل صدق حضورٍ حين يصبح العطاء امتحانًا للقلوب. فما قيمة الألقاب إن لم تسندها المروءة؟ وما جدوى البلاغة إن لم تتحوّل إلى فعل؟ وما معنى الثقافة إن لم تُهذّب الروح، وتوسّع مساحة المحبة، وتدفع صاحبها إلى الأخذ بيد كلّ حامل قلمٍ يبحث عن نافذةٍ للعبور؟
إنّني أمام تجربتك أتساءل: هل هناك وسامٌ أرفع من أن تصبح عونًا للمبدعين، وذاكرةً تحفظ بداياتهم، وجسرًا يصل أصواتهم بقرّائهم؟ وهل ثمة مجدٌ أجمل من أن تجد بصمتك ممتدّةً في مئات الكتب، لا بوصفها توقيعًا على الصفحات، بل أثرًا إنسانيًّا في مسيرة أصحابها؟ إنّ بعض الناس يتركون أسماءهم على جدران الزمن، أمّا أنت فتترك أثرًا من روحك في مكتباته، وتزرع في ذاكرة الثقافة العربية بذورًا لا تعرف المواسم.
شكرًا لك، يا دكتور ناصر، لأنّك لم تجعل الأدب مملكةً مغلقة، بل جعلته سماءً تتّسع للجميع؛ ولم تجعل القلم عرشًا تتفرّد به، بل مصباحًا تمنح نوره لكلّ من يسعى إلى الكتابة والإبداع. شكرًا لأخوّتك ووفائك، ولجهدك وكرمك، ولإيمانك بأنّ الكلمة تستحقّ أن تُسانَد، وأنّ المبدع يستحقّ أن يجد من يفتح له الأبواب.
وإذا كانت الكلمات تعجز عن الإحاطة بمقامك، فهل يعني ذلك أنّ الصمت أقدر على الوفاء؟ أم أنّ علينا أن نكتب، رغم عجز اللغة، كي لا يمرّ الجميل بلا اعتراف، ولا يعبر العطاء بلا تحيّة؟
دمتَ قامةً أدبيةً شامخة، ويدًا بيضاء تمتدّ إلى كلّ حامل قلم، وأخًا وصديقًا أعتزّ بهما، ورمزًا يؤكّد أنّ الثقافة الحقيقية ليست ما نكتبه وحده، بل ما نفعله من أجل أن يكتب الآخرون أيضًا.
لك منّي امتنانٌ لا تختصره عبارة، ومحبةٌ لا تحدّها مسافة، ووفاءٌ سيبقى شاهدًا على أنّ أجمل ما يخلّده الأديب ليس كتبه وحدها، بل القلوب التي أنار دروبها، والأقلام التي ساعدها على أن ترى النور.
الدكتورة زبيدة الفول












